الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يحكى أنه حصلت عليهم أزمة شديدة، لحقهم منها ضرر شديد، فبعث بعض أهل تلك الناحية لرجل منهم بقرص خبز؛ لما يعلم من ضرورته، فأخذ الدّرسي القرص، وآثر به سرا صاحبا له، وأوهمه أنه قد انقضت حاجته من الطعام من موضع آخر، ثم إن الآخر آثر به صاحبا آخر سرا، ولم يزل كذلك حتى عاد القرص إلى الذي أعطيه أولا، فوصل به إلى الفقيه وأخبره القصة، فقال: الحمد لله الذي جعل في أصحابي صفة من صفات أصحاب الصفة وأنصار نبيه صلى الله عليه وسلم، وقسم القرص على عددهم.
فلما ظهر عبد الله بن حمزة بن سليمان بن حمزة، وغلب على تلك الناحية .. خرج الفقيه هذا في نحو ستين طالبا وقصد تهامة، فمر ببيت خليفة من أعمال المهجم، فأضافه هو وأصحابه جميعهم شيخ القرابليّين عمران بن قبيع ثلاثة أيام، وسأله أن يقف معه، ويدرس في قريته، فأجابه إلى ذلك، فأقام عنده عدة سنين إلى أن توفي الإمام عبد الله بن حمزة ووهن أمر الزيدية، فعاد الفقيه إلى بلده، فأقام بها مدة قدم في أثنائها الشيخ أبو الغيث بن جميل، وابتنى هنالك رباطا، وأقاما متعاضدين مدة، فلما ظهر الإمام أحمد بن الحسين، واشتدت شوكة الزيدية هنالك .. خرج الفقيه والشيخ معا إلى تهامة، فنزل الشيخ على الفقيه عطاء، ونزل الفقيه علي بن مسعود على صهره الفقيه عمرو بن علي التباعي، وكان مزوجا على بنت أخي الفقيه علي بن مسعود، ولم يزل الفقيه مقيما عند صهره بأبيات حسين إلى أن توفي في عشر الخمسين وست مائة.
3035 - [أبو الغيث بن جميل]
(1)
الشيخ الجليل السيد العارف بالله تعالى أبو الغيث بن جميل اليمني، شيخ الشيوخ، ذو المقامات العلية، والأحوال السنية.
كان قدس الله روحه عبدا يقطع الطريق، فبينما هو كذلك كامن للقافلة؛ إذ سمع هاتفا يقول:(يا صاحب العين؛ عليك أعين) فوقع ذلك منه موقعا أزعجه عما كان عليه، وأقبل به على الإقبال إلى الله تعالى والإنابة إليه.
(1)«السلوك» (1/ 332)، و «مرآة الجنان» (4/ 121)، و «العقود اللؤلؤية» (1/ 107)، و «طراز أعلام الزمن» (4/ 208)، و «تحفة الزمن» (1/ 255)، و «طبقات الخواص» (ص 406)، و «غربال الزمان» (ص 526)، و «شذرات الذهب» (7/ 442)، و «هجر العلم» (1/ 219).
وصحب في بدايته الشيخ ابن أفلح اليمني حتى ظهر عليه صدق الإرادة، وسيماء السعادة، وبدت منه كرامات:
منها: أنه خرج يحتطب ومعه حمار يحمل عليه الحطب، فوثب الأسد على الحمار فافترسه، فجمع الحطب، وحمله على الأسد والأسد مطيع، وساقه إلى أن وصل به إلى طرف البلد، ثم حط عنه الحطب وقال له: اذهب.
ومنها: أن زوجة شيخه المذكور طلبت منه شراء عطر من السوق، فذهب ليشتري لها، فكلم بعض العطارين في ذلك، فقال العطار: ما عندي شيء، فقال له أبو الغيث:
ما عندك شيء، فانعدم في الحال جميع ما كان في دكان العطار، فجاء إلى الشيخ يشكو إليه ما جرى على حوائجه من أبي الغيث، فاستدعى به الشيخ، وخاصمه بسبب إظهار ما ظهر له من الكرامة وقال له: سيفان لا يصلحان في غمد واحد، اذهب عني، فداراه أبو الغيث وتضرع له والتزم به، فأبى أن يصحبه، فذهب يلتمس من يصحب من الشيوخ لينتفع به، فكل من التمس منه الصحبة يقول: اكتفيت، ما تحتاج إلى شيخ، حتى جاء إلى الشيخ الكبير العارف بالله الخبير السيد المبجل المعروف بعلي الأهدل، فالتمس منه الصحبة، فأنعم له بذلك.
قال أبو الغيث: فلما صحبته .. كأني قطرة وقعت في بحر.
وقال أيضا: كنت عند ابن أفلح لؤلؤة بهماء، فثقبها الأهدل، وعلقها في عنقي.
قال الشيخ اليافعي: (كأنه يشير إلى أن محاسن أحواله المشكورة كانت عند ابن أفلح مستورة، فلما صحب الأهدل .. أظهر محاسنه التي يجليها عليه لكل من يجتليها)(1).
قال: (وله من الكلام في الحقائق الغامضات الدقائق، ما لا يفهمه إلا الخواص من الخلائق، ومن المواهب والعطاء الجسيم، ما لا ينال إلا من فيض فضل الله العظيم)(2).
توفي الشيخ أبو الغيث في سنة إحدى وخمسين وست مائة.
(1)«مرآة الجنان» (4/ 122).
(2)
«مرآة الجنان» (4/ 126).