الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فلم أقبل منه، فقلت: سألتك بالله يا سيدي إلا ما أخبرتني كيف تفعلون؟ هل هو طيران أم خطو أم ما ذلك؟ فقال له الفقيه: هو شيء لا أستطيع تكييفه، بل هو قدرة من قدرة الله تعالى، يختص بها من يشاء من عباده.
قال: وبلغني وفاته في نحو من ستين وست مائة بعد أن بلغ عمره نحوا من ثمانين سنة، وكل ذلك على طريق التقريب، والله أعلم.
3104 - [عبد الله الجماعي]
(1)
عبد الله بن عبد الرحمن بن الفقيه محمد بن أحمد بن الفقيه عمر بن إسماعيل بن علي بن إسماعيل بن يوسف بن علقمة الجماعي ثم الخولاني، وجماعة-بضم الجيم-بطن من خولان.
ولد سنة إحدى وتسعين وخمس مائة، وأدرك جده محمد بن أحمد، وأخذ عنه.
وعنه أخذ الفقيه محمد بن أبي بكر الأصبحي، والفقيه محمد بن عمر الزيلعي، وسمعا منه كتاب «الرقائق» لابن المبارك.
وكان عارفا بالفقه والحديث والتفسير، يحفظ «تفسير النقاش» حفظا جيدا، محبوبا عند الناس، مقبول الشفاعة، وكان يتنعم في مطعمه وملبسه فيدّان، فإذا ضاق حاله من الدين .. نزل إلى منصورية الجند، وتخلى له مدرسها عن منصبه، فيدرس بها مدة بقدر ما يحصل له من معلومه قضاء دينه، ولا يأكل من معلومها شيئا، فإذا قضى دينه .. رجع إلى بلده مبادرا، ومن بقي عليه شيء من قراءته لم يتمها .. لحقه إلى بلده، فيتم قراءته هنالك.
وكان صاحب كرامات ومكاشفات، ومنها قصة الهرة المشهورة، وهو أنه كان ليلة قائما يصلي ورده، وسمع من الشارع في قبالة الطاق الذي في بيته من ينادي: يا مسعودة، يا مسعودة، فأخفّ الفقيه الصلاة، ثم أشرف من الطاق، فإذا كلب على جذم حائط (2) يحدث هرة خرجت من بيت الفقيه حين دعاها، فقالت له الهرة: من أين جئت؟ قال: من زبيد اليوم؛ لأن الملك المعز قتل، وأريد أبلّغ الخبر صنعاء، ولكني جوعان، فانظري لي
(1)«السلوك» (1/ 470)، و «طراز أعلام الزمن» (2/ 119)، و «تحفة الزمن» (1/ 382)، و «هجر العلم» (2/ 771)، و «المدارس الإسلامية» (ص 41).
(2)
جذم حائط: بقية حائط.
شيئا آكله، فقالت له: ليس في البيت شيء إلا وقد غطي وذكر اسم الله عليه، قال: فما فيه صغير قد أكل شيئا فنام قبل أن يغسل فمه؟ قالت: بلى، ولكني أخشى أن تضره، قال:
لا، ولكن إذا أصبح وعلى فيه شيء .. فاطلوه بطحلب الجرة (1)، ثم غاب الكلب عن نظر الفقيه، ورجع الفقيه إلى ورده وإذ به يسمع بكاء ابن له صغير في مهده، فاستيقظت أمه، وحركته حتى نام، فلما أصبح .. ظهر على فم الصبي بثر، فقالت أمه للفقيه: انظر هذا الذي أصبح على فم ابني، فقال: منك، تطعمينه ولا تغسلين له فمه من الطعام، فذكرت أنها لم تغسل فمه تلك الليلة من الطعام، فأخذ الفقيه طحلب الجرة، وطلا به فم الصبي فبرئ، ثم أقبلت الهرة تمشي على عادتها، فقال لها الفقيه: هكذا يا مسعودة تساعدين علينا؟ ! فنظرت إلى الفقيه ساعة ثم ولت، فقال الفقيه: قد ربينا هذه الهرة، فالله عليها خير حفظا، فنزلت الهرة إلى الدّهليز، وأرادت تخرج من طاقة، فحنبت فيها (2)، فلما كان بعد يومين .. فقدت، فبحثوا عنها، فوجدوها قد حنبت في تلك الطاقة، فأمر الفقيه من خلصها وأتى بها إليه، فقال لها: لا بأس عليك، لا تغيري الصحبة.
فلما اشتهرت هذه الحكاية .. صار كل من حصل عليه بثر حول فمه طلاه بطحلب الجرة فبرئ، وجرب ذلك مرارا.
وكان الفقيه المذكور خطيب بلده وإمام جامعها.
وتوفي نحوا من سنة ستين وست مائة، وحضر دفنه خلق لا يحصون.
قال الجندي: (ومن غريب ما جرى يوم موته أنه كانت له بقرة-غالب إدامه من درها ودهنها-هلكت يوم وفاته، وأخرجت من الموضع قبل أن يخرجوا بالفقيه، وكان بينه وبين مؤذن مسجده مودة أكيدة، فلما توفي الفقيه .. خرج المؤذن في جملة المشيعين، وخرج معه بولد صغير له يحمله على كتفه؛ خوفا عليه من الزحام، فلما فرغ من الدفن .. جعل يطلب ولده يمينا وشمالا، فلما لم يبن .. صاح به، فأجابه الصبي وهو على كتفه، فتعجب الناس من اشتغال خاطره حتى نسي ابنه وهو على كتفه)(3).
(1) الطحلب-بضم الطاء واللام، وبفتح اللام أيضا-: الخضرة التي تعلو الماء الراكد.
(2)
حنبت: علقت (لهجة يمنية).
(3)
«السلوك» (1/ 472).