الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
4456 -
أنها ذكرت النار فبكت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما يبكيك؟ " قالت: ذكرت النار فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدًا: عند الميزان حنى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل، وعند الكتاب حين يقال: {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ} حتى يعلم أين يقع كتابه، أفي يمينه أم في شماله أم من وراء ظهره؟، وعند الصراط، إذا وضع بين ظهراني جهنم".
قلت: رواه أبو داود في السنة من حديث الحسن البصري عن عائشة وسكت هو والمنذري عليه. (1)
باب الحوض والشفاعة
من الصحاح
4457 -
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينا أنا أسير في الجنة، إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدرّ المجوّف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طينه مسك أذفر".
قلت: رواه البخاري في التفسير من حديث أنس في الرقائق وتفرد به. (2)
ومسك إذفر: أي طيب الريح والأذفر: نبات، والذفر بالتحريك يقع على الطيب والحبيب ويفرق بينهما بما يضاف إليه.
أعلم أن أحاديث الحوض صحيحة والإيمان به فرض والتصديق به من الإيمان وهو على ظاهره عند أهل السنة والجماعة ولا يتأول ولا يختلف فيه، قال القاضي (3):
(1) أخرجه أبو داود (4755) وإسناده ضعيف فيه عنعنة الحسن البصري، وأخرجه الحاكم (4/ 578) وقال: صحيح الإسناد على شرط الشيخين لولا إرسال فيه بين الحسن وعائشة، وأقره الذهبي.
وانظر: تهذيب سنن أبي داود للمنذري (7/ 147).
(2)
أخرجه البخاري في الرقائق (6581)، وفي التفسير (4964).
(3)
انظر: إكمال المعلم (7/ 260).
وحديثه متواتر النقل رواه خلائق من الصحابة، ذكره مسلم من رواية: ابن عمر، وأبي سعيد، وسهل بن سعد، وجندب، وعبد الله ابن عمرو، وعائشة، وأم سلمة، وعقبة، وابن مسعود، وحذيفة، وحارثة بن وهب، والمستورد، وأبي ذر، وثوبان، وأنس، وجابر بن سمرة، ورواه غير مسلم من رواية: أبي بكر وزيد ابن أرقم، وأبي أمامة، وعبد الله بن زيد، وأبي برزة، وسويد بن جبلة، وعبد الله الصنابحي، والبراء بن عازب، وأسماء بنت أبي بكر وخولة بنت قيس وغيرهم.
قال النووي: (1) ورواه الشيخان من رواية أبي هريرة ورواه غيرهما من رواية عمر بن الخطاب وعائذ بن عمر وآخرين وقد جمع ذلك كله الإمام أبو بكر البيهقي في كتابه "البعث والنشور" بأسانيده وطرقه المتكاثرات قال القاضي عياض (2): وفي بعض هذا ما يقتضي أن يكون الحديث متواترًا.
4458 -
قال صلى الله عليه وسلم: "حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من يشرب منها، فلا يظمأ أبدًا".
قلت: رواه البخاري في الحوض ومسلم في المناقب (3) وابن ماجه في الصيام كلهم من حديث ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عمرو بن العاص ولم يذكر البخاري: وزواياه سواء ولا أبيض من اللبن.
قوله صلى الله عليه وسلم: كيزانه كنجوم السماء. وفي رواية: والذي نفسي بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء.
(1) المنهاج (15/ 77).
(2)
انظر: إكمال المعلم (7/ 261)، وكتاب البيهقي "البعث والنشور" مطبوع في بيروت. وانظر: أحاديث الحوض فيه من صفحة (110 - 130).
(3)
أخرجه البخاري (6579)، ومسلم (2292) ولم أجده عند ابن ماجه.
قال النووي (1): الصواب أن هذا العدد للآنية على ظاهره ولا مانع عقلي ولا شرعي يمنع من ذلك بل ورد الشرع به مؤكدًا بالقسم. وقال القاضي عياض: هذا إشارة إلى كثرة العدد وغايته الكثيرة من باب قوله صلى الله عليه وسلم؟ لا يضع العصا عن عاتقه، والظمأ مهموز مقصور: العطش.
4459 -
قال صلى الله عليه وسلم: "إن حوضي أبعد من أيلة من عدن، لهو أشد بياضًا من الثلج، وأحلى من العسل باللبن، ولآنيته أكثر من عدد النجوم، وإني لأصد الناس عنه كما يصد الرجل إبل الناس عن حوضه"، قالوا: يا رسول الله أتعرفنا يومئذ؟ قال: "نعم، لكم سيما ليست لأحد من الأمم، تردون عليّ غرًّا محجّلين من أثر الوضوء".
قلت: رواه مسلم (2) في كتاب الوضوء من حديث أبي هريرة ولم يخرج البخاري أول هذا الحديث إلى قوله: باللبن ولم يقل: أتعرفنا إلى قوله: من الأمم.
قوله صلى الله عليه وسلم: أبعد من أيلة: هو بفتح الهمزة وإسكان المثناة من تحت وفتح اللام وهو مدينة معروفة في طرف الشام على ساحل البحر، متوسطة بين مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودمشق ومصر، بينها وبين المدينة خمسة عشر مرحلة، وبينها وبين دمشق نحو ثلثي عشر مرحلة، وبينها وبين مصر نحو ثمان مراحل، قال الحازمي: قيل هي آخر الحجاز وأول الشام (3).
وعدن بلد معروفة في طرف اليمن، مما يلي البحر، والمعنى أن بعد ما بين طرفي الحوض أزيد من بعد ما بين أيلة وعدن. والسيما: العلامة.
4460 -
وروي: "ترى فيه أباريق الذهب والفضة، كعدد نجوم السماء".
(1) المنهاج (15/ 80).
(2)
أخرجه مسلم (247).
(3)
انظر: معجم البلدان (1/ 292)، وإكمال المعلم (7/ 259).
قلت: رواه الشيخان من حديث أنس: البخاري في الحوض ومسلم في المناقب ولم يذكر البخاري الذهب ولا الفضة. (1)
4461 -
وروي: "يَغُتّ فيه ميزابان، يمدانه من الجنة، أحدهما من ذهب، والآخر من ورق".
قلت: رواه مسلم في المناقب من حديث ثوبان ولم يخرج البخاري في كتابه عن ثوبان شيئًا (2).
ويَغُتّ: بفتح الياء المثناة من تحت وبغين معجمة مضمومة ومكسورة ثم مثناة فوق مشددة، قال الهروي (3): معناه يدفقان فيه الماء دفقًا متتابعًا شديدًا، قالوا: وأصله من اتباع الشيء الشيء، وقيل: يصبان فيه دائمًا صبًّا شديدًا، ووقع في بعض نسخ مسلم يعب: بضم العين المهملة وباء موحدة وهو بمعنى ما سبق، والعب: الشرب بسرعة في نفس واحد، وفي بعض الروايات يثعب بمثلثة وعين مهملة أي يتفجر.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: يمدانه فبفتح الياء وضم الميم أي يزيدانه ويكثرانه.
4462 -
قوله صلى الله عليه وسلم: "إني فرطكم على الحوض، من مر علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدًا، ليردن عليّ أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم"، فأقول: إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا لمن غير بعدي.
قلت: رواه الشيخان: البخاري في الحوض وفي الفتن ومسلم في فضل النبي صلى الله عليه وسلم من حديث سهل بن سعد (4) إلى قوله: ثم يحال بيني وبينهم، وتمام الحديث زاده أبو سعيد
(1) أخرجه مسلم (2303)، والبخاري (6580).
(2)
أخرجه مسلم (2351).
(3)
انظر: غريب الحديث (1/ 91)، وإكمال المعلم (7/ 267).
(4)
أخرجه البخاري (6583)(6584)(7050، 7051)، ومسلم (2290، 2291).
الخدري، ولفظ الشيخين: من ورد يشرب، وفي بعض طرق البخاري: من مر شرب وبها روى المصنف.
قوله صلى الله عليه وسلم: أنا فرطكم على الحوض، قال أهل اللغة: الفرط: بفتح الفاء والراء والفارط: هو الذي يتقدم الوارد ليصلح لهم الحوض والدلاء، ونحوها من أمور الاستسقاء، فمعنى فرطكم على الحوض سابقكم إليه كالمهيء له (1).
قوله صلى الله عليه وسلم: ومن شرب لم يظمأ أبدًا أي شرب منه، والظمأ مهموز مقصور كما تقدم، قال القاضي (2): ظاهر هذا الحديث أن الشرب منه يكون بعد الحساب والنجاة من النار، فهذا هو الذي لا يظمأ بعده، قال: وقيل: ولا يشرب منه إلا من قدر له السلامة من النار، ويحتمل: أن من شرب منه من هذه الأمة وقدر عليه دخول النار لا يعذب فيها بالظمأ، بل يكون عذابه بغير ذلك، لأن ظاهر الحديث أن جميع الأمة تشرب منه إلا من ارتد وصار كافرًا قال: وقيل إن جميع المؤمنين من الأمم يأخذون كتبهم بأيمانهم ثم يعذب الله من شاء من عصاتهم، وقيل: إنما يأخذه بيمينه الناجون خاصة، قال القاضي (3): وهذا مثله.
قوله صلى الله عليه وسلم: سحقًا سحقًا أي بعدًا بعدًا ونصبه على المصدر وكرر للتوكيد.
4463 -
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يحبس المؤمنون يوم القيامة، حتى يهموا بذلك، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من مكاننا، فيأتون آدم، فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسكنك جنّته، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، اشفع لنا عند ربك، حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هُناكم، فيذكر خطيئته التي أصاب: وأكله من الشجرة وقد نهي عنها، ولكن ائتوا نوحًا: أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتون نوحًا، فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب:
(1) انظر: المنهاج للنووي (15/ 77 - 78).
(2)
انظر: إكمال المعلم (7/ 257).
(3)
انظر: المصدر السابق.
بسؤاله ربه بغير علم، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن: قال: فيأتون إبراهيم، فيقول: إني لست هناكم، ويذكر ثلاث كذبات كذبهن، ولكن ائتوا موسى: عبدًا آتاه الله التوراة، وكلّمه، وقربه نجيًّا، قال: فيأتون موسى، فيقول: إني لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب: وقتله النفس، ولكن ائتوا عيسى: عبد الله ورسوله، وروح الله وكلمته، قال: فيأتون عيسى، فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمدًا: عبدًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال: فيأتونني، فأستأذن على ربي في داره، فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجدًا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، فيقول: ارفع محمد! وقل يُسمع، واشفع تشفع، وسل تعطه، قال: فأرفع رأسي، فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حدًّا، فأخرج فأُخرجهم من النار، فأدخلهم الجنة، ثم أعود، فأستأذن على ربي في داره، فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجدًا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقول: ارفع محمد، وقل يسمع، واشفع تشفع، وسل تعطه، قال: فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حدًّا فأخرج فأدخلهم الجنة، ثم أعود فأستأذن على ربي في داره، فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجدًا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقول: ارفع محمد، وقل يُسمع، واشفع تشفع، وسل تعطه، قال: فأرفع رأسي، فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حدًّا فأخرج فأدخلهم الجنة، حتى ما يبقى في النار إلا من قد حبسه القرآن" أي: وجب عليه الخلود، ثم تلا هذه الآية {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} ، وقال:"وهذا المقام المحمود الذى وعِدَه نبيكم صلى الله عليه وسلم".
قلت: رواه البخاري في التفسير وفي التوحيد واللفظ له في التوحيد ومسلم في الإيمان والنسائي في التفسير. (1)
قوله صلى الله عليه وسلم: يهموا بذلك هو على البناء للمفعول من أهمه الأمر إذا أقلقه وأحزنه أي حتى يخرجك من الحبس.
(1) أخرجه البخاري (6565)، (7440)، ومسلم (193)، والنسائي في الكبرى (10984).
قوله صلى الله عليه وسلم: لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا أي يخلصنا ويريحنا منصوب بأن مقدرة بعد الفاء في جواب التمني وهو "لو".
وقول آدم عليه السلام: لست هناكم. قال النووي (1): معناه لست أهلًا لذلك، قوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن الأنبياء عليهم السلام: لسنا هناكم، ويذكرون خطاياهم قد اختلف العلماء في جواز المعاصي على الأنبياء ولا خلاف في أن الكفر بعد النبوة ليس بجائز عليهم وكذا قبلها على الصحيح ولا خلاف أنهم معصمون من الكبائر، وكلما طريقه الإبلاغ في القول أو الفعل، وكذلك لا خلاف أنهم معصومون من الصغائر التي تزري صاحبها وتحط منزلته، واختلفوا في غيرها من الصغائر فذهب جماعات من المتكلمين والفقهاء المحققين إلى عصمتهم من ذلك أيضًا، وهذا هو الحق، واختلفوا في جواز السهو والنسيان عليهم، فنقل النووي (2) عن معظم المحققين وجماهير العلماء أنهم ذهبوا إلى جواز ذلك، ووقوعه منهم، قال: وهذا هو الحق ثم لا بد من تنبيههم عليه وذكرهم إياه إما في الحين على قول جمهور المتكلمين وإما قبل وفاتهم على قول بعضهم.
قوله في قول آدم: خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، هو من إضافة التشريف، قال ابن الأنباري: الخليل معناه المحب الكامل، والمحبوب الموفي بحقيقة المحبة واللذان ليس في حبهما نقص ولا خلل، وقيل: مأخوذ من الخلة وهي الحاجة، فسمى إبراهيم عليه السلام بذلك لأنه قصر حاجته على ربه سبحانه وتعالى.
قال الواحدي: والقول الأول هو الاختيار لأن الله تعالى خليل إبراهيم وإبراهيم خليل الله تعالى ولا يقال الله تعالى خليل إبراهيم من الخلة الذي هو الحاجة.
(1) المنهاج (3/ 67).
(2)
المصدر السابق (3/ 66).
قوله صلى الله عليه وسلم: عبدًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، اختلف العلماء في معناه قال القاضي عياض (1): المتقدم ما كان قبل النبوة، والمتأخر ما عصمه بعدها، قيل ما وقع عن سهو أو تأويل، وقيل مغفور لك غير مؤاخذ بذنب لو كان (2).
قوله صلى الله عليه وسلم: فأستأذن عليه في داره، قال الخطابي (3): أي في داره التي دورها لأنبيائه وأوليائه وهي الجنة، قال تعالى:{لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ} وهذا كما يقال بيت الله أي البيت الذي جعله الله مثابة للناس وأمنًا.
4464 -
قال صلى الله عليه وسلم: "إذا كان يوم القيامة، ماج الناس بعضهم في بعض، فيأتون آدم فيقولون: اشفع لنا إلى ربك، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن، فيأتون إبراهيم فيقول: لست لها، ولكن عليكم بموسى، فإنه كليم الله، فيأتون موسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بعيسى، فإنه روح الله وكلمته، فيأتون عيسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمد، فيأتونني فأقول: أنا لها، فأستأذن على ربي، فيؤذن لي، ويلهمني محامد فأحمده بها، لا تحضرني الأن، فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدًا، فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثال شعيرة من إيمان، فأنطلق فأفعل، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدًا، فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق فأخرج من كان في قلبه مثقال ذرة بخير أو خردلة من إيمان فانطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدًا، فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردلة من
(1) انظر: إكمال المعلم (1/ 575).
(2)
انظر: المنهاج للنووي (3/ 66 - 70)، وإكمال المعلم (1/ 573 - 578).
(3)
انظر: أعلام الحديث للخطابي (4/ 2355).
إيمان، فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل، ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدًا، فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله قال: ليس ذلك لك، ولكن وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي، لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله".
قلت: رواه البخاري في كتاب التوحيد بهذا اللفظ ورواه مسلم في الإيمان وقال في الأول: مثقال حبة من خردل أو شعيرة من إيمان، وقال في الثانية: مثقال حبة من خردل، وقال في الثالثة: فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار. (1)
قال عبد الحق في الجمع بين الصحيحين: وليس في رواية البخاري: ليس ذلك لك (2)، إنما هو في رواية مسلم.
وماج الناس: أي اختلط بعضهم ببعض مقبلين ومدبرين حيارى.
4465 -
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة، من قال: لا إله إلا الله، خالصًا من قلبه أو نفسه".
قلت: رواه البخاري في العلم وفي صفة الجنة والنسائي (3) في العلم كلاهما من حديث أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث: أسعد الناس بشفاعتي
…
" وساقه، ولم يخرجه مسلم.
4466 -
قال: أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بلحم، فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه، فنهس منها نهسة، ثم قال: "أنا سيد الناس يوم القيامة، يوم يقوم الناس لرب العالمين، وتدنو
(1) أخرجه البخاري (7510)، ومسلم (193).
(2)
انظر: الجمع بين الصحيحين للحميدي (2/ 546)، وذكره من رواية البخاري.
(3)
أخرجه البخاري (99)، والنسائي في الكبرى (5842).
الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون، فيقول الناس ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيأتون آدم .. " وذكر حديث الشفاعة، وقال: "فأَنطلق فآتي تحت العرش، فأقع ساجدًا لربي، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب، فقال: يا محمد! أدخل من أمتك مَنْ لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء للناس فيما سوى ذلك من الأبواب"، ثم قال: "والذي نفسي بيده، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة، كما بين مكة وهجر".
قلت: رواه الشيخان بألفاظ متقاربة: البخاري في التفسير في سورة بني إسرائيل وذكره في بدء الخلق ومسلم في الإيمان من حديث أبي هريرة. (1)
قوله: فنهس منها نهسة قال عياض: أكثر الروايات رووه بالمهملة ووقع لابن ماهان.
بالمعجمة وكلاهما صحيح وهو بالمهملة من أطراف الأسنان وبالمعجمة بالأضراس.
والسيد: هو الذي يفوق قومه، ويفزع إليه في الحوائج، والنبي صلى الله عليه وسلم سيدهم في الدنيا والآخرة، وإنما خص يوم القيامة لارتفاع السؤدد فيها وتسليم جميعهم له، ولكون آدم وجميع أولاده تحت لوائه صلى الله عليه وسلم.
والمصراعان: بكسر الميم جانبا الباب. وهجر: بفتح الهاء والجيم وهي مدينة عظيمة وهي قاعدة البحرين.
قال الجوهري (2): هجر اسم بلد مذكّر مصروف. قال أبو القاسم الزجاج في الجمل هجر يذكر ومؤنث.
قال النووي (3): وهجر هذه غير هجر المذكورة في حديث القلتين.
(1) أخرجه البخاري في التفسير (4712)، وفي الأنبياء (3340)، ومسلم (194).
(2)
انظر: الصحاح للجوهري (2/ 852).
(3)
انظر: المنهاج للنووي (3/ 84).
4467 -
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "وترسل الأمانة والرحم، فيقومان جَنَبتي الصراط، يمينًا وشمالًا".
قلت: رواه مسلم في حديث طويل من حديث حذيفة وأبي هريرة (1) في الإيمان، ولم يخرج البخاري هذه القطعة منه التي اقتصر عليها المصنف في ذكر الأمانة والرحم، وجنبتا الصراط: ناحيتاه.
قال ابن الأثير (2): جنبة الوادي: بفتح النون جانبه وناحيته، والمعنى: أن الأمانة والرحم لعظم شأنهما وفخامة أمرهما تمثلان عند الصراط، وتقومان بقربه فإنه ممر الصالح والعاصي، وعليه يمر الداني والقاصي فيشهدان للأمين والواصل وعلى الخائن والقاطع (3).
4468 -
أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله تعالى في إبراهيم: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي} وقال عيسى: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} فرفع يديه، فقال:"اللهم أمتي أمتي، وبكى فقال الله عز وجل: يا جبريل! اذهب إلى محمد -وربك أعلم- فسَلْه: ما يُبكيه، فأتاه جبربل، فسأله؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال: فقال الله لجبريل: اذهب إلى محمد فقل: "إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءُك".
قلت: رواه مسلم في الإيمان والنسائي في التفسير من حديث عبد الله بن عمرو ولم يخرجه البخاري. (4)
4469 -
أن ناسًا قالوا: يا رسول الله هل نوى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم، هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صَحْوًا، ليس معها سحاب؟ وهل
(1) أخرجه مسلم (195).
(2)
انظر: النهاية لابن الأثير (1/ 303).
(3)
انظر: المنهاج للنووي (3/ 87).
(4)
أخرجه مسلم (202)، والنسائي في الكبرى (11269).
تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوًا ليس فيها سحاب؟ قالوا: لا، يا رسول الله قال:"ما تضارون في رؤية الله يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب، إلا يتساقطون في النار، حتى لم يبق إلا من كان يعبد الله -من بر وفاجر-: أتاهم رب العالمين، قال: فماذا تتنظرون؟ يتبع كل أمة ما كانت تعبد، قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم".
قلت: رواه البخاري في تفسير سورة النساء وفي التوحيد ومسلم في الإيمان من حديث أبي سعيد الخدري. (1)
وتضارون: روي بتشديد الراء وتخفيفها والتاء مضمومة فيهما وقد تقدم تفسير ذلك في آخر أحاديث الصحاح في الباب الذي قبل هذا.
- وفي رواية أبي هريرة: "فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه".
وفي رواية أبي سعيد: "فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق، ولا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه، إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً، إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد، خر على قفاه، ثم يُضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلّم سلّم، فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل، والركاب: فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكردس في نار جهنم، حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده، ما من أحد منكم بأشد مناشدة في الحق -قد تبين لكم- من المؤمنين: لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا، ويصلون ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا ما بقي فيها
(1) أخرجه البخاري في التوحيد (7439)، والتفسير (4581)، ومسلم (183).
أحد ممن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيرًا، فيقول الله: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيُخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط، قد عادوا حُمَمًا فيُلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له: نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل، فيخرجون كاللؤلؤ، في رقابهم الخواتم، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدّموه، فيقال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه".
قلت: حديث أبي سعيد هذا من قوله: أن ناسًا قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا إلى آخر الرواية الثالثة وهي قوله: لكم ما رأيتم ومثل معه، رواه الشيخان مع زيادة فيه اختصرها المصنف رضي الله عنهم واعترض الشيخ بين رواية أبي سعيد برواية أبي هريرة، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، وهي رواها الشيخان أيضًا في حديث طويل عن أبي هريرة بمثل معنى حديث أبي سعيد (1).
قوله صلى الله عليه وسلم: فيكشف عن ساق ضبط يكشف بضم الياء وفتحها، وفسر ابن عباس وجمهور أهل اللغة: الساق هنا بالشدة أي يكشف عن شدة وأمر مهول، قالوا: وهذا مثل تضربه العرب لشدة الأمر، ولهذا يقولون: قامت الحرب على ساق، وأصله أن الإنسان إذا وقع في شدة يقال: شمر ساعده، وكشف عن ساقه، للاهتمام به، وقيل:
(1) أخرجه البخاري (7439) و (806)، ومسلم (182) و (183).
المراد بالساق هنا نور عظيم وورد ذلك في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن فورك (1): ومعنى ذلك ما يتجدد للمؤمنين عند رؤية الله تعالى من الفوائد والألطاف (2).
قال الخطابي (3): وهذه الرؤية التي في هذا المقام يوم القيامة غير الرؤية التي في الجنة لكرامة أولياء الله تعالى وإنما هذه للامتحان وقد استدل بعض العلماء بهذا الحديث وأنه تعالى أمرهم بالسجود وفيهم من لا يستطيعه على جواز تكليف ما لا يطاق. قال النووي (4): وهذا باطل لأن هذا السجود إنما هو امتحان وليس بتكليف.
وطبقة: بفتح الطاء والباء قال الروي وغيره: الطبق فقار الظهر أي صار فقاره طبقة واحدة كالصحفة فلا يقدر على السجود.
قوله صلى الله عليه وسلم: فناج مسلم إلى آخره، يعني أنهم ثلاثة أقسام، قسم يسلم ولا يناله شيء فيخلص، وقسم يكردس ويلقى فيسقط في جهنم.
ومكردس هو بالسين المهملة قال القاضي عياض (5): كذا هو عند أكثر الرواة أي الموثق الملقى في النار أو الملقى على غيره بعضهم على بعض في النار، قال: ورواه بعضهم بالشين المعجمة ومعناه السوق.
(1) انظر: مشكل الحديث لابن فورك (ص: 190 - 193).
(2)
ذكرت بأن علماء أهل السنة والجماعة يرون إثبات جميع الصفات التي جاءت في كلام الله أو في كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل كما قال السلف رحمهم الله: أمروها كما جاءت، فتأويل الساق إلى نور وغيره باطل، لأن السياق لا يدل على ما ذهب إليه المؤلف.
وكذلك الرؤية ثابتة للمؤمنين كما دلت عليه {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} وقال الحسن في قوله سبحانه {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} قال: يكشف الحجاب، فينظر إليه المؤمنون والكافرون ثم يحجب عنه الكافرون وينظر إليه المؤمنون كل يوم غدوة وعشية، انظر: تفسير ابن كثير (8/ 373).
(3)
انظر: أعلام الحديث للخطابي (1/ 523 - 524).
(4)
انظر: المنهاج للنووي (3/ 35 - 36).
(5)
انظر: إكمال المعلم (1/ 552 - 553).
قوله صلى الله عليه وسلم: ما من أحد منكم بأشد مناشدة في الحق وقد تبين لكم من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار.
الحق: أي في الأمر الحق وقد تبين لكم حال من الحق أي في أمر حق مبينًا لكم، ومن المؤمنين متعلق بأشد، ولله متعلق بالمناشدة ولإخوانهم أي لأجل إخوانهم، فالمؤمنون هم المناشدون، والله تعالى هو المناشد معه، ولإخوانهم هم المناشد فيهم، ويوم القيامة ظرف لأشد تقديره ما من أحد ناشد مناشدة يوم من المؤمنين لله لأجل إخوانهم الذين هم في النار.
وفيقبض قبضة من النار معناه يجمع جماعة.
وعادوا: أي صاروا، وليس بلازم في عاد أن يصير إلى حال كان عليها قبل ذلك.
والحمم: بضم الحاء وفتح الميم المخففة وهو الفحم الواحد حممة.
والنهر: فيه لغتان بفتح الهاء وهو الأجود وإسكانها.
والأفواه: جمع فوهة، قال النووي (1): بضم الفاء وتشديد الواو المفتوحة وهو جمع سمع من العرب على غير قياس، وأفواه الأنهار أولها.
والخواتم: جمع خاتم بفتح التاء وكسرها. والحبة: بكسر الحاء المهملة بذور البقول وحب الرياحين، وقيل هو نبت صغير ينبت في الحشيش، فأما الحبة: بالفتح فهي الحنطة والشعير ونحوهما وليس بمراد هنا (2).
وحميل السيل: هو بفتح الحاء ما يجيء به السيل من طين أو غثاء أو غيره فعيل بمعنى مفعول، فإذا نقعت فيه حبة واستقرت على شط مجرى السيل، فإنها تنبت في يوم وليلة.
4470 -
قال صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، يقول الله تعالى: من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فأخرجوه، فيخرجون قد امتحشوا وعادوا
(1) انظر: المنهاج للنووي (3/ 40).
(2)
انظر: إكمال المعلم (1/ 546 - 553)، وشرح السنة (15/ 176 - 179)، والمنهاج (3/ 32 - 41).
حُممًا، فيُلْقَون في نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ألم تروا أنها تخرج صفراء ملتوية".
قلت: رواه الشيخان كلاهما في الإيمان وترجم عليه البخاري باب تفاضل الإيمان. (1)
وامتحشوا: قال في المشارق (2): ضبطه أكثرهم بضم التاء وكسر الحاء المهملة على ما لم يسم فاعله وضبطه بعضهم بفتحهما أيضًا.
قال: في شرح السنة (3): أي احترقوا والمحش احتراق الجلد وظهر العظم.
4471 -
أن الناس قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟
…
فذكر معنى حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، غير كشف الساق، وقال: "ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلّم سلّم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، لا يعلم قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يوبَق بعمله، ومنهم من يخردل ثم ينجو، حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عبادة، وأراد أن يخرج من النار من أراد أن يخرجه ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله، أمر الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله، فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فكل ابن آدم تأكله النار، إلا أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ويبقى رجل بين الجنة والنار، وهو آخر أهل النار دخولًا الجنة، مقبل بوجهه قبل النار، فيقول: يا رب اصرف وجهي عن النار، قد قشبني ريحها، وأحرقني ذكاؤها، فيقول: هل عسيت إن فعل ذلك بك أن تسأل غير ذلك؟ فيقول: لا، وعزتك، فيعطي الله ما شاء من عهد وميثاق، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل به إلى الجنة، رأي
(1) أخرجه البخاري (22)، ومسلم (184).
(2)
انظر: مشارق الأنوار (1/ 374).
(3)
انظر: شرح السنة للبغوي (15/ 177).
بهجتها، سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم قال: يا رب قدمني عند باب الجنة، فيقول الله تبارك وتعالى: أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي كنت سألت؟ فيقول: يا رب لا أكون أشقى خلقك، فيقول: فما عسيت إن أعطيت ذلك أن تسأل غيره؟، فيقول: لا، وعزتك لا أسأل غير ذلك، فيعطي ربه ما شاء من عهد وميثاق، فيقدمه إلى باب الجنة فإذا بلغ بابها، فرأى زهرتها وما فيها من النضرة والسرور، فسكت ما شاء الله أن يسكت، فيقول: يا رب أدخلني الجنة، فيقول الله تبارك وتعالى: ويلك يا ابن آدم ما أغدرك! أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي أعطيت؟! فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك، فلا يزال يدعو، حتى يضحك الله منه، فإذا ضحك منه أذن له في دخول الجنة فيقول له: تمنّ، فيتمنى حتى إذا انقطع أمنيته قال الله تعالى: تمن من كذا وكذا أقبل يذكره ربه حتى إذا انتهت به الأماني، قال الله تعالى: لك ذلك ومثله معه".
قلت: رواه البخاري في الصلاة في فضل السجود وفي التوحيد وفي غير موضع ومسلم في الإيمان وألفاظهما متقاربة المعنى من حديث أبي هريرة. (1)
والكلاليب: جمع كلوب بفتح الكاف وضم اللام المشددة وهو حديدة معطوفة الرأس يعلق عليها اللحم ويرسل في التنور.
والسعدان: بفتح السين وإسكان العين المهملتين وهو نبت له شوكة عظمية مثل الحسك من كل الجوانب.
وتخطف الناس: هو بفتح الطاء ويجوز كسرها، يقال: خطف بفتح الطاء وكسرها وبالفتح أكثر، والكسر أفصح، ويجوز أن يكون معناه: تخطفهم بسبب أعمالهم القبيحة، ويجوز أن يكون معناها تتخطفهم على قدر أعمالهم.
قوله صلى الله عليه وسلم: فمنهم من يوبق بعمله هو بالباء الموحدة أي يهلك.
(1) أخرجه البخاري (806)(6573)(6574)(7437)(7438)، ومسلم (182).
وأما المخردل، فمعناه الذي يقطع الكلاليب لحمه، وهو بالخاء المعجمة والدال المهملة ويقال فيه بالمعجمة أيضًا ورواه بعضهم بالجيم عوض الحاء ومعناه المشرف على الهلاك.
والحبة: وحميل السيل بكسر الحاء من الأول وفتحها من الثاني وقد تقدم تفسير ذلك قريبًا في هذا الباب.
وقشبني ريحها: بقاف مفتوحة أي سمني بالسين المهملة وآذاني وأهلكني، وأحرقني ذكاؤها: بفتح الذال المعجمة وبالمد كذا وقع في جميع الروايات ومعناه لهبها وشدة وهجها.
قال النووي: والأشهر في اللغة: القصر، وحكى جماعات فيه المد والقصر.
وعسيت هو بفتح التاء على الخطاب وبفتح السين وكسرها لغتان (1).
- وقال أبو سعيد: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله: لك ذلك وعشرة أمثاله".
قلت: رواه الشيخان (2)، ذكراه في الحديث الأول فقالا: وقال عطاء بن يزيد وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة لا يرد عليه من حديثه شيئًا، حتى إذا حدث أبو هريرة: أن الله عز وجل قال لذلك الرجل ومثله معه، قال أبو سعيد: وعشرة أمثاله معه يا أبا هريرة، قال أبو هريرة: ما حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قوله: ذلك لك ومثله معه، قال أبو سعيد: أشهد أني حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: ذلك له وعشرة أمثاله.
4472 -
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "آخر من يدخل الجنة: رجل فهو يمشي مرة، ويكبو مرة، وتسفعه النار مرة، فإذا جاوزها التفت إليها، فقال: تبارك الذي نجاني منك، لقد أعطاني الله شيئًا ما أعطاه أحدًا من الأولين والآخرين، فترفع له شجرة، فيقول: يا رب أدنني من هذه الشجرة فلأستظل بظلها، وأشرب من مائها، فيقول الله: يا ابن آدم لعلّي إن أعطيتكها تسألني غيرها؟ فيقول: لا يا رب، ويعاهده أن لا يسأله غيرها، فيدنيه
(1) انظر: أعلام الحديث للخطابي (1/ 532 - 533)، وإكمال المعلم (1/ 550 - 554)، والمنهاج للنووي (3/ 26 - 31).
(2)
سبق تخريجه.
منها، فيستظل بظلها، ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى، فيقول: أي رب أدنني من هذه الشجرة، لأشرب من مائها، وأستظل بظلها، فيقول: يا ابن آدم ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ قال: بلى يا رب، فيقول: لعلّي إن أدنيتك منها تسألني غيرها؟ فيعاهده ألا يسأله غيرها، فيدنيه منها، فيستظل بظلها، ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة، هي أحسن من الأوليين، فيقول: أي رب أدنني من هذه الشجرة، فلأستظل بظلها، وأشرب من مائها، فيقول: يا ابن آدم! ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ قال: بلى يا رب، هذه لا أسألك غيرها، وربّه يعذره، لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فإذا أدناه منها سمع أصوات أهل الجنة، فيقول: أي رب أدخلنيها، فيقول: يا ابن آدم ما يصريني منك؟ أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال: أي رب أتستهزى مني وأنت رب العالمين؟ ".
فضحك ابن مسعود، فقالوا: مم تضحك؟ قال: هكذا ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: "من ضحك رب العالمين، حين قال: أتستهزىء مني وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزىء منك، ولكني على ما أشاء قدير".
قلت: هذا الحديث رواه مسلم في الإيمان (1) وذكره الحميدي (2) فيما انفرد به عن البخاري، وكذا عزاه عبد الحق لمسلم، وقال: لم يخرج البخاري هذا الحديث وأخرج نحو هذه القصة من حديث أبي هريرة كما خرجه مسلم من حديثه، ولم يذكر: الشجرة، وأراد عبد الحق حديث أبي هريرة الذي قبل هذا.
ومعنى: يكبو أي يسقط على وجهه، وتسفعه: بفتح التاء وإسكان السين المهملة وفتح الفاء، ومعناه: تضرب وجهه وتسوده وتؤثر فيه أثرًا.
وما يصريني منك: هو بفتح الياء وإسكان الصاد المهملة، ومعناه: يقطع مسئلتك مني.
(1) أخرجه مسلم (187).
(2)
انظر: الجمع بين الصحيحين للحميدي (1/ 239 - 241 رقم: 310).
وضحك رب العالمين: معناه الرضى والرحمة، وإرادة الجنة لمن يشاء من عبادة (1).
- وفي رواية: "ويذكّره الله: سل كذا وكذا، حتى إذا انقطعت به الأماني، قال الله: هو لك وعشرة أمثاله، قال: ثم يدخل بيته، فتدخل عليه زوجتاه من الحور العين، فتقولان: الحمد لله الذي أحياك لنا وأحيانا لك، قال: فيقول: ما أعطي أحد مثل ما أعطيت".
قلت: هذه الرواية عزاها ابن الأثير (2) إلى رواية مسلم من حديث أبي سعيد الخدري في حديث طويل ذكره مسلم عقيب حديث ابن مسعود، وقال الحميدي في كتابه إن مسلمًا لم يذكر في هذا الحديث هذه الزيادة، وهي قوله: ويذكره الله سل كذا وكذا إلى آخرها. قال ابن الأثير: ورأيت هذه الزيادة في مسلم ولعل ذلك لم يكن في كتاب الحميدي.
قلت: والصواب والله أعلم ما قاله ابن الأثير فإن المصنف ذكرها في الصحاح وليست في البخاري باتفاق، وقد رواها ابن الأثير في مسلم وكذلك عبد الحق في الجمع بين الصحيحين لمسلم وقال: لم يخرجها البخاري وقد رأيتها في نسخة سماعنا على ابن عبد الهادي.
4473 -
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليصيبن أقوامًا سفع من النار بذنوب أصابوها عقوبة، ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته، فيقال لهم: الجهنميون".
قلت: رواه البخاري في التوحيد من حديث أنس ولم يخرجه مسلم. (3)
قوله صلى الله عليه وسلم: سفع من النار أي علامة. قال ابن الأثير (4): يريد صلى الله عليه وسلم أثرًا من النار.
(1) صفة "الضحك" ثابتة لله سبحانه وتعالى، فنثبتها كما جاءت بدون تكييف ولا تأويل وتأويلها بالرضى والرحمة وغيرها هو من حمل الكلام على غير ظاهره، وقد سبق الكلام عن الصفات مرارًا.
(2)
انظر: جامع الأصول (10/ 556 - 557).
(3)
أخرجه البخاري (7450).
(4)
انظر: النهاية (2/ 374).
4474 -
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يخرج قوم من النار بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، فيدخل الجنة، ويسمون الجهنميين".
قلت: رواه البخاري في صفة الجنة وأبو داود في السنة والترمذي في صفة النار وابن ماجه في الزهد كلهم من حديث عمران بن حصين ولم يخرج في مسلم عن عمران في الشفاعة شيئًا. (1)
4475 -
وفي رواية: "يخرج قوم من أمتي من النار بشفاعتي، يسمون الجهنميين".
قلت: رواها البخاري من حديث عمران بن حصين. (2)
4476 -
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني لأعلم آخر أهل النار خروجًا منها، وآخر أهل الجنة دخولًا: رجل يخرج من النار حبوًا، فيقول الله: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فيخيّل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى! فيقول الله: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول الله: اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها، فيقول: أتسخر مني -أو تضحك مني- وأنت الملك؟ " ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك، حتى بدت نواجذه وكان يقال:"ذلك أدنى أهل الجنة منزلة".
قلت: رواه الشيخان: البخاري في الرقائق ومسلم في الإيمان من حديث ابن مسعود. (3)
4477 -
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولًا الجنة، وآخر أهل النار خروجًا منها: رجل يوتى به يوم القيامة، فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه كبارها، فيعرض عليه صغار ذنوبه، فيقال: عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر، وهو
(1) أخرجه البخاري (6566)، وأبو داود (4740)، والترمذي (2600)، وابن ماجه (4315).
(2)
أخرجه البخاري (6566).
(3)
أخرجه البخاري (6571)، ومسلم (186).
مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه، فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة، فيقول: رب قد عملت أشياء لا أراها ههنا"، ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك، حتى بدت نواجذه.
قلت: رواه مسلم في الإيمان من حديث أبي ذر ولم يخرجه البخاري. (1)
والنواجذ: بالنون المفتوحة والجيم المكسورة والذال المعجمة جمع ناجذ وهو آخر الأضراس، وللإنسان أربعة نواجذ في أقصى الأسنان.
4478 -
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يخرج من النار أربعة، فيعرضون على الله تعالى ثم يؤمر بهم إلى النار، فيلتفت أحدهم، فيقول: أي رب لقد كنت أرجو -إذ أخرجتني منها- أن لا تعيدني فيها، قال: فينجيه الله منها".
قلت: رواه مسلم في الإيمان من حديث حماد بن سلمة عن ثابت وأبي عمران الجوني عن أنس ولم أر في نسختي من مسلم لفظة: لقد كنت أرجو بل لفظهما: أي رب إذا أخرجتني منها فلا تعدني فيها، ولم يخرج البخاري هذا الحديث. (2)
4479 -
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يخلص المؤمنون من النار، فيُحْبَسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا ونقّوا، أُذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده، لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا".
قلت: رواه البخاري في المظالم وفي الرقائق من حديث أبي سعيد ولم يخرجه مسلم. (3)
4480 -
قال صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل أحد الجنة، إلا أُري مقعده من النار، لو أساء ليزداد شكرًا، ولا يدخل النار أحد، إلا أُري مقعده من الجنة، لو أحسن ليكون عليه حسرة".
(1) أخرجه مسلم (190).
(2)
أخرجه مسلم (192).
(3)
أخرجه البخاري (2440)(6535).