الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
4700 -
قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس يتحدث، يكثر أن يرفع طَرْفه إلى السماء".
قلت: رواه أبو داود في الأدب والبيهقي في الدلائل من حديث عبد الله بن سلام وفي سندهما: محمد بن إسحاق (1). وسلام: بفتح السين المهملة. وتخفيف اللام.
باب المبعث وبدء الوحي
من الصحاح
4701 -
قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأربعين سنة فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة.
قلت: رواه الشيخان: البخاري في الهجرة ومسلم في المناقب واللفظ للبخاري. (2)
قال النووي في شرح مسلم (3): أصح الروايات وأشهرها في سِنّه صلى الله عليه وسلم أنه ثلاث وستون.
والثانية: ستون سنة، والثالثة: خمس وستون سنة، وهاتان الروايتان قد أولتا فرواية "ستين" اقتصر فيها على العقود، وترك الكسر ورواية "الخمس" متأولة أو حصل فيها اشتباه، وقد أنكر عروة على ابن عباس قوله "خمس وستون" ونسبه إلى الغلط، وهذا الحديث يؤيد ما اتفقوا عليه من كونه صلى الله عليه وسلم كانت إقامته بالمدينة عشر سنين، وبمكة قبل النبوة أربعين سنة، وأن الصحيح أن إقامته صلى الله عليه وسلم بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة، ورويت رواية شاذة أنه إنما بعث على رأس ثلاث وأربعين سنة، وولد صلى الله عليه وسلم عام الفيل
(1) أخرجه أبو داود (4837) في الأدب، أخرجه البيهقي في الدلائل (1/ 321) وإسناده ضعيف. انظر: الضعيفة (1768).
(2)
أخرجه البخاري (3851)(3902)(3903)، ومسلم (2351).
(3)
انظر: المنهاج للنووي (15/ 146).
على الصحيح، واتفقوا على أنه يوم الإثنين في شهر ربيع الأول. واختلفوا [في يوم الولادة من الشهر] فقيل: ثانيه وقيل: ثامنه وقيل: عاشره وقيل: ثاني عشرة.
4702 -
قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة سنة، يسمع الصوت ويرى الضوء سبع سنين، ولا يرى شيئًا، وثماني سنين يوحى إليه، وأقام بالمدينة عشرًا.
قلت: رواه مسلم في المناقب. (1)
قال عبد الحق: ولم يخرج البخاري من هذا الحديث إلا: ذكر الإقامة بالمدينة.
قوله: يسمع الصوت ويرى الضوء، قال عياض (2): أي صوت الهاتف به من الملائكة.
ويرى الضوء: أي نور الملائكة ونور آيات الله تعالى حتى رأى الملك بعينه وشافهه بآيات الله تعالى (3).
4703 -
ويُروى عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وهو ابن خمس وستين سنة.
قلت: هذه الرواية من الحديث الأول رواها مسلم في المناقب. (4)
4704 -
ويُروى عن ربيعة عن أنس قال: توفّاه الله على رأس ستين سنة.
قلت: روى الشيخان هذه الرواية في حديث طويل عن أنس البخاري في صفة النبي صلى الله عليه وسلم ومسلم في المناقب. (5)
4705 -
قال: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة، وأبو بكر وهو ابن ثلاث وستين سنة، وعمر وهو ابن ثلاث وستين سنة.
قلت: رواه مسلم في المناقب ولم يخرجه البخاري. (6)
(1) أخرجه مسلم (2353).
(2)
انظر: إكمال المعلم (7/ 319).
(3)
انظر: المصدر السابق والمنهاج للنووي (15/ 152).
(4)
أخرجه مسلم (2353).
(5)
أخرجه البخاري (5900) في اللباس وليس في صفته، ومسلم (2347).
(6)
أخرجه مسلم (2348).
قال محمد بن إسماعيل: ثلاث وستين أكثر. ومحمد بن إسماعيل هو البخاري.
4706 -
قالت: أول ما بُدِيءَ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي: الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنّث فيه، وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قال:"ما أنا بقارئ" قال: "فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني، فقال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأ كرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم} فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة"، فقال:"زملوني زملوني" فزملوه حنى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة، وأخبرها الخبر:"لقد خشيت على نفسي" فقالت خديجة: كلا، والله لا يخزيك الله أبدًا: إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، ثم انطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل -ابن عم خديجة- فقالت له: يا ابن عم! اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أو مخرجي هم؟ "، قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، كان يدركني يومك، أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي، حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنًا، غدا منه مرارًا كي يتردّى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذِروة جبل لكي يلقي نفسه منه، تبدّى له جبريل، فقال: يا محمد إنك رسول الله حقًّا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه.
قلت: هذا الحديث من أوله إلى قوله "نصرًا مؤزرًا" رواه الشيخان: البخاري (1) في أول الكتاب، وفيه "ثم لم ينشب ورقة إلى أن توفي وفتر الوحي" ومسلم في كتاب الإيمان، وأعاده البخاري في الرؤيا وزاد في آخره "وفتر الوحي، حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم" إلى آخر الحديث، وهذا الحديث من مراسيل الصحابة، فإن عائشة رضي الله عنها لم تدرك هذه القصة فتكون سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم أو من صحابي، ومراسيل الصحابة حجة عند جميع العلماء إلا ما انفرد به الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني.
قولها "من" الوحي في "من" قولان أحدهما: أنها لبيان الجنس. والثاني: للتبعيض (2).
وفلق الصبح: بفتح الفاء واللام ضياؤه.
والخلاء: بالخاء المعجمة ممدودة هي الخلوة وهي شأن الصالحين.
قال الخطابي (3): حبب إليه العزلة صلى الله عليه وسلم لأن معها فراغ القلب وهي معينة على التفكر وبها تنقطع مألوفات النفس ويتخشع قلبه.
والغار: الكهف في الجبل.
وحراء: بكسر الحاء وتخفيف الراء وبالمد مصروف مذكر على الصحيح.
وحكي فيه التأنيث فمن ذكره صَرَفه ومن أنثه لم يصرفه، وحكى بعضهم فيه فتح الحاء والقصر وهو ضعيف.
والتحنث: بالحاء المهملة والنون والمثلثة التعبد وأصل الحنث: الإثم فمعنى يتحنث: يجتنب الإثم (4).
(1) أخرجه البخاري في بدأ الوحي (3)، وفي التفسير (4953)، وفي الرؤيا (6982)، ومسلم (160).
(2)
انظر: إكمال المعلم (1/ 479).
(3)
انظر: أعلام الحديث للخطابي (1/ 127)، وإكمال المعلم (1/ 482).
(4)
انظر: إكمال المعلم (1/ 480).
والليالي ذوات العدد: متعلق بيتحنث لا بالتعبد، ومعناه: يتحنث الليالي، ولو جعل متعلقًا بالتعبد فسد المعنى، فإن التعبد لا يشترط فيه الليالي بل يطلق على القليل والكثير، وهذا التفسير اعتراض بين كلام عائشة وإنما كلامها "فيتحنث الليالي ذوات العدد"(1).
"وقبل أن ينزع": بفتح الياء آخر الحروف وكسر الزاي أي قبل أن يشتاق إلى أهله، يقال:"نزع بالفتح ينزع: بالكسر" إذا اشتاق ويتردد لذلك، يجوز أن تكون الإشارة إلى التحنث، وأن يكون إلى ينزع وأن يكون إلى الخلاء.
قوله صلى الله عليه وسلم: "ما أنا بقارئ" معناه: لا أحسن القراءة، فما نافية، ومنهم من جعلها استفهامية، وضعّفوه بإدخال الباء في الخبر.
وغطني: بالغين المعجمة والطاء المهملة ومعناه: عصرني وضمني، يقال: غطه وعصره بمعنى واحد والجهد يجوز فيه فتح الجيم وضمها لغتان، وهو الغاية والمشقة، ويجوز نصب الدال ورفعها، فعلى النصب: بلغ جبريل مني الجهد، وعلى الرفع: بلغ الجهد مني مبلغه وغايته (2).
وأرسلني: أي أطلقني، وفيه دليل على أنه أول ما نزل من القرآن:{اقرأ باسم ربك} وهذا هو الصحيح، وقيل:{يا أيها المدثر} (3)، ويرجف: أي يرعد ويضطرب.
وزملوني زملوني: كذا هو في الروايات مكرر مرتين، ومعناه: غطوني بالثياب ولفوني بها.
والروع: بفتح الراء وهو الفزع.
(1) انظر: المنهاج للنووي (2/ 260 - 261).
(2)
انظر: أعلام الحديث (1/ 128)، والمصدر السابق (2/ 261).
(3)
انظر: إكمال المعلم (1/ 483).
وكلا: هنا كلمة نفي وإبعاد، وهذا أحد معانيها، وقد تأتي كلا بمعنى حقًّا وبمعنى ألا التي للتنبيه يستفتح بها الكلام.
ولا يخزيك: بضم الياء وبالخاء المعجمة، وفي رواية معمر يحزنك بالحاء المهملة والنون ويجوز فتح الياء في أوله وضمها، وكلاهما صحيح، والخزي: الفضيحة والهوان، وقد تقدم الكلام في صلة الأرحام في باب البر والصلة.
والكل: بفتح الكاف أي الثقل.
وتكسب المعدوم: بفتح التاء، هذا على الصحيح المشهور، ورواه بعضهم: بضمها قال ثعلب والخطابي وغيرهما (1): يقال: كسبت الرجل مالًا وأكسبته مالًا لغتان أفصحهما: كسبت بحذف الألف، ومعناه: على رواية الضم: تكسب غيرك المال المعدوم، أي تعطيه إياه تبرعًا فحذف أحد المفعولين، وقيل معناه: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك من نفائس الفوائد.
وأما رواية الفتح فقيل معناها كمعنى الضم، وقيل معناها: تكسب المال المعدوم وتصيب منه ما يعجز غيرك عن تحصيله (2).
"وتقري الضيف" هو بفتح التاء.
و"نوائب الحق" جمع نائبة، وهي الحادثه، وإنما قالت نوائب الحق: لأن النائبة قد تكون في الخير وقد تكون في الشر.
وورقة: هو ابن عم خديجة حقيقة، لأنه ورقة بن نوفل بن أسد، وهي خديجة بن خويلد بن أسد، وقد سمته في بعض الروايات عمًا مجازًا للإحترام، وهذه عادة العرب في آداب خطابهم، يخاطب الصغير الكبير بيا عم إكرامًا له ورفعًا لمرتبته (3).
(1) انظر: أعلام الحديث للخطابي (1/ 129)، وإكمال المعلم (1/ 486).
(2)
انظر: المنهاج للنووي (2/ 263 - 264).
(3)
انظر: المصدر السابق (2/ 266).
والناموس (1): بالنون والسين المهملة وهو جبريل عليه السلام، وهو صاحب سر الخير، والجاسوس: صاحب سر الشر، واتفقوا على أن جبريل عليه السلام يسمى الناموس، واتفقوا على أنه المراد هنا، قيل سمي بذلك لأن الله تعالى خصه بالغيب والوحي.
وأما قوله: "الذي أنزل على موسى عليه السلام" فكذا هو في الصحيحين وغيرهما وهو المشهور، وقد جاء في غير الصحيحين على عيسى وكلاهما صحيح.
قوله: يا ليتني فيها جذعًا، الضمير في "فيها" يعود إلى أيام النبوة ومدتها.
وجذعًا: يعني شابًّا قويًّا حتى أبالغ في نصرتك، والأصل في الجذع للدواب، وهو هنا استعارة، والرواية المشهورة في الصحيحين وغيرهما جذعًا بالنصب، وفي بعض الروايات في الصحيحين أيضا جذع بالرفع، وهي ظاهرة الإعراب، وأما النصب فاختلفوا في وجهه: فقال الخطابي والمازري (2): نصب على أنه خبر كان المحذوفة تقديره: يا ليتني أكون فيها جذعًا، وهذا على مذهب الكوفيين، وقال المحققون: الظاهر أنه منصوب على الحال، وخبر "ليت" فيها، وهو إعراب ظاهر.
أو مخرجيّ هم: هو بفتح الواو وتشديد الياء هكذا الرواية، ويجوز تخفيف الياء والصحيح المشهور تشديدها، وهو جمع مخرج، فالياء الأولى ياء الجمع والثانية ضمير المتكلم، وفتحت للتخفيف لئلا يجتمع الكسرة والياءان بعد كسرتين.
قوله: وإن يدركني يومك أنصرك: أي وقت خروجك، وإظهار الدعوة، أو وقت إرادة قومك إخراجك.
قوله: "نصرًا مؤزرًا" بفتح الزاي وبهمزه قبلها أي قويًّا بالغًا.
(1) انظر: أعلام الحديث (1/ 130)، والمصدر السابق.
(2)
انظر: أعلام الحديث للخطابي (1/ 130 - 131)، والمعلم بفوائد مسلم (1/ 219)، والمنهاج للنووي (2/ 266 - 267).
قولها: "ثم لم ينشب ورقة أن توفي" أي لم يعلق بشيء قبله ولم يشتغل بسواه، قال الجوهري (1): يقال: نشب بالكسر ينشب نشوبًا أي علق فيه، وأنشبته أنا أعلقته. وفتره الوحي احتباسه، وعدم تتابعه وتوليه في النزول.
قولها: كلما أوفى، بذروة جبل أي أشرف واضطلع.
ومعنى فيسكن لذلك جأشه: روع قلبه قال الجوهري (2): جأش القلب: هو رُواعه إذا اضطرب عند الفزع (3).
4707 -
إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن فترة الوحي،:"فبينا أنا أمشي، سمعت صوتًا من السماء فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجئثت منه رعبًا، حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت: زملوني زملوني، فزملوني، فأنزل الله: {يا أيها المدثر} إلى قوله: {فاهجر} ثم حمي الوحي وتتابع".
قلت: رواه البخاري في مواضع منها في التفسير وفي بدء الوحي ومسلم في الإيمان والترمذي والنسائي كلاهما في التفسير كلهم من حديث أبي سلمة عن جابر بن عبد الله. (4)
وجئثت: بجيم مضمومة ثم همزة مكسورة ثم مثلثة ساكنة ثم تاء الضمير، وفي رواية بعد الجيم مثلثتان أي فزعت وخفت، ورعبًا مفعول من أجله فإن الفزع انقباض يعتري الإنسان بسبب خوف أو إصابة.
(1) انظر: الصحاح للجوهري (1/ 224).
(2)
انظر: المصدر السابق (3/ 997).
(3)
انظر شرح هذا الحديث في: أعلام الحديث للخطابي (1/ 128 - 131)، وإكمال المعلم (1/ 479 - 491)، والمعلم بفوائد مسلم (1/ 217 - 219)، والمنهاج للنووي (2/ 259 - 268).
(4)
أخرجه البخاري في بدأ الوحي (4)، والتفسير (4925)(4926)، ومسلم (161)، والترمذي (3325)، والنسائي في الكبرى (11631).
قوله صلى الله عليه وسلم: حتى هويت إلى الأرض، هكذا في الرواية هويت وهو الصحيح، يقال: هوى إلى الأرض وأهوى إليها أي سقط، وقد غلط وجهل من أنكر هوى وزعم أنه لا يقال إلا أهوى.
وحمي وتتابع: هما بمعنى، فأكد أحدهما بالآخر، ومعنى "حمي" أكثر نزوله وازداد، ومن قولهم:"حميت النار والشمس" أي كثرت حرارتها (1).
4708 -
قالت: أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحيانًا، يأتيني مثل صلصلة الجرس -وهو أشد عليّ- فيفصم عني، وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني، فأعي ما يقول"، قالت عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصَّد عَرَقًا.
قلت: رواه البخاري في أول الكتاب واللفظ له ومسلم في المناقب والترمذي ومالك في الموطأ كلهم من حديث عائشة. (2)
والأحيان: الأزمان، ويقع على القليل والكثير، ومثل صلصلة الجرس: هو بنصب مثل، وأما صلصلة: فبفتح الصادين، فهي الصوت المتدارك، قال الخطابي: معناه أنه صوت متدارك، يسمعه ولا يثَبته أول ما يقرع سمعه حتى يفهمه من بعد ذلك قال العلماء: والحكمة في ذلك أن يتفرغ سمعه صلى الله عليه وسلم ولا يبقى فيه ولا في قلبه مكان لغير صوت الملك.
"ووعيت": هو بفتح العين، معناه "جمعت وفهمت"، "ويفصم" بفتح الياء المثناة من تحت وإسكان الفاء وكسر الصاد المهملة أي يقلع وينجلي ما يتغشاه منه.
(1) انظر: المنهاج للنووي (2/ 271).
(2)
أخرجه البخاري (2)، و (3215)، ومسلم (2333)، والترمذي (3638)، ومالك في الموطأ (1/ 202 - 203)، وأحمد كذلك (6/ 257)، والبغوي في شرح السنة (3737).
قال الخطابي: قال العلماء: الفصم هو القطع من غير إبانة، وأما القصم بالقاف فقطع مع الإبانة والانفصال: ومعنى الحديث: أن الملك يفارق على أن يعود ولا يفارقه مفارقة قاطع لا يعود، وروي هذا الحرف أيضًا يفصم بضم الياء وفتح الصاد على ما لم يسم فاعله، وروي بضم الياء وكسر الصاد على أنه أفصم يفصم رباعي، وهي لغة قليلة، قال العلماء: ذكر في هذا الحديث حالين من أحوال الوحي هما: مثل صلصلة الجرس، وتمثل الملك رجلًا، ولم يذكر الرؤيا في النوم وهي من الوحي، لأن مقصود السائل بيان ما يختص به النبي صلى الله عليه وسلم ويخفى، فلا يعرف إلا من جهته، وأما الرؤيا فمشتركة معروفة (1).
"ويتفصد عرقًا" أي يسيل.
4709 -
قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي، كُرب لذلك وتربَّد وجهه.
قلت: رواه مسلم في المناقب من حديث عبادة بن الصامت ولم يخرجه البخاري (2).
وكرب: بضم الكاف وكسر الراء، وتربد: معناه: تغير وصار كلون الرماد.
- وفي رواية: نكس رأسه، ونكس أصحابه رؤوسهم، فلما أتلي عنه رفع رأسه.
قلت: رواها مسلم (3) من حديث عبادة، ولم يخرجها البخاري.
وأتلي عنه رفع رأسه: بمثناة من فوق ساكنة ولام وياء كذا هو في معظم نسخ مسلم ومعناه: ارتفع عنه الوحي ووقع في بعض نسخ مسلم "أجلي" بالجيم وفي بعضها "انجلى" ومعناهما أرسل عنه وزال عنه (4).
4710 -
قال: لما نزلت: {وأنذر عشيرتك الأقربين} ، خرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا، فجعل ينادي:"يا بني فهر يا بني عدي"، لبطون قريش حتى اجتمعوا،
(1) انظر: المنهاج للنووي (15/ 128 - 129).
(2)
أخرجه مسلم (2334).
(3)
أخرجه مسلم (2335).
(4)
انظر: المنهاج للنووي (15/ 130).
فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج، أرسل رسولًا لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريش، فقال:"أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلًا تخرج من سفح هذا الجبل -وفي رواية: أن خيلًا تخرج بالوادي- تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ " قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا، قال:"فإني نذير لكم بين يديْ عذاب شديد" قال أبو لهب: تبًّا لك ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: {تبت يدا أبي لهب وتب} .
قلت: الحديث والرواية رواهما الشيخان: البخاري في مناقب قريش واللفظ له ومسلم في الإيمان، ورواه البخاري أيضًا في التفسير في سورة سبأ والترمذي والنسائي في التفسير أيضًا. (1)
وسفح الجبل: بفتح السين أسفله، وقيل: عرضه.
ومصدقي: بتشديد الدال والياء، وأبو لهب: بفتح الهاء وإسكانها وقرىء بهما.
4711 -
قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم قائمًا يصلي عند الكعبة، وجمع قريش في مجالسهم، إذ قال قائل: أيكم يقوم إلى جزور آل فلان، فيعمد إلى فَرْثها ودمها، وسلاها، ثم يمهله حتى إذا سجد، وضعه بين كتفيه؟ فانبعث أشقاهم، فلما سجد وضعه بين كتفيه، وثبت النبي صلى الله عليه وسلم ساجدًا، فضحكوا حتى مال بعضهم على بعض من الضحك، فانطلق منطلق إلى فاطمة رضي الله عنها [فأخبرها]، فأقبلت تسعى، وثبت النبي صلى الله عليه وسلم ساجدًا، حتى ألقته عنه، وأقبلت عليهم تسبهم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال:"اللهم عليك بقريش"، ثلاثًا، وكان إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا سأل سأل ثلاثًا، "اللهم عليك بعمرو بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلاف، وعقبة بن أبي معيط، وعمارة ابن الوليد". قال عبد الله: فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سُحبوا إلى القليب -قليب بدر- ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وأتبع أصحاب القليب لعنة".
(1) أخرجه البخاري في التفسير (4770)، وفي مناقب قريش (4770)، ومسلم (208)، والترمذي (3363)، والنسائي في الكبرى (11714).
قلت: رواه البخاري في مواضع منها: الطهارات والجزية، ومسلم في المغازي، والنسائي في الطهارة كلهم من حديث عبد الله بن مسعود. (1)
والفرث: بالفاء المفتوحة وسكون الراء المهملة والثاء المثلثة: السرجين ما دام في الكرش، والسلا: بفتح السين المهملة وتخفيف اللام مقصور وهو الجلد الرقيق الذي يخرج فيه الولد من بطن الناقة وسائر الحيوان، وهي في الآدمي المشيمة.
وأشقاهم: هو عقبة بن أبي معيط كما جاء مصرحًا به في بعض الروايات.
وفي هذا الحديث إشكال، فإنه يقال: كيف استمر في الصلاة مع وجود النجاسة على ظهره؟ وأجاب بعض المالكية بأن هذا ليس بنجس، قال: لأن الفرث ورطوبة البدن طاهران وهذا [السلا] من ذلك، وإنما النجس الدم، وهذا الجواب يجيء على مذهبهم ومن وافقهم: أن روث ما يؤكل لحمه طاهر، ومذهبنا ومذهب الحنفية نجاسته، وهذا الذي قاله: باطل، لأنه وإن كان الفرث طاهرًا فهو من ذبيحة عباد الأوثان، فجميع أجزاء هذا الجزور نجس من حيث أنه لا ينفك من الذم في العادة، ولأنه ذبيحة عباد الأوثان فهو نجس، وكذلك أجزاء هذا الجزور، وإنما الجواب المرضي: أنه صلى الله عليه وسلم لم يعلم ما وضع على ظهره فاستمر [في سجوده] استصحابًا للطهارة.
والقليب: هي البئر التي لم تطو، وإنما وضعوا في القليب تحقيرًا [لهم] ولئلا يتأذى الناس برائحتهم، واعترض بعضهم على هذا الحديث في قوله: رأيتهم صرعى ببدر، ومعلوم أن أهل السير قالوا إن عمارة بن الوليد وهو أحد السبعة كان عند النجاشي، فاتهمه في حرمه وكان جميلًا فنفخ في إحليله سحرًا، فهام مع الوحوش في بعض جزائر الحبشة [فهلك].
والجواب: أن المراد أنه رأى أكثرهم بدليل أن عقبة بن أبي معيط منهم ولم يقتل ببدر، بل حمل منها أسيرًا، وإنما قتله النبي صلى الله عليه وسلم صبرًا بعد انصرافه من بدر (2).
(1) أخرجه البخاري في الطهارات (240)، في الصلاة (520)، ومسلم (1794)، والنسائي (1/ 162).
(2)
انظر: المنهاج للنووي (12/ 210 - 213).
4712 -
أنها قالت: يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، [فنظرت] فإذا فيها جبريل فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال، وسلّم علي، ثم قال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، إن شئت أن أُطْبق عليهم الأخشبين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا".
قلت: رواه الشيخان: البخاري ومسلم في المغازي من حديث عائشة (1).
قوله صلى الله عليه وسلم: "فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب": أي لم أفطن لنفسي وأنتبه لحالي وللموضع الذي أنا ذاهب إليه، وفيه: إلا وأنا عند قرن الثعالب لكثرة الهم الذي كنت فيه.
وقرن الثعالب: بسكون الراء وهو قرن المنازل ميقات أهل نجد، وهو على مرحلتين من مكة بين مكة والطائف.
والقرن: الجبل الصغير.
والأخشبين: هما بفتح الهمزة وبالخاء والشين المعجمتين تثنية الأخشب، وهو الجبل الغليظ، "وأخشبا مكة" جبلاها المطيفان بها، وهما: أبو قبيس والأحمر وهو جبل مشرف على قُعيقعان (2).
4713 -
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كُسرت رباعيته يوم أحد، وشج في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه، ويقول كيف:"يفلح قوم شجوا نبيهم، وكسروا رباعيته".
(1) أخرجه البخاري (3231)، ومسلم (1795).
(2)
انظر: النهاية لابن الأثير (1/ 32).