الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقدمة الطبعة الأولى:
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، المرسل هدى ورحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد فقد أسندت إليَّ عمادة كلية الشريعة بالرياض تدريس مادة البحث والمكتبة سنة 1389هـ-1969م؛ ليتمرن الطالب على البحث العلمي، وينطبع على المنهجية التي اتسمت بها أبحاث أسلافنا العلماء، ويطلع على أمهات المصادر والمراجع في علوم الإسلام والعربية، وما يلحق بها
…
ويحسن الاستفادة منها، والرجوع إليها، والانتفاع بها؛ فتتفتح المدارك، ويكشف عن الميول، وتنمى القدرات، وتشجع المواهب، وتتكون الشخصيات العلمية من خلال البحث والعرض والتحليل والاستنباط والمناقشة
…
وبهذا تتمازج الآراء وتتميز، ويسمو التفكير، ويحسن التعبير؛ فينطلق الطالب من الميدان النظري إلى الميدان العملي، ومن حيز المعقد والمحاضرة إلى عالم المكتبات والمصادر وطرائق البحث؛ حيث تتسع الآفاق، وتمتد ساحات الرؤية أمام ناظريه
…
فيحسن الاختيار والمحاكمة والربط، ورد الفروع إلي الأصول وغير ذلك مما يحتاج إليه في حياته العلمية والعملية.
وبدأت التجربة من بابها العملي؛ فكنت أحمل بعض كنوز مكتبتنا الإسلامية إلى الفصول، قاعات المحاضرات- أضعها بين يدي الطلاب، ندرسها دراسة عامة، ونحلل بعض ما جاء فيها، وأبين منزلة كل كتاب بين كتب العلم التي صنف فيها ذلك الكتاب، كما كنا نرتاد مكتبة الكلية أحيانا نعيش بين أمهات المصادر والمراجع، تمر الساعات العديدة من غير أن نشعر بها، ونحن نستطلع وندرس، ونوازن ونناقش، ونقارن ونعارض، وكثيرًا ما كنت أوزع الطلاب في مجموعات، أضع بين يدي كل مجموعة ما ينوبها من المصادر، ونشرع في التطبيق العملي بعد بيان خطة البحث
…
؛ باستخراج ترجمة عالم تارة، أو الوقوف على مواضع حديث تارة أخرى، أو معرفة مواطن موضوع
…
وغير هذا
…
فانتقل الطلاب من التلقي والسلبية، إلى المشاركة والإيجابية؛ فكنتَ ترى الحياة والنشاط ينبعثان من تلك المجموعات، والبشر يعلو صفحات الوجوه حين تدرك مجموعة بغيتها قبل غيرها، وتعم السعادة النفوس، وتثلج الصدور للمحاولات والمناقشات العلمية الرفيعة المنظمة، التي كانت تدور بين براعم العلماء
…
وإلى جانب هذا كان يقوم بعض الطلاب بإعداد دراسات وافية تتناول بعض الكتب، أو فصولًا أو فصلًا من كتاب، أو موضوعًا ذا أهمية علمية.. ثم يلقونها على زملائهم، ويجيبون عن أسئلتهم ويتبادلون النقاش فيها..
لقد عشنا أيامًا علمية طيبة؛ فكان الطلاب يتعطشون إلى حصص هذه المادة، كما كنت أرتقبها من بين الحصص لأطالع طلابي بكل جديد، لقد كانت حصصًا حية عملية تجتذب الحريص على العلم بسحرها وكنوزها، وتنوع فنونها، وتعدد موضوعاتها
…
وكان لا بد من منهاج يحدد الطريق، ومن غاية واضحة نقطف ثمارها، عاجلًا أو آجلًا؛ فالتزمت منهجًا لهذا المقرر يدور بين
المحاضرات النظرية والأبحاث العلمية، والدراسات التطبيقية يشمل أصول البحث والمكتبة ونظامها والمصادر بأنواعها..؛ فاستحسن المسئولون في كليتي الشريعة واللغة العربية بالرياض هذا المنهاج؛ مما شجعني على المضي في تنفيذ تلك الخطة، والتزمت بوضع المادة العلمية بين يدي الطلاب؛ ليتضح السبيل أمامهم، وتسهل المذاكرة عليهم، واجتهدت ما وسعني الاجتهاد في وضع أصول هذا الكتاب بين يدي الطلاب خلال الشهور الأولى من ذلك العام الدراسي؛ فتم ذلك بفضل الله عز وجل وعونه، وما إن ظهرت تلك الأصول حتى تلقفها الطلاب من مختلف الكليات، وانصرم العام الدراسي، وانصرم العام الدراسي، وطالعنا عام 1390هـ-1970م؛ فلم تتح لي فرصة لتنقيحها والزيادة عليها؛ فنشرت تلك الأصول ثانية على حالتها الأولى، وما إن أطل صيف عام 1391هـ - 1971م حتى أعطيت هذا الكتاب وقتي، ووقفت له نفسي؛ ليخرج بهذا الثوب، وقد جعلته في ثلاثة فصول:
الفصل الأول: المكتبة: عرضت فيه لمكانة العلم في الإسلام وأثره، فبينت ابتداء تدوين العلم، ووضحت أهداف المكتبة وآثارها التربوية، وتحدثت عن نشأة المكتبات الإسلامية، وعن أشهرها فيما مضى، ثم عرجت على ذكر أشهر المكتبات وأهمها في العالم في العصر الحاضر، وبينت كنوز المخطوطات العربية في المكتبات العربية والأجنبية، وتحدثت عن نظام المكتبة قديمًا وحديثًا، وعن القائمين عليها، والمسئولين عنها، كما فصلت القول في فهارسها وطرق الاستفادة منها بكل يسر وسهولة.
وفصلت القول في الفصل الثاني: "البحث وأصوله" في أهمية البحث العلمي وأصوله، ومقومات الباحث، وأهم ما يأخذ بيده إلى التقدم والنجاح، ووضحت أثر المنهجية العلمية في نجاح البحث، كما فصلت القول في مراحل البحث منذ اختيار الموضوع إلى استوائه وتكامله
وإخراجه، بما ينير السبيل للباحثين ويساعدهم في إعداد أبحاثهم، ويوفر لهم وقتهم وطاقتهم.
وأما الفصل الثالث فقد خصصته لأهم المصادر والمراجع في علوم الإسلام والعربية
…
؛ فتتبعت حركة التأليف عند علماء المسلمين، في أمهات العلوم الإسلامية وفروعها، وآداب العربية وفنونها، وعلوم اللغة وصنوفها، وحرصت على أن أعرض لأهم المصادر القديمة في كل علم، وأن أربط الحديث بالقديم، واللاحق بالسابق؛ لأن المتأخر طريق إلى المتقدم ومفتاح له، ومثل هذا التتبع التاريخي يحتاج إلى جهد كبير ووقت طويل؛ فتتبع ما تنتجه قرائح العلماء والمفكرين ليس بالأمر السهل، وإن كثرت وسائل النشر والإعلام؛ فإن بين ما ينشر وبين ما يطلع عليه مفاوز كثيرة كبعد الآفاق، وعدم كفاية التوزيع، وبطء إدخال المطبوع في فهارس المكتبات العامة، وغير ذلك من الصعاب التي تحول دون الاطلاع على كل جديد، ولا يستطيع الكاتب أن يخط كلمة حول كتاب ما لم يطلع عليه، ويوازنه بما سبقه ولحقه؛ حتى يحسن الحكم عليه، والقول فيه. وهذه أمانة تفوق الأمانة في المال والمتاع. وقد رأيت أني في عملي هذا رسول القراء إلى كل جديد، ومن حقهم علي أن أتتبع كل حديث في بابه. لكل هذا لم أدخر وسعًا في سبيل هذه الغاية، ومن ثم اضطررت إلى ذكر بعض الكتب التي تأكد لي وجودها تحت الطبع في أكثر من بلد عربي.
ومع هذا فإني لم أقصد استيعاب جميع المصادر؛ بل اخترت من كل علم عدة كتب؛ فعرضتها عرضا علميا تاريخيا دقيقا، وعرفت بها، ولم أتجاوز ذكر الكتاب ومؤلفه وعصره، وأهم مزاياه، ومنزلته بين كتب العلم الذي صنف فيه، واكتفيت بذكر بعض الكتب مع مؤلفيها، من غير أي تعليق عليها؛ تاركًا للطلاب تقويمها والرجوع إليها. وقد
وجدت نفسي أمام ثروة عظيمة تنطق بجهود السابقين، وتحكي على مر الزمان قصة ذلك المجد التليد الذي بناه علماؤنا بالعلم والدأب المستمر؛ فأسهموا في تشييد صرح الحضارة الإنسانية إسهاما لا يدانيه إسهام أمة من الأمم، في مختلف الميادين العلمية، وبهذا فتحوا عيون العالم على المعرفة، وشقوا أمام الأجيال طريق الخير والسعادة. إنها ثورة علمية ضخمة يعجز البيان عن وصفها، وإن ما ذكرته من مصنفات لا يعدو غيضًا من فيض، وقليلًا من كثير. ولو أني أعطيت كل كتاب حقه من منى النفس، وتركت للقلم عنانه؛ لأضحى هذا المؤلف أضعاف حجمه، وقد جعلت هذا الفصل في ثلاثة عشر مبحثًا هي:
1-
القرآن والتفسير وعلوم القرآن والدراسات القرآنية.
2-
الحديث وعلومه.
3-
السيرة النبوية.
4-
العقيدة والفرق.
5-
الفقه.
6-
أصول الفقه وتاريخ التشريع.
7-
التاريخ الإسلامي والتراجم.
8-
حضارة الإسلام.
9-
حاضر العالم الإسلامي.
10-
اللغة والأدب.
11-
كتب جامعة، وكتب في دراسات إسلامية.
12-
معاجم البلدان.
13-
مراجع المراجع.
وجعلت كل مبحث في عدة فقرات ليسهل العرض والتصنيف، وألحقت بالكتاب عدة فهارس تيسر الاستفادة منه.
ولربما فاتني أمر يرى غيري وجوب ذكره، فلا بأس بأن يذكرني به لأستدركه في طبعة قادمة إن شاء الله، وله مني الشكر والتقدير؛ فهذا تراث أمتنا يجب أن نتعاون في الحفاظ عليه، والكشف عنه. وإذا كتب لي بيان جانب من العلوم الإنسانية من هذا التراث الخالد؛ فإن جانب العلوم العملية منه بحر واسع لا يدرك غوره ومنتهاه، وقد شق عبابه أكابر علمائنا السابقين في الطب والكيمياء والفيزياء والصيدلة والفلك والرياضيات والهندسة وغيرها، وقد حازوا قصب السبق في هذا الميدان، وتربعوا أساتذة للغرب عدة قرون، وبقيت مؤلفاتهم مصادر أصيلة في أمهات جامعات أوربا حتى مطلع القرن الماضي، وكانت أبحاثهم ونظرياتهم أساسًا للأبحاث العلمية الحديثة، وقد اعترف بهذا المنصفون من العلماء المعاصرين في الشرق والغرب؛ لكن بريق الحضارة في هذا العصر خطف أبصار بعض الناشئين فظن أن أمته منبتة لا جذور لها في ميادين العلم والتقدم، وأن الحضارة والعلم إنما هو صنيعة رجال هذا العصر؛ فتنكر لأمته ولماضيها، وظن أن واقعة المتخلف إنما هو نتيجة لماضيه، ولبَّس عليه هذا دس أعدائنا، وتشويههم لماضينا العظيم المشرق، وفاته أن أمتنا قادت مركب الإنسانية إلى الخير والسعادة والسلام قرونًا طويلة؛ يوم كان غيرها من الأمم في عصور الجهل والظلام، وأن أكابر علماء تلك الأمم قد تربعوا بين يدي أجداده العلماء، يعبون من معينهم، وينهلون من مشاربهم.. وأنه لولا ما قدمه علماؤنا السابقون في الميادين العلمية المختلفة لما أدرك أبناء هذا القرن عشر معشار ما أدركوه إلا بعد فترة من عمر الزمن؛ فما على هؤلاء الذين عميت عليهم حقيقة تاريخهم وأمجادهم إلا أن يعرفوها معرفة واضحة لتكون لهم رائدًا ومنارًا، في طريق بناء المستقبل، كما أهيب بكل عالم
ممن يستطيع الكشف عن عظيم تراثنا، ومجيد إنتاجنا أن يدلي بدلوه، ويضرب بسهمه خدمة لحضارتنا، ولأجيالنا الصاعدة قبل أن يضرب التيه على القلوب، وتنقطع بهم الدروب بين حاضرهم وماضيهم؛ فلا يحسنون تثبيت الأقدام في طريق مستقبلهم.
وأخيرًا أرجو أن يكون عملي هذا خالصًا لوجه الله، داعيًا المولى عز وجل أن يحقق الغاية المرجوة من هذه الكتاب، وينفع به طلاب العلم وأهله، إنه خير مسئول، وهو ولي التوفيق والسداد.
2 رجب 1391هـ
22 آب 1971م
محمد عجاج الخطيب