الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث الإعجاز التّشريعيّ
الحديث عن الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم حديث عن النظام الخالد للكون وما فيه، فالذي أبدع الكون من العدم وأوجد فيه من المخلوقات ما لا يحصى عددا وجعل أشرف هذه المخلوقات وأكرمها بني آدم، قد اختار لهذا المخلوق المعزز دستورا في الحياة ينظم سلوكه في الدنيا وعلاقته بنفسه وبخالقه سبحانه وتعالى، ورتب نتائج دنيوية وأخروية على نتيجة سيره وفق هذا الدستور الإلهي الكريم، حيث يحصل الإنسان على الطمأنينة والعزة والرفاه في الدنيا ويشعر بإنسانيته الحقة، ويدرك الحكمة الإلهية من خلقه وإيجاده وتفضيله على سائر المخلوقات، كما ضمن الله سبحانه وتعالى له السعادة في الآخرة استمرارا لسعادته الدنيوية:
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ [الأعراف: 32].
واشتمل القرآن الكريم على الأنظمة التي يحتاجها البشر في حياتهم المعاشية ولم يدع جانبا من جوانب الحياة إلا كانت له نظرته الخاصة وتشريعه المستقل بحيث ينتج من مجموع أنظمته تشريع متكامل لمناحي الحياة كلها الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة: 5].
وينتج من تطبيقه على الناس أمة متكاملة الشخصية متميزة الملامح والسلوك عن سائر الأمم كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: 110].
إن الجانب التشريعي والخلقي في القرآن الكريم لآية وأيما آية على كون القرآن من عند الله وليس من عند البشر.
فالأسس الأخلاقية والقواعد التشريعية السامية التي تضمنها القرآن الكريم تخرج عن طوق البشر إحاطة ودقة وشمولا.
يدل تاريخ الإنسانية على أنها لم تنجب مفكرا أو فيلسوفا أو مصلحا اجتماعيا استطاع أن يضع نظاما كاملا للعلاقات الداخلية والخارجية لدولة ما، وكم من حكيم حاول ذلك، ولكن نظرياته ظهر فيها النقص أحيانا والتناقض طورا ومجانبة الصواب كثيرا، وثار على بعضها أتباعه في حياته أو بعد مماته.
ولا تزال هذه الظاهرة تتكرر إلى يومنا هذا في الأمم والشعوب التي لا تدين دين الحق، علما أن هذه النظريات لا تتناول إلا جانبا واحدا بل وضيقا من جوانب الحياة الاجتماعية، أما أن توضع نظرية متكاملة الجوانب للكون والمخلوقات والأفراد والجماعات في شتى صورها وحالاتها، فهذا مما يخرج من طاقة البشر مهما أوتوا من علم وحكمة، فما بالك إذا ورد مثل هذا النظام الكامل على لسان رجل أمي لم يشتهر في حياته بالاطلاع على كتب وفلسفات الأقدمين، ولم يعرف بالأسفار العلمية والتجوال في الآفاق بحثا وراء الأنظمة والتشريعات.
وبقيت تلك العلوم والمبادئ قرونا وأجيالا كلما مر عليها دول وأزمان وتناولتها الأيدي والأفكار بالبحث والنقاش والنقد والتمحيص ظهر بريقها واشتد لمعانها وأدرك المنصفون من أهل كل عصر ربانية مصدرها وجدارة تطبيقها وصلاحها دون غيرها لكل زمان ومكان.
إن المبادئ السامية التي وردت في الشريعة الإسلامية وتضمنها القرآن الكريم برهان ساطع على مصدر القرآن الكريم ودليل صدق على نبوة