الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإعجاز عند مفسري المعتزلة
يتّسم علماء المعتزلة إلى جانب قدراتهم في علم الكلام، بسمة الفصاحة والبيان، والاطلاع الواسع على فنون البلاغة، ومن يستعرض الجزء السادس عشر من كتاب «المغني» للقاضي عبد الجبار المعتزلي المتوفى سنة 415 هـ، والذي خصص هذا الجزء للحديث عن إعجاز القرآن، يلحظ المسالك الدقيقة التي سلكها لإبراز نظم القرآن المعجز. إلا أن الذي حاز قصب السبق في هذا المضمار، وجعل كتابه تطبيقا عمليا لآرائه في الإعجاز البياني للقرآن الكريم هو الإمام الزمخشري من أبرز علماء المعتزلة.
ولا بدّ من وقفة متأنية مع الزمخشري وتفسيره لمعرفة أسلوبه في الحديث عن إعجاز القرآن، باعتبار كتابه نموذجا من كتب تفسير المعتزلة.
جار الله الزمخشري:
هو محمود بن عمر الزمخشري، لقّب ب (جار الله) لمجاورته الحرم المكي فترة من الزمن. وألف كتابه في التفسير وهو مجاور لبيت الله الحرام، ويقول إنه أتم تأليفه في زمن يقدره بمدة خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وهي سنتان وبضعة أشهر (1).
يعتبر الزمخشري من رءوس المعتزلة، ويعد من أئمة النحو واللغة والأدب، وله في كل ذلك مؤلفات من أشهرها:«أساس البلاغة» في اللغة، «المفصّل» في النحو، كتاب «الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، وعيون الأقاويل في وجوه التأويل» .
(1) توفي الزمخشري سنة 538 هـ.
لم يؤلف الزمخشري مؤلّفا خاصّا بالإعجاز، إلا أنه سلك في تفسيره مسلكا دقيقا أبرز فيه وجوه إعجاز القرآن من خلال الأساليب البلاغية التي نبّه عليها وهو يفسر الآيات القرآنية. وعلى الرغم من أنه لم يقف عند كل كلمة، إلا أنه يطيل الوقوف عند الآيات التي تكشف له وجوها من روائع البيان وعجيب النظم في تقديم كلمة على كلمة أو اختيار كلمة بدل كلمة أو حرف مكان حرف، ويتحدث عن كل ذلك بأسلوب الأديب الضليع والبلاغي الذوّاقة الذي يتذوّق جمال الكلام وأفانين القول.
ولولا أن الزمخشري شوّه جمال تفسيره بمنازع المعتزلة أحيانا في تأويل بعض الآيات حسب أصولهم، لتبوّء تفسيره القمّة بين التفاسير البيانية.
وفيما يلي مقتطفات من تفسير الكشاف لمعرفة أسلوبه في عرض قضايا الإعجاز من خلال تفسير آيات القرآن الكريم.
يقول الزمخشري في مقدمة تفسيره:
(
…
قرآنا عربيا غير ذي عوج، مفتاحا للمنافع الدينية والدنيوية، مصدقا لما بين يديه من الكتب السماوية، معجزا باقيا دون كل معجز على وجه كل زمان، دائرا من بين سائر الكتب على كل لسان في كل مكان، أفحم به من طولب بمعارضته من العرب العربان، وأبكم به من تحدّى به من مصاقع الخطباء، فلم يتصدّ للإتيان بما يوازيه أو يدانيه واحد من فصحائهم، ولم ينهض لمقدار أقصر سورة منه ناهض من بلغائهم، على أنهم كانوا أكثر من حصى البطحاء، وأوفر عددا من رمال الدهناء
…
) (1).
ويبين أنه لا ينبغي أن يتصدى لعلم التفسير إلا من كان على قدر كبير من معرفة علم المعاني والبيان. يقول في مقدمة تفسيره: (ثم إن أملأ العلوم
(1) انظر مقدمة «الكشاف» ص 10.
بما يغمر القرائح، وأنهضها بما يبهر الألباب القوارح، من غرائب نكت يلطف مسلكها، ومستودعات أسرار يدق مسبكها: علم التفسير، الذي لا يقوم لتعاطيه وإجالة النظر فيه، كل ذي علم، كما ذكر الجاحظ في كتاب «نظم القرآن» .. فالفقيه وإن برز على الأقران في علم الفتاوى والأحكام، والمتكلم وإن بزّ أهل الدنيا في صناعة الكلام، وحافظ القصص والأخبار وإن كان من «ابن القرية» أحفظ، والواعظ وإن كان من «الحسن البصري» أوعظ، والنحوي وإن كان أنحى من سيبويه، واللغوي وإن علك اللغات بقوة لحييه، لا يتصدّى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق، ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن، وهما: علم المعاني، وعلم البيان ..... وتمهل في ارتيادهما آونة، وتعب في التنقير عنهما أزمنة، وبعثته على تتبع مظانّهما همّة في معرفة لطائف حجة الله، وحرص على استيضاح معجزة رسول الله- صلى الله عليه وسلم، وكان مع ذلك مسترسل الطبيعة منقادها، مشتعل القريحة وقّادها، يقظان النفس داركا للمحة وإن لطف شأنها، منتهيا على الرمزة وإن خفي مكانها) (1).
ويقول- في تفسير قوله تعالى: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً (22)[الفرقان: 22]: يَوْمَ يَرَوْنَ منصوب بأحد شيئين: إما بما دل
عليه لا بشرى، أي يوم يرون الملائكة يمنعون البشرى أو يعدمونها ويومئذ للتكرير، وإما بإضمار اذكر: أي اذكر يوم يرون الملائكة)، ثم قال: لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ (وقوله للمجرمين إما ظاهر في موضع ضمير، وإما لأنه عام فقد تناولهم بعمومه حِجْراً مَحْجُوراً ذكره سيبويه في باب المصادر غير المتصرفة المنصوبة بأفعال متروك إظهارها، نحو معاذ الله وقصدك الله، وعمرك الله، وهذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدوّ موتور أو هجوم نازلة أو نحو ذلك يضعونها موضع الاستعاذة، قال سيبويه: ويقول الرجل للرجل أتفعل كذا وكذا فيقول: حجرا وهي:
(1) انظر مقدمة «الكشاف» ص 17.
حجره إذا منعه، لأن المستعيذ طالب من الله أن يمنع المكروه فلا يلحقه، فكان المعنى: أسأل الله أن يمنع ذلك منعا ويحجره حجرا، ومجيئه على فعل أو فعل في قراءة الحسن تصرف فيه لاختصاصه بموضع واحد كما كان قصدك وعمرك كذلك، وأنشدت لبعض الرجاز:
قالت وفيها حيدة وذعر
…
عوذ بربي منكم وحجر
فإن قلت: فإذا ثبت أنه من باب المصادر فما معنى وصفه ب «محجورا» ، قلت: جاءت هذه الصفة لتأييد معنى الحجر، كما قالوا ذيل ذائل والذيل الهوان، وموت مائت. والمعنى في الآية أنهم يطلبون نزول الملائكة ويقترحونه، وهم إذا رأوهم عند الموت أو يوم القيامة كرهوا لقاءهم وفزعوا منهم لأنهم لا يلقونهم إلا بما يكرهون، وقالوا عند رؤيتهم ما كانوا يقولونه عند لقاء العدو الموتور وشدة النازلة.
وقيل هو من قول الملائكة، ومعناه حراما محرّما عليكم الغفران والجنة والبشرى، أي جعل الله ذلك حراما عليكم) (1).
وفي قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9)[الشعراء: 7 - 9]، يقول الزمخشري: (وصف الزوج وهو الصنف من النبات بالكرم، والكريم صفة لكل ما يرضى ويحمد في بابه، ويقال وجه كريم إذا رضي في حسنه وجماله، وكتاب كريم مرضي في معانيه وفوائده. وقال: حتى يشق الصفوف من كرمه أي من كونه مرضيّا في شجاعته وبأسه، والنبات الكريم المرضي فيما يتعلق به من المنافع. إِنَّ فِي ذلِكَ إنبات تلك الأصناف لَآيَةً على أن منبتها قادر على إحياء الموتى، وقد علم الله أن أكثرهم مطبوع على قلوبهم غير مرجّو إيمانهم. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ في انتقامه من الكفرة الرَّحِيمُ لمن تاب وآمن وعمل صالحا.
(1)«الكشاف» للزمخشري، 3/ 88.
فإن قلت: ما معنى الجمع بين «كم» ، و «كل» ، ولو قيل كم أنبتنا فيها من زوج كريم؟ قلت: قد دل «كلّ» على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، و «كم» على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة، فهذا معنى الجمع بينهما وبه نبّه على كمال قدرته
…
فإن قلت: فما معنى وصف الزوج بالكريم؟ قلت: يحتمل معنيين:
أحدهما أن النبات على نوعين نافع وضار، فذكر كثرة ما أنبت في الأرض، من جميع أصناف النبات النافع، وخلى ذكر الضار. والثاني أن يعم جميع النباتات نافعة وضارة ويصفهما جميعا بالكرم، وينبه على أنه ما أنبت شيئا إلا وفيه فائدة لأن الحكيم لا يفعل فعلا إلا لغرض صحيح ولحكمة بالغة وإن غفل عنها الغافلون ولم يتوصّل إلى معرفتها العاقلون.
فإن قلت: فحين ذكر الأزواج ودل عليها بكلمتي الكثرة والإحاطة وكانت بحيث لا يحصيها إلا عالم الغيب: كيف قال إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً، وهلّا قال آيات؟ قلت: فيه وجهان. أن يكون ذلك مشارا به إلى مصدر أنبتنا فكأنه قال: إن في الإنبات لآية أيّ آية، وأن يراد أن في كل واحد من تلك الأزواج لآية) (1).
(1)«الكشاف» 3/ 105.