الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كوحدة منفصلة، وراحوا يستخرجون منها مباحث في اللغة والأدب والبلاغة والأصول والفقه والتشريع والعقيدة وغيرها، وألفوا مؤلفات كثيرة ضخمة في التفسير، وملئوها بمباحث في النحو والبلاغة
…
كما ألّفت كتب عديدة في علوم القرآن ضمنت مباحث متنوعة مثل قصص القرآن وبديع القرآن وتشبيهات القرآن ومعاني القرآن وإعجاز القرآن.
إلا أن القليل من المفسرين والبلاغيين وفّقوا في بعض الأحيان إلى إدراك الخصائص العامة للجمال الفني في القرآن الكريم ووقفوا عند نظرات جزئية، وأدركوا فيها بعض مواضع الجمال المتفرقة.
وسبب عدم إدراكهم للخصائص العامة هو وقوفهم عند حدود عقلية النقد العربي القديمة، تلك العقلية الجزئية التي تتناول كل نص على حدة فتحلّله وتبرز الجمال الفني فيه، إلى الحد الذي تستطيع- دون أن تتجاوز هذا- إلى إدراك الخصائص العامة في العمل الفني كله (1):
المرحلة الثالثة:
مرحلة إدراك الخصائص العامة:
وهي المرحلة التي جاءت متأخرة، ولم تتم إلا في العصر الحديث، حيث بدأت الكتابة في الخصائص العامة للجمال الفني في القرآن، باكتشاف القاعدة العامة والطريقة الموحدة في التعبير القرآني.
وتناول سيد قطب جانبا هاما من القواعد الأساسية في أسلوب القرآن الكريم في كتاب «التصوير الفني في القرآن» فكان رائدا من رواد هذه المرحلة في إبراز قاعدة أساسية عامة من الأساليب البيانية للقرآن الكريم.
يقول سيد قطب في ذلك: (إن حقيقة جديدة تبرز لي، إن الصور في القرآن ليست جزءا منه يختلف عن سائره، إن التصوير هو قاعدة التعبير في هذا الكتاب الجميل، القاعدة الأساسية المتبعة في جميع الأغراض- فيما
(1)«التصوير الفني في القرآن» ص 23، 25، 26، 30 باختصار.
عدا غرض التشريع بطبيعة الحال- فليس البحث إذن عن صور تجمع وترتب، ولكن عن قاعدة تكشف وتبرز، ذلك توفيق لم أكن أتطلّع إليه، حتى التقيت به) (1).
ويقول: (التصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن، فهو يعبر بالصورة المحسّة المتخيّلة عن المعنى الذهني والحالة النفسية وعن الحادث المحسوس والمشهد المنظور، وعن النموذج الإنساني والطبيعة البشرية ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة أو الحركة المتجددة، فإذا المعنى الذهني هيئة أو حركة وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد، وإذا النموذج الإنساني شاخص حيّ، وإذا الطبيعة البشرية مجسّمة مرئية. وأما الحوادث والمشاهد، والقصص والمناظر فيردها شاخصة حاضرة فيها الحياة، وفيها الحركة، فإذا أضاف إليها الحوار فقد استوت لها عناصر التخيل فما يكاد يبدأ العرض حتى يحيل المستمعين نظارة، وحتى ينقلهم نقلا إلى مسرح الحوادث الأول الذي وقعت فيه أو ستقع، حيث تتوالى المناظر وتتجدد الحركات، وينسى المستمع أن هذا كلام يتلى ومثل يضرب، ويتخيل أنه منظر يعرض وحادث يقع
…
إنها الحياة هنا وليست حكاية الحياة).
أمثلة على نظرية سيد قطب في التصوير الفني:
1 -
قوله تعالى: إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ [الملك: 7 - 8]. (فهي مخلوقة حي لها صفات الأحياء من البشر فها هي تكظم غيظها فتكاد تميز من الغيظ وتتمزق منه فترتفع أنفاسها من كظمها له فتفور ويسمع السامعون لها شهيقا مرعبا فظيعا)(2).
2 -
وفي قوله تعالى: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ
اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج: 5]. (والهمود درجة بين الحياة والموت فإذا نزل عليها الماء (اهتزت وربت) وهي حركة عجيبة سجلها القرآن، قبل أن تسجّلها الملاحظة العملية بمئات الأعوام فالتربة الجافة حين ينزل عليها الماء تتحرك حركة اهتزاز وهي تتشرب الماء وتنتفخ فتربو) (1).
3 -
وفي قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (39)[النور: 39](تحوّلت أعمالهم المعنوية هنا إلى سراب مجسم بقيعة يراه الرائي ماء).
4 -
وفي قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ [العنكبوت: 41].
(الولاية لغير الله- وهي أمر معنوي مجرد- صارت هنا صورة منفرة محقّرة محسوسة مجسمة، بيت عنكبوت ضئيل هزيل واهن).
بهذه الدراسات القيّمة يكون سيد قطب قد أضاف بعدا جديدا إلى مفهوم إعجاز النظم القرآني من الناحية البيانية.
ويبقى كتاب الله الخالد ومعجزة رسوله الباقية المعين الثرّ والنبع المتدفق للمعارف الراقية والدراسات المتجددة ولن تنقضي عجائبه ولن يحيط بأسراره مخلوق مهما أوتي من العلم والحكمة.
* فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (78) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (80)[الواقعة: 75 - 80].
(1)«في ظلال القرآن» ص 4/ 2411.