الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والمخلوقات حسب إرادته، ومن هذه النوعية كل من اتخذ من دون الله أربابا وأوثانا وآلهة ابتدعوها، وأملتها عليهم شهواتهم وأهواؤهم، هؤلاء يحتاجون إلى معرفة الألوهية الحقة ومستلزماتها من صفات الكمال المطلق، والتنزّه عن النقص والعجز الذي لا يليق بخصائص الألوهية.
إن الموجة العقلية المنبثقة عن مناهج الفلاسفة الماديّين قد أثّرت على تفكير كثير من علماء المسلمين المعاصرين الذين حاولوا تفسير الخوارق التي ظهرت على يد الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، والتي نقلت إلينا نقلا لا يتطرّق إليه أدنى شك، حاولوا تفسير تلك الخوارق تفسيرا ماديا خاضعا للأسباب والسنن الكونية مما يفرغها عن مضمونها ويعطل دلالتها التي ترد هذه الخارقة من أجل إثباتها ألا وهي إثبات صدق الرسول في دعوى الرسالة وتلقي الوحي من الملأ الأعلى.
إن من يفسّر فلق البحر لموسى عليه السلام بالمد والجزر، والطير الأبابيل بجراثيم الطاعون أو الأمراض المعدية الوبائية .. وغير ذلك من الخوارق، إن هؤلاء يسيئون إلى قضية الإيمان بالغيب وبخالق الكون وبرسل الله المصطفين، وكذلك يسيئون إلى تفكيرهم وإيمانهم وعقيدتهم، وإلا فما المانع عقلا من وقوع المعجزات على يد أناس لهم صلة بالله ذي القوة غير المحدودة؟ أناس اصطفاهم الله سبحانه وتعالى للقيام بدور السفارة بينه وبين خلقه لتبليغهم أحكام دينه الحنيف وشرعه القويم وقد أيدهم بكل ما يسهل عليهم مهمتهم من الحجج والبراهين ويظهرهم على خصومهم المعاندين.
وجه دلالة المعجزة على صدق الرسول:
ليس المقصود بالمعجزة إثبات العجز للخلق لذاته من غير ترتّب مطلب على هذا العجز، بل المقصود لازم هذا العجز. وهو إقامة الحجة على أن هذا الادّعاء حق وأن الرسول الذي جاء به رسول صدق.
فإعجاز القرآن الناس أن يأتوا بمثله يراد من وراء ذلك إقامة الحجة
على الخلق كافة، إن هذا الكلام كلام رب العالمين، وإن الرسول الذي أرسل به يبلّغ عن ربه، وإن الأوامر والنواهي التي يحملها هي سبيل النجاة.
وكذلك الشأن في جميع معجزات الأنبياء السابقين، هو إبراز صدق من ظهرت على يديه، ليؤمن بهم الناس ويتبعوهم، وذلك لأن بعثة النبي لا تصح من غير أن يؤتى دلالة ويؤيّد بآية، لأنه لا يتميز من الكاذب بصورته، ولا بقول نفسه ولا بشيء آخر، سوى البرهان الذي يظهر على يديه فيستدلّ به على صدقه، وأنه مبلّغ عن الله سبحانه وتعالى (1) وإصدار الله لها عند ذلك يعدّ تأييدا منه له في تلك الدعوى، ومن المحال على الله سبحانه وتعالى أن يؤيد الكاذب. فإن تأييد الكاذب تصديق له، وتصديق الكاذب كذب، وهو محال على الله سبحانه وتعالى، فمتى ظهرت المعجزة وهي مما لا يقدر عليه البشر، وقارن ظهورها دعوى النبوة، علم بالضرورة أن الله ما أظهرها إلا تصديقا لمن ظهرت على يديه، وإن كان هذا العلم قد يقارنه الإنكار مكابرة (2)، ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80) [آل عمران: 79، 80].
(1)«إعجاز القرآن» للباقلاني، ص 63.
(2)
«رسالة التوحيد» للشيخ محمد عبده، ص 86.