الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وخلوه عن اللفظ الغث الشاذ الخارج عن القياس، والشارد النافر عن الاستعمال، إلى غير ذلك من أنواع الفنون البلاغية بحيث لا يرى المتصفّح للقرآن الكريم وتراكيبه المتمرّس في فنون البلاغة نوعا منها إلا وجده أحسن ما يكون، لا يقدر أحد من البلغاء الواصلين إلى ذروة البلاغة من العرب العرباء وإن استفرغ وسعه أن يحيط بأنواع قليلة منها. ومن كان أعرف بلغة العرب وفنون بلاغتها كان أعرف بمزايا بلاغات القرآن الكريم وإعجازه للثقلين.
ثانيا: أمثلة على بعض الفنون البلاغية:
1 - إيجاز القصر:
أ- قال تعالى في سورة النحل:* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)[سورة النحل: 90].
- أمر الله سبحانه وتعالى في أول هذه الآية بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ونهى في وسطها عن الفحشاء والمنكر والبغي، ووعظ في آخرها وذكّر، فجمع في هذه ضروبا من البيان وأنواعا من الإحسان. فذكر العدل والإحسان، والفحشاء والمنكر بالألف واللام التي هي للاستغراق، أي استغراق الجنس المحتوي على جميع أنواعه وضروبه.
- وفي نهايتها الطباق اللفظي والطباق المعنوي، أما اللفظي ففي قوله (يأمر
…
وينهى) وأما المعنوي ففي قوله: العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وقوله: الفحشاء والمنكر والبغي، فإن الثلاثة الأواخر من القبيح.
فطابق بين الحسن والقبيح مطابقة معنوية.
- ثم بين خصوصية ذوي القربى بإعادة الإيصاء عليهم والإيتاء لهم ومع أن الأمر بالإحسان قد تناولهم.
- وبدأ بالعدل لأنه فرض، وتلاه بالإحسان لأنه مندوب إليه وقد يجب، فاحتوت الآية على حسن النسق، وعطف الجمل بعضها على بعض فقدم العدل وعطف عليه بالإحسان الذي هو جنس عام، وخص منه نوعا خاصا وهو إيتاء ذي القربى.
- ثم أتى بالأمر مقدما، وعطف عليه النهي بالواو، ثم رتب جمل المنهيات كما رتب جمل المأمورات في العطف بحيث لم يتأخر في الكلام ما يجب تقديمه ولم يتقدم عليه ما يجب تأخيره.
- ثم ختم ذلك كله بأمور مستحسنة ودعا إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة فاحتوت الآية على ضروب من المحاسن والقضايا وأشتات من الأوامر والنواهي والمواعظ والوصايا، ما لو بث في أسفار عديدة لما أسفرت عن وجوه معانيها، ولا احتوت على أصولها ومبانيها (1).
ب- المثال الثاني على الإيجاز بسورة قصيرة من القرآن الكريم وهي سورة الكوثر وأقصر سور القرآن: فعلى الرغم من كلماتها القليلة المحدودة تضمنت من المعاني البديعة والفصاحة والبلاغة الرائعة التي اقتضت بها أن تكون مصداقا لقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (23)[البقرة: 23].
فمن هذه المزايا والنكات البلاغية في سورة الكوثر:
1 -
أن قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (1) دل على عطية كثيرة مسندة إلى معط كبير، ومن كان كذلك كانت النعمة عظيمة عنده، وأراد بالكوثر الخير الكثير، ومن ذلك الخير الكثير ينال أولاده إلى يوم القيامة من أمته، من غير ما وعد به الله وأعطاه في الدارين، من مزايا التعظيم، والتقديم، والثواب ما لم يعرفه إلا الله، وقيل إن الكوثر ما اختص
(1)«الفوائد المشوق» لابن القيم، ص 69.
به من النهر الذي ماؤه أحلى من العسل وعلى حافاته أواني الذهب والفضة كعدد النجوم.
2 -
أنه جمع ضمير المتكلم، وهو يشعر بعظم الربوبية، فالعطاء يتناسب مع مقام الربوبية المشار إليها بضمير التعظيم.
3 -
أنه بنى الفعل على المبتدأ فدل على خصوصية وتحقيق.
4 -
أنه صدّر الجملة بحرف التوكيد الجاري مجرى القسم.
5 -
أنه أورد الفعل الماضي دلالة على أن الكوثر لم يتناول عطاء العاجلة دون عطاء الآجلة، ودلالة على أن التوقع من سيب (1) الكريم في حكم الواقع.
6 -
جاء بالكوثر محذوف الموصوف، لأن المثبت ليس فيه ما في المحذوف من فرط الإيهام والشياع، والتناول على طريق الاتساع، لذا وردت الأقوال الكثيرة عن العلماء في تفسير الكوثر، فمن قائل نهر ومن قائل الأتباع ومن قائل الذكر
…
والكوثر يشمل كل ذلك ويزيد، فهو الخير الكثير الموهوب من الرب العظيم.
7 -
اختيار الصفة المؤذنة بالكثرة (على وزن فوعل).
8 -
أتى بهذه الصفة مصدّرة باللام المعروفة بالاستغراق لتكون ما يوصف بها شاملة، وفي إعطاء معنى الكثرة كاملة.
9 -
وفاء التعقيب في الآية الثانية مستفادة من معنى التسبب لمعنيين:
- جعل الإنعام الكثير سببا للقيام بشكر المنعم وعبادته.
- جعله لترك المبالاة بقولة العدو.
فإن سبب نزول هذه السورة: ما روي أن العاص بن وائل قال إن
(1) السيب: العطاء. انظر لسان العرب 1/ 477 مادة (سيب).
محمدا صنبور- والصنبور الذي لا عقب له- فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلت هذه السورة.
10 -
قصده بالأمر التعريض بذكر العاص وأشباهه ممن كانت عبادته ونحره لغير الله.
11 -
تثبيت قدمي الرسول صلى الله عليه وسلم على الصراط المستقيم وإخلاصه العبادة لوجهه الكريم.
12 -
أشار بهاتين العبادتين إلى نوعي العبادات: الأعمال البدنية والصلاة قوامها، والمالية ونحر البدن ذروة سنامها، للتنبيه على ما للرسول صلى الله عليه وسلم من الاختصاص في الصلاة التي جعلت فيها قرة عينه، ونحر الإبل التي كان لا يجارى فيه، فقد روي أنه أهدى مائة بدنة فيها جمل في أنفه برة من ذهب.
13 -
حذف اللام الأخرى لدلالة الأولى عليها. فلم يقل وانحر له أو لربك.
14 -
مراعاة حق السجع الذي هو من جملة صفة البديع إذا ساقه قائله مساقا مطبوعا بعيدا عن التكلّف.
15 -
قوله (لربك) فيه لطيفتان: وروده على طريق الالتفات التي هي (أمّ) في علم البلاغة. وصرف الكلام عن لفظ المضمر إلى لفظ المظهر وفيه إظهار لكبرياء شأنه وإثباته لعز سلطانه.
16 -
علم بهذا أن من حقوق الله التي تعبّد العباد بها أنه ربهم ومالكهم وعرّض بترك التماس العطاء من عبد مربوب ترك عبادة ربه.
17 -
وفي الآية الثالثة علل الأمر بالإقبال على شأنه وترك الاحتفال بشانئيه على سبيل الاستئناف الذي هو حسن حسن الموقع، وقد كثرت في التنزيل مواقعه.
18 -
ويتجه أن نجعلها جملة الاعتراض مرسلة إرسال الحكمة الخاتمة والاعتراض كقوله تعالى: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص: 26]. وعني بالشانئ العاص بن وائل.
19 -
إنما لم يسمه باسمه ليتناول كل من كان في مثل حاله.
20 -
صدّر الجملة بحرف التوكيد الجاري مجرى القسم وعبّر عنه بالاسم الذي فيه دلالة على أنه لم يتوجه بقلبه إلى الصدق، ولم يقصد بلسانه الإفصاح عن الحق بل نطق بالشنآن الذي هو قرين البغي والحسد، وعين البغضاء ولذلك وسمه بما ينبئ عن الحقد.
21 -
جعل الخير معرفة وهو (الأبتر) والشانئ كذلك، ليعلم أنه المعروف لدى الناس يقال له الصنبور) (1).
ج- المثال الثالث في المقارنة بين كلام موجز من القرآن الكريم وبين كلام موجز ورد عن العرب:
أما الآية الكريمة فقوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [البقرة:
179]، وهو جزء من آية، ومعناها أن الإنسان إذا علم أنه متى قتل قتل به، كان ذلك داعيا إلى أن لا يقدم على القتل، فارتفع بالقتل الذي هو القصاص كثير من قتل الناس بعضهم لبعض، وكان ارتفاع القتل حياة لهم.
ورد في هذا عن العرب قولهم: (القتل أنفى للقتل) وأبرز العلماء بلاغة العبارة القرآنية على الثانية بعشرين وجها أو أكثر هي:
1 -
أن ما يناظره من كلامهم هو قوله: فِي الْقِصاصِ حَياةٌ أقل حروفا، فإن حروفها اثنا عشر حرفا، وحروف (القتل أنفى للقتل) أربعة عشر.
2 -
أن نفي القتل لا يستلزم الحياة، والآية ناصّة على ثبوتها التي هي الغرض المطلوب منه.
(1)«الفوائد المشوق» لابن القيم، ص 253.
3 -
أن تنكير حياة يفيد تعظيما، فتدل على أن في القصاص حياة متطاولة كقوله: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ [البقرة: 96]. ولا كذلك المثل، فإن اللام فيه للجنس، ولذا فسروا الحياة فيها بالبقاء.
4 -
أن الآية مطردة بخلاف المثل، فإنه ليس كل قتل أنفى للقتل، بل قد يكون أدعى له، وهو القتل ظلما. وإنما ينفيه قتل خاص، وهو القصاص ففيه حياة أبدا.
5 -
أن الآية خالية من تكرار لفظ القتل الواقع في المثل، والخالي من تكرار أفضل من المشتمل وإن لم يكن مخلا بالفصاحة.
6 -
أن الآية مستغنية عن تقدير محذوف، بخلاف قولهم فإن فيه حذف (من) التي بعد أفعل التفضيل وما بعدها، وحذف (قصاصا) مع القتل الأول و (ظلما) مع القتل الثاني، والتقدير القتل قصاصا أنفى للقتل ظلما من تركه.
7 -
أن في الآية طباقا معنويا، لأن القصاص مشعر بضد الحياة، بخلاف المثل.
8 -
أن الآية اشتملت على فن بديع، وهو جعل أحد الضدين الذي هو الفناء والموت، محلا ومكانا لضده، الذي هو الحياة، واستقرار الحياة في الموت مبالغة عظيمة، وذلك بجعل القصاص كالمنبع للحياة والمصرف لها، وذلك مستفاد من كلمة (في) الداخلة على القصاص.
9 -
أن في المثل توالي أسباب كبيرة خفيفة، وهو السكون بعد الحركة وذلك مستكره فإن اللفظ المنطوق به إذا توالت حركاته تمكن اللسان من النطق به، وظهرت فصاحته، بخلاف ما إذا تعقب كل حركة سكون، فالحركات تنقطع بالسكنات. نظيره إذا تحركت الدابة أدنى حركة فجثت، ثم تحركت فجثت لا يتبين انطلاقها ولا تتمكن من حركتها على ما تختاره، فهي كالمقيدة.
10 -
أن المثل كالمتناقض من حيث الظاهر، ولأن الشيء لا ينفي نفسه.
11 -
سلامة الآية من تكرار قلقلة القاف الموجب للضغط والشدة وبعده عن غنة النون.
12 -
اشتمالها على حروف متلائمة لما فيها من الخروج من القاف إلى الصاد، إذ القاف من حروف الاستعلاء، والصاد من حروف الاستعلاء والإطباق. بخلاف الخروج من القاف إلى التاء التي هي حرف منخفض، فهو غير ملائم للقاف، كذا الخروج من الصاد إلى الحاء أحسن من الخروج من اللام إلى الهمزة لبعدها دون طرف اللسان.
13 -
في النطق بالصاد والحاء والقاف حسن الصوت، ولا كذلك تكرار القاف والتاء.
14 -
سلامتها من لفظ القتل المشعر بالوحشة، بخلاف لفظ الحياة فإن الطباع أقبل له من لفظ القتل.
15 -
أن لفظ القصاص مشعر بالمساواة، فهو منبئ عن العدل بخلاف مطلق القتل.
16 -
الآية مبنية على الإثبات، والمثل مبني على النفي، والإثبات أشرف لأنه أول والنفي ثان عنه.
17 -
أن المثل لا يكاد يفهم إلا بعد فهم أن القصاص هو الحياة، وقوله ولكم في القصاص حياة، مفهوم من أول وهلة.
18 -
أن في المثل بناء أفعل التفضيل من فعل متعد، والآية سالمة منه.
19 -
أن أفعل في الغالب تقتضي الاشتراك، فيكون ترك القصاص نافيا للقتل، ولكن القصاص أكثر نفيا، وليس الأمر كذلك، والآية سالمة منه.
20 -
أن الآية رادعة عن القتل والجرح معا لشمول القصاص لهما، والحياة أيضا في قصاص الأعضاء، لأن قطع العضو ينقص مصلحة الحياة، وقد يسري إلى النفس فيزيلها، ولا كذلك المثل.