الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الظواهر الجوية (الرياح- السحب- المطر- الرعد والبرق)
يقول الله سبحانه وتعالى: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48)[الروم: 48]، وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [الحجر: 22].
إن الحقائق التي ذكرتها آيات القرآن الكريم عامة وما يتعلق منه بتأثير الرياح في إنشاء السحب وتلقيحها وتشكيلها، ثم نزول المطر أو البرد منها، هذه الحقائق من أعجب الأمور وأدقها التي توصل إليها العلم الحديث فلو لم يكن في القرآن الكريم إلا هذه الحقائق لكانت كافية في تعريفنا بأن منزل القرآن هو خالق السماوات والأرض ومصرّف الرياح ومنزل الماء من السماء تحيى به الأرض بعد موتها.
ولنسمع ما يقوله العلم الحديث في هذا الشأن:
الأصل في تكوين السحب على اختلاف أنواعها وأشكالها إنما هي الرياح، فالسحب الطبقية وهي التي تنمو في اتجاه أفقي يكون الهواء الذي يحملها صاعدا إلى أعلى ببطء، أما السحب الركامية الرأسية تكون الرياح التي تحملها صاعدة إلى أعلى بسرعة
…
فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ.
وحقيقة أخرى أشارت إليها الآية الكريمة: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (22)[الحجر: 22]، فقد
حملها كثير من المفسرين على أن الرياح اللواقح تلقح النباتات فتحمل الطّلع من الذكر إلى الأنثى فتلقح بويضاتها، والحقيقة أن هذا الأمر مما يتحقق بواسطة الرياح، إلا أن سياق الآية في هذا المقام لا يحتمل ذلك بل يشير إلى حقيقة أخرى أدق وهي «تلقيح السحب» (1).
وقد توصل العلم الحديث إلى أن نمو السحب ونزول المطر يتطلب أن تلقح الرياح هذه السحب بأكداس من جسيمات مجهرية تسمى (نويات التكاثف)، ومن أهم خواص هذه النويات أنها تمتص الماء أو تذوب فيه، وتحمل الرياح كذلك بخار الماء وتلقح به السحاب لكي يمطر، وتتم العملية بتجمع جزئيات الماء المنفصلة والموجودة في الهواء حول نويات التكاثف العملية بتجمع جزيئات الماء المنفصلة والموجودة في الهواء حول نويات التكاثف حيث إن أصغر نقط الماء تحتوي على ما لا يقل عن (100) جزئي وليس من السهل أن يتجمع مثل هذا العدد مع بعضه لمجرد الصدفة ما لم توجد نويات تترسب عليها الجزيئات وتحتفظ بها، وعلى هذا النحو عرف الناس الآن أن الآية الكريمة إنما تشير إلى تلقيح الرياح للسحب ببخار الماء ثم بنويات التكاثف كخطوة أساسية لكي تجود بالمطر (2).
أما قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (43)[النور: 43]، فيشير إلى جملة من الحقائق الباهرة التي لم تكتشف إلا بعد تقدم علوم الأرصاد الجوية في العصر الحديث، من ذلك:
يقول علماء الأرصاد الجوية: إن المطر يتوقف على تكوين السحب
(1) أشار ابن القيم في كتابه «مفتاح دار السعادة» ص 201 إلى ذلك، حيث يقول: (
…
فجعله رخاء- أي الهواء- ورحمة وبشرى بين يدي رحمته ولاقحا للسحاب يلقحه بحمل الماء كما يلقح الذكر الأنثى بالحمل).
(2)
«من روائع الإعجاز في القرآن» للدكتور جمال الدين الفندي، ص 84.
الماطرة (المزن) ومن هذه المزن ما يسمى (المزن الركامي) وهي سحب تنمو في الاتجاه الرأسي، وقد تمتد إلى علو عشرين كيلومترا، وداخل السحب الركامية ثلاث طبقات، وهي الطبقة السفلى وقوامها نقط نامية من الماء ثم الطبقة الوسطى وتكون درجة حرارة نقط الماء فيها تحت الصفر المئوي، ومع ذلك فهي باقية في حالة السيولة (1)، أما الطبقة العليا فتتكون من بلورات الثلج ذات اللون الأبيض الناصع وجعل الله سبحانه وتعالى نقط الماء فوق المبردة غير مستقرة قابلة للتجمد بمجرد ارتطامها
بجسم صلب، لذا فبمجرّد أن تتساقط بلورات الثلج من الطبقة العليا إلى الطبقة الوسطى وتلتقي بنقط الماء فوق المبردة تلتصق البلورات بنقط الماء وتتجمد فينمو حجمها سريعا، وينشط عليها التكاثف فتتساقط على هيئة برد: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ. وأثناء سقوط هذا البرد يلتقي بنقط الماء النامية فيتجمع معها، ويزداد حجم النقط كثيرا ولا يقوى الهواء على حملها فتتساقط على هيئة مطر، ويذوب أغلب البرد قبل وصوله إلى سطح الأرض.
ولنمو البرد وذوبانه أهمية عظيمة في عمليات شحن السحابة بالكهربائية التي تسبب البرق والرعد، فالبرد عند ما ينمو فوق (2) ملمتر يشحن بالكهربائية، وعند ما يذوب يشحن أيضا بشحنة مضادة، وفي كلتا الحالتين يحمل الهواء الصاعد شحنة كهربائية مضادة عظمى. والآية الكريمة ذكرت كلمة (ركاما) وأعقبتها بال (برد) وقد أثبت العلم أن هذا النوع (السحب الركامية) هي الوحيدة التي تعطي البرد.
وفي التعبير بقوله: ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ سر من الأسرار الدقيقة الرائعة التي تعتبر الآن من أمهات الحقائق الجوية، إذ فيها الدلالة على الحقيقة
(1) يجمد الماء تحت الضغط العادي في درجة الصفر المئوي، أما إذا اختل الضغط الجوي الذي يقدر ب (76) سنتمتر زئبق، فإن تجمد الماء وكذلك غليانه يختلفان، لذا تكون درجة الحرارة أقل من الصفر ولا يجمد الماء لضعف الضغط الجوي.
الكهربائية التي تقوم عليها تلك الظواهر الجوية كلها. فإن التأليف بين السحاب وصف دقيق للتقريب بين السحاب المختلف الكهربائية حتى يتجاذب ويتعبأ في الجو تعبئة الجيوش، وهو يتفق مع ما يريد الله أن يخلقه من بين السحاب من برق وصواعق، ومطر أو برد.
وتشبيه الآية الكريمة هذه السحب بالجبال لا يدركه إلا من ركب الطائرة وعلت به فوق السحب أو بينها، فإنه سيدهش لدقة الوصف فإنه يجد مشهد الجبال حقا بضخامتها ومساقطها وارتفاعاتها وانخفاضاتها.
وأشارت الآية الكريمة إلى عظم القوى الكهربائية المشتركة في تكوين البرد بالنص على عظم برقه وشدته وبلوغه من الحرارة درجة الابيضاض، الذي يخطف بالأبصار ويصيبها بالعمى المؤقت، وأكثر من يعاني من هذه الظاهرة هم الطيارون: يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (1).
(1)«سنن الله الكونية» للدكتور محمد أحمد الغمراوي، نقلا عن «لفتات علمية في القرآن» ص 53.