الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من البدع ما يشوه جمالها أو يدنس نصاعتها؛ لأن البدع مهما كان نوعها أو الباعث لها تعتبر نكتة سوداء في صفحة هذه الشريعة الغراء، تختلف أحكامها باختلاف آثارها السيئة: فبدعة تعتبر كفرا بواحا، وبدعة تعتبر من الكبائر، وأخرى تعتبر من الصغائر تقدح في كمال هذه الشريعة وجمالها، وهذا يتضح كثيرا عندما نتعرض لدرجات البدع في موضوع لاحق من هذا البحث إن شاء الله تعالى.
وبعد هذا يحسن أن نبين ذم البدع نقلا وعقلا؛ ليعلم المسلم أنه لا يسوغ له أن يزيد في هذا الدين أو ينقص منه لأن الشارع الحكيم أوجب الاتباع وحرم الابتداع بل جعل الابتداع خروجا عن الصراط المستقيم. يتضح هذا بالأدلة النقلية والعقلية الآتية:
(أ)
من الأدلة النقلية الدالة على ذم البدع وفاعليها:
1 -
قول الله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (1) ففي هذه الآية أمر سبحانه عباده باتباع صراطه وهو دينه الذي ارتضاه لعباده هذا الصراط الذي أخبر عنه بأنه مستقيما أي قويما لا اعوجاج به عن الحق، ثم نهاهم أن يسلكوا طريقا سواه أو يبغوا دينا خلافه من اليهودية أو النصرانية أو المجوسية أو عبادة الأوثان، أو غير ذلك من الملل فإنها بدع وضلالات.
وقد فسر مجاهد رحمه الله السبل: بأنها البدع والشبهات.
ثم ذكر سبحانه علة النهي عن اتباع السبل وهي أنها تبعدهم عن دينه الذي ارتضاه لهم مما ينجم عنه هلاكهم ودخولهم النار (2)
(1) سورة الأنعام الآية 153
(2)
انظر تفسير الطبري 12/ 229 وما بعدها.
ووجه الدلالة من الآية الكريمة: أن الله أمر باتباع دينه القويم الذي هو صراطه المستقيم، ونهى عن اتباع ما عداه من الملل والشبه والبدع؛ لأنها تنأى بالعبد عن الصراط السوي الذي ارتضاه سبحانه لعباده، فدل ذلك على تحريم هذه البدع؛ لأنها من السبل التي تودي بصاحبها إلى ما لا يرضاه سبحانه.
من هذه الآية يتضح أن الصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا إليه. وهو السنة التي جاء بها رسوله صلى الله عليه وسلم. أما السبل فهي طرق أهل الاختلاف الحائدين عن الصراط القويم، وهم أهل البدع: يدل لهذا ما جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حيث قال: «خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطا فقال: هذا سبيل الله، ثم خط عن يمين ذلك الخط وعن شماله خطوطا فقال هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها، ثم قرأ هذه الآية: (2)» وهذا حديث صحيح كما قال ابن كثير في تفسيره (3) وقال رجل لابن مسعود: ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا محمد صلى الله عليه وسلم في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جواد، وعن يساره جواد، وثم رجال يدعون من مر بهم، فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ} (4) الآية.
(1) مسند أحمد بن حنبل (1/ 435)، سنن الدارمي المقدمة (202).
(2)
سورة الأنعام الآية 153 (1){وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}
(3)
190/ 2.
(4)
سورة الأنعام الآية 153
3 -
ومنها قوله سبحانه {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} (1).
ووجه الدلالة: أن الله أخبر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بأن يبرأ من كل من فارق دين الله وخالفه؛ لأن الله سبحانه بعث رسوله عليه الصلاة والسلام بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق، فالذين اختلفوا فيه وكانوا شيعا أي فرقا كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات فإن الله تعالى قد برأ رسوله عليه الصلاة والسلام مما هم فيه، وهذا كاف في ذم هؤلاء، ومنهم المبتدعة (2). 3 - ومنها قوله صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (3)» أي: مردود، قال ابن دقيق العيد رحمه الله عند شرحه هذا الحديث: إنه صريح في رد كل بدعة وكل مخترع (يعني في الدين) وقال عن رواية مسلم التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (4)» قال: إنها صريحة في ترك كل محدثة سواء أحدثها فاعلها أو سبق إليها فإنه قد يحتج به (أي بما رواه الشيخان) بعض المعاندين إذا فعل البدعة فيقول: ما أحدثت شيئا فيحتج عليه بهذه الرواية (5). اهـ.
4 -
ومنها ما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال.
«من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك
(1) سورة الأنعام الآية 159
(2)
انظر تفسير ابن كثير لهذه الآية 1/ 196.
(3)
الأربعون النووية الحديث الخامس وهو متفق عليه.
(4)
صحيح مسلم الأقضية (1718)، مسند أحمد بن حنبل (6/ 180).
(5)
شرح ابن دقيق للأربعين النووية 28.
من أجورهم شيئا. ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا (1)» رواه مسلم (2).
ووجه الدلالة فيه: أن من يدعو إلى ضلالة من الضلالات التي أحدثت في الدين فإنه سيبوء بأوزار من يعمل بها. وهذا من أعظم ما ينفر عن البدع ويبين سوء منقلب دعاتها والعاملين بها. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ووجه التحذير: أن الذي يحدث البدعة قد يتهاون بها لخفة أمرها في أول الأمر ولا يشعر بما يترتب عليها من المفسدة، وهو أن يلحقه إثم من عمل بها من بعده ولو لم يكن هو عمل بها بل؛ لكونه كان الأصل في إحداثها (3).
5 -
ومنها: ما جاء عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى ويقول: أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة (4)» . . الحديث. رواه مسلم وابن ماجه (5).
وفي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته (6)» رواه الطبراني وإسناده حسن (7).
ووجه الدلالة منهما: أنه عليه الصلاة والسلام أخبر بأن شر الأمور في الدين هي المحدثات من البدع وأن كل بدعة ضلالة. كما أخبر عن
(1) صحيح مسلم العلم (2674)، سنن الترمذي العلم (2674)، سنن أبو داود السنة (4609)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 397)، سنن الدارمي المقدمة (513).
(2)
رياض الصالحين 95 من الباب العشرين.
(3)
فتح الباري 302/ 3.
(4)
صحيح مسلم الجمعة (867)، سنن النسائي صلاة العيدين (1578)، سنن ابن ماجه المقدمة (45)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 311).
(5)
الترغيب. والترهيب 1/ 62.
(6)
سنن ابن ماجه المقدمة (50).
(7)
الترغيب والترهيب 62/ 1
حجب التوبة عن المبتدع حتى يدع بدعته، وهذا كاف في بيان سوء الابتداع وقبح البدع وأن أصحابها بعيدون عن هدي الله الذي كانوا يظنون أنهم بابتداعهم يقتربون منه. فقوله عليه الصلاة والسلام:«شر الأمور محدثاتها (1)» . وقوله: «كل محدثة بدعة (2)» . في بعض الروايات. وقوله: «وكل بدعة ضلالة (3)» . وقوله: «إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته (4)» هذه كلها نواه وزواجر تقرع الأسماع ليكون فيها عبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
6 -
ومنها ما جاء في الحديث الطويل عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه قال: قلت: «يا رسول الله: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم: دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله: صفهم لنا. قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك (5)» رواه البخاري (6).
ووجه الدلالة من الحديث: أن المحدثات في الدين أيا كان نوعها هي من الشرور والآثام التي حذر منها الشارع وأخبر أنها سبب لقذف أصحابها في نار جهنم. وهذا وعيد شديد لدعاة الباطل كالمبتدعة وأتباعهم ليقلعوا عما هم عليه حتى لا يقعوا تحت طائلة هذا الوعيد.
7 -
ومما جاء عن الصحابة والتابعين في ذم البدع:
(1) سنن ابن ماجه المقدمة (46).
(2)
سنن أبو داود السنة (4607)، سنن الدارمي المقدمة (95).
(3)
صحيح مسلم الجمعة (867)، سنن النسائي صلاة العيدين (1578)، سنن ابن ماجه المقدمة (45)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 311)، سنن الدارمي المقدمة (206).
(4)
سنن ابن ماجه المقدمة (50).
(5)
صحيح البخاري المناقب (3606)، صحيح مسلم الإمارة (1847)، سنن ابن ماجه الفتن (3979).
(6)
صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري، 35/ 13.
ما جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (الاقتصاد في السنة أحسن من الاجتهاد في البدع) رواه الحاكم موقوفا بإسناد صحيح (1) 8 - «وعن غضيف بن الحارث الثمالي قال: بعث إلي عبد الملك بن مروان فقال: يا أبا سليمان إنا قد جمعنا الناس على أمرين فقال: وما هما؟ قال: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة والقصص بعد الصبح والعصر، فقال: أما إنهما أمثل بدعكم عندي ولست بمجيبكم إلى شيء منهما، قال: لم؟ قال: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما أحدث قوم بدعة إلا رفع من السنة مثلها فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة (2)» رواه أحمد بسند جيد والبزار (3).
فإذا كان هذا جواب هذا الصحابي في أمر له أصل في السنة فما ظنك بما لا أصل له فيها فكيف بما يشتمل على ما يخالفها كما قال الحافظ ابن حجر (4).
9 -
وقال الإمام مالك: قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمور بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها ولا النظر فيما خالفها ومن اقتدى بها فهو مهتد ومن استنصر بها فهو منصور ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا (5).
(1) الترغيب والترهيب 60/ 1.
(2)
مسند أحمد بن حنبل (4/ 105).
(3)
فتح الباري 253/ 13 والترغيب 64/ 1.
(4)
فتح الباري 254/ 13.
(5)
إغاثة اللهفان 159/ 1.