الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2 -
ضابط المثلة الممنوعة
نذكر فيما يلي بيان معنى المثلة، وما تيسر من الآيات والأحاديث فيها مع كلام بعض العلماء عليها، لنستخلص من ذلك ما يجوز من المثلة وما يمتنع، فنقول:
أولا: في القاموس: مثل قام منتصبا كمثل بالضم مثولا. . وبفلان مثلا ومثلة بالضم نكل كمثل تمثيلا وهي المثلة بضم الثاء وسكونها ج مثولات ومثلات). اهـ المقصود منه.
وفي المفردات في غريب القران للراغب الأصفهاني:
والمثلة نقمة تنزل بالإنسان فيجعل مثالا يرتدع به غيره، وذلك كالنكال، وجمعه مثلات ومثلات وقد قرئ:(من قبلهم المثلات، والمثلات) بإسكان الثاء على التخفيف نحو عضد وعضد وقد أمثل السلطان فلانا إذا نكل به) اهـ المقصود منه.
ثانيا: وفي تفسير ابن جرير قوله تعالى {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ} (1) يقول تعالى ذكره: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ} (2) يا محمد مشركو قومك بالبلاء والعقوبة قبل الرخاء والعافية فيقولون اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. وهم يعلمون ما حل بمن خلا قبلهم من الأمم التي عصت ربها وكذبت رسلها
(1) سورة الرعد الآية 6
(2)
سورة الرعد الآية 6
من عقوبات الله وعظيم بلائه فمن بين أمة مسخت قردة وأخرى خنازير، ومن بين أمة أهلكت بالرجفة وأخرى بالخسف وذلك هو المثلات التي قال الله جل ثناؤه:{وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ} (1) والمثلات العقوبات المنكلات، والواحدة منها مثلة بفتح الميم وضم الثاء ثم تجمع المثلات كما واحد الصدقات صدقة ثم تجمع صدقات، وذكر أن تميما من بين العرب تضم الميم والثاء جميعا من المثلات فالواحدة على لغتهم منها مثلة، ثم تجمع مثلات كغرفة وغرفات، والفعل منه مثلت به أمثل مثلا بفتح الميم وتسكين الثاء فإذا أردت أنك أقصصته من غيره قلت أمثلته من صاحبه أمثله إمثالا وذلك إذا قصصته منه) اهـ.
وفي تفسير الكشاف للزمخشري قوله تعالى {وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ} (2) أي عقوبات أمثالهم من المكذبين فما بالهم لم يعتبروا بها فلا يستهزئوا، والمثلة العقوبة بوزن السمرة والمثلة، لما بين العقاب والمعاقب عليه من المماثلة " وجزاء سيئة سيئة مثلها. ويقال: أمثلت للرجل من صاحبه أقصصته منه، والمثال القصاص " ثم ذكر قراءات في المثلات " ولغات فيها أغنى عنها ما تقدم.
وروى البخاري عن مسلم عن قتادة عن أنس رضي الله عنه (3): «أن ناسا من عكل وعرينة قدموا المدينة على النبي صلى الله عليه وسلم وتكلموا بالإسلام فقالوا يا نبي الله إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف واستوخموا المدينة فأمر لهم رسول الله صلى الله
(1) سورة الرعد الآية 6
(2)
سورة الرعد الآية 6
(3)
باب قصة عكل وعرينة.
عليه وسلم بذود وراع وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها وأبوالها فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا الذود فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فبعث الطلب في آثارهم فأمر بهم فسمروا أعينهم وقطعوا أيديهم وأرجلهم وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم (1)» قال قتادة: وبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك «كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة (2)» .
وفي الصحيح عن بريدة بن الحصيب عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الطويل أنه قال: «لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا (3)» . .
وروى النسائي عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تمثلوا بالبهائم (4)» .
وروى النسائي أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من إنسان يقتل عصفورة فما فوقها بغير حقها إلا سأله الله عز وجل عنها قيل: يا رسول الله وما حقها؟ قال: يذبحها فيأكلها ولا يقطع رأسها يرمى به (5)» .
ثالثا: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (6).
فأما التمثيل في القتل فلا يجوز إلا على وجه القصاص وقد قال عمران بن حصين رضي الله عنهما:
ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة حتى الكفار إذا قتلناهم فإنا لا نمثل بهم بعد
(1) صحيح البخاري المغازي (4192)، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1671)، سنن الترمذي الطهارة (72)، سنن النسائي الطهارة (305)، سنن أبو داود الحدود (4364)، سنن ابن ماجه الحدود (2578)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 163).
(2)
سنن النسائي تحريم الدم (4047).
(3)
صحيح مسلم الجهاد والسير (1731)، سنن الترمذي السير (1617)، سنن أبو داود الجهاد (2613)، سنن ابن ماجه الجهاد (2858)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 358)، سنن الدارمي السير (2439).
(4)
سنن النسائي الضحايا (4440).
(5)
سنن النسائي الصيد والذبائح (4349)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 166).
(6)
ص314 - من جـ 28 من مجموع الفتاوى.
القتل ولا نجدع آذانهم وأنوفهم ولا نبقر بطونهم إلا أن يكونوا فعلوا ذلك بنا فنفعل بهم مثل ما فعلوا، والترك أفضل كما قال الله تعالى {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} (1) {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} (2) قيل إنها نزلت «لما مثل المشركون بحمزة وغيره من شهداء أحد رضي الله عنهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بضعفي ما مثلوا بنا» أنزل الله هذه الآية- وإن كانت قد نزلت قبل ذلك بمكة مثل قوله {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} (3) وقوله {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} (4) وغير ذلك من الآيات التي نزلت بمكة ثم جرى بالمدينة سبب يقتضي الخطاب فأنزلت مرة ثانية- فقال النبي صلى الله عليه وسلم بل نصبر وفي صحيح مسلم عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا على سرية أو جيش أو في حاجة نفسه أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله تعالى وبمن معه من المسلمين خيرا ثم يقول: اغزوا بسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا (5)» اهـ.
(1) سورة النحل الآية 126
(2)
سورة النحل الآية 127
(3)
سورة الإسراء الآية 85
(4)
سورة هود الآية 114
(5)
صحيح مسلم الجهاد والسير (1731)، سنن الترمذي الديات (1408)، سنن أبو داود الجهاد (2612)، سنن ابن ماجه الجهاد (2858)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 358)، سنن الدارمي السير (2439).
الخلاصة
أولا: المثلة كل ما كان فيه تشويه للخلق من سمل عين أو فقئها أو بقر بطن أو قطع عضو وأمثال ذلك سواء كان ذلك قصاصا أم مجرد نكاية وعقوبة، شفاء لغل وحقد أم عبثا ولهوا.
ثانيا: ما كان منها قصاصا فهو جائز وتركه أولى لقوله تعالى {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} (1) وقوله {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} (2) الآيات.
وما كان منها في حي لمصلحته فهو جائز وقد يجب وقد يمنع حسب اختلاف الأحوال، ولمصلحة غيره فهو محل نظر واجتهاد، وما كان منها في ميت لمصلحته أو لحق غيره أو لمضطر فهو محل نظر واجتهاد، يعلم تفصيله مما تقدم في بحث " التشريع والقرنية " وما كان منها عبثا ولهوا أو لمجرد شفاء غليل فهو محرم.
(1) سورة النحل الآية 126
(2)
سورة الشورى الآية 40