الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مبحث:
معاملة أهل البدع
.
أخطاء المبتدعة خطيرة على الدين من جهة جنايتهم عليه وإفسادهم في الأرض وخروجهم عن جادة الإسلام إلى جواد التيه والضلال، هذا الخروج الذي جعلهم يتركون صراط الله المستقيم ويستبدلون به طرقا شتى معوجة تذهب بهم وبأتباعهم إلى الغي والضلال كما قال سبحانه {وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} (1) لهذا فإن الأمر يقتضي أن يعاملوا بالتثريب أو التنكيل أو الطرد والإبعاد أو الإنكار أو القتل، ولكن هذه المعاملة تختلف باختلاف أحوالهم وبحسب البدعة التي أحدثوها من كونها عظيمة المفسدة في الدين، وكون صاحبها مشتهرا بها، وداعيا إليها، ومستظهرا بالأتباع وخارجا عن الناس، وكونه عاملا بها عن علم. فقد تكون البدعة على هذه الحال وقد تكون أقل من هذا، ولهذا ذكر الإمام الشاطبي رحمه الله أنواعا من معاملة هؤلاء المبتدعة حسب حجم البدعة التي يرتكبونها وحسب الأشخاص الداعين إليها أو العاملين بها. وهي:
1 -
الإرشاد والتعليم وإقامة الحجة كما فعل ابن عباس رضي الله عنه مع الخوارج حين جادلهم بالحق حتى رجع منهم ألفان أو ثلاثة.
2 -
الهجران وترك الكلام والسلام كما جاء عن السلف في هذا المقام وكما جاء عن عمر رضي الله عنه في قصة صبيغ العراقي أن عمر ضربه مرتين، ثم أراد أن يضربه الثالثة فقال له صبيغ: إن كنت تريد
(1) سورة الأنعام الآية 153
قتلي فاقتلني قتلا جميلا وإن كنت تريد أن تداويني فقد والله برئت. فأذن له إلى أرضه وكتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ألا يجالسه أحد من المسلمين، فاشتد ذلك على الرجل فكتب أبو موسى إلى عمر أن قد حسنت سيئته: فكتب إليه عمر أن يأذن للناس بمجالسته.
3 -
التغريب كما فعل عمر بصبيغ السابق ذكره.
4 -
السجن كما سجنوا الحلاج الحسين بن منصور (1) قبل قتله، سنين عديدة.
5 -
ذكرهم بما هم عليه وإظهار بدعتهم وتفنيدها كي يحذروا ولئلا يغتر بهم وبكلامهم. كما جاء عن محمد بن سهل النجاري قال: كنا عند القرباني فجعل يذكر أهل البدع فقال له رجل: لو حدثتنا كان أعجب إلينا. فغضب وقال: كلامي في أهل البدع أحب إلي من عبادة ستين سنة (2) 6 - القتال إذا ناصبوا المسلمين وخرجوا عليهم كما قاتل علي رضي الله عنه الخوارج وغيره من خلفاء السنة؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الراد على أهل البدع مجاهد حتى كان يحيى بن يحيى يقول: الذب عن السنة أفضل من الجهاد (3).
7 -
القتل إن أظهروا بدعتهم ولم يرجعوا مع الاستتابة وهذا إن كانت
(1) انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية 109/ 35.
(2)
انظر تلبيس إبليس 15.
(3)
الفتاوى 13/ 4.
البدعة مما يستحق عليه القتل كما فعل خالد بن عبد الله القسري حينما قتل الجعد بن درهم.
8 -
تكفير من قام الدليل على كفره كما إذا كانت البدعة صريحة في الكفر كالإباحية، وكالباطنية القائلين بالحلول. فهؤلاء يكفرون ويشهر بهم ويحكم عليهم بألا يناكحوا ولا تقبل شهادتهم ولا روايتهم ولا يولون إمارة ولا قضاء ولا يعاد مريضهم ولا تشهد جنازتهم. وذلك ليحذرهم الناس.
9 -
يحكم عليهم بالضرب كما فعل عمر بصبيغ. وقد حكم الإمام الشافعي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجرائد ويحملوا على الإبل ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام (1): يعني أهل البدع.
ومن عرض هذه الأنواع يظهر لكل ذي لب أن علماء السلف قد شددوا في صيانة الشريعة من كل ما يؤثر في كمالها ويشوه وجهها الناصع الذي أراد الله أن تكون عليه دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وحنيفية سمحة جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم بيضاء نقية.
وإن هذه المعاملة لهؤلاء المبتدعة لهم حقيقون بها؛ لأنهم سلكوا غير سبيل المؤمنين، فولاهم الله ما تولوا وسيجزيهم بخروجهم عن صراطه السوي ما هم مستحقون له.
(1) انظر الاعتصام 175/ 1 وما بعدها.