الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحد ثمانين فمات المضروب وداه للعلة المذكورة، ويحتمل أن يكون الضمير في قوله:" لم يسنه " لصفة الضرب وكونها بسوط الجلد أي لم يسن الجلد بالسوط وإنما كان يضرب فيه بالنعال وغيرها مما تقدم ذكره أشار إلى ذلك البيهقي، وقال ابن حزم أيضا: لو جاء عن غير علي من الصحابة في حكم واحد أنه مسنون وأنه غير مسنون لوجب حمل أحدهما على غير ما حمل عليه الآخر فضلا عن علي مع سعة علمه وقوة فهمه، وإذا تعارض خبر عمير بن سعيد وخبر أبي ساسان فخبر أبي ساسان أولى بالقبول؛ لأنه مصرح فيه برفع الحديث عن علي، وخبر عمير موقوف على علي، وإذا تعارض المرفوع والموقوف قدم المرفوع.
وأما دعوى ضعف سند أبي ساسان فمردودة، والجمع أولى مهما أمكن من توهين الأخبار الصحيحة، وعلى تقدير أن تكون إحدى الروايتن وهما فرواية الإثبات مقدمة على رواية النفي، وقد ساعدتها رواية أنس على اختلاف ألفاظ النقلة عن قتادة، وعلى تقدير أن يكون بينهما تمام التعارض فحديث أنس سالم من ذلك.
ثالثا: خلاف العلماء في أن العقوبة في شرب الخمر هل هي حد أو تعزير
مع بيان ما يترتب على ذلك:
اختلف أهل العلم في عقوبة شارب الخمر على قولين: أحدهما أنها حد. والثاني أنها تعزير. والذين قالوا بأنها حد اختلفوا على قولين هما المشهوران، منهم من قال: بأنه ثمانون، ومنهم من قال: بأن الحد أربعون، وما زاد على ذلك يرجع فيه إلى اجتهاد الإمام فإن رأى
الزيادة زاد وإلا فلا. وفيما يلي بيان هذه الأقوال مع الأدلة والمناقشة:
القول الأول: أنه تعزير، قال الحافظ ابن حجر أن الطبري وابن المنذر حكوا عن طائفة من أهل العلم أن الخمر لا حد فيها وإنما فيها التعزير.
واستدلوا بأحاديث الباب فإنها ساكتة عن تعيين عدد الضرب وأصرحها حديث أنس ولم يجزم فيه بالأربعين في أرجح الطرق عنه وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا ابن جريج ومعمر سئل ابن شهاب: كم جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر؟ فقال: لم يكن فرض فيها حدا، كان يأمر من حضره أن يضربوه بأيديهم ونعالهم حتى يقول لهم ارفعوا، وورد أنه لم يضربه أصلا وذلك فيما أخرجه أبو داود والنسائي بسند قوي عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوقت في الخمر حدا قال ابن عباس: وشرب رجل فسكر فانطلق به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما حاذى دار العباس انفلت فدخل على العباس فالتزمه فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فضحك ولم يأمر فيه بشيء " وأخرج الطبري من وجه آخر عن ابن عباس: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر إلا أخيرا، ولقد غزا تبوك فغشى حجرته من الليل سكران فقال: ليقم إليه رجل فيأخذ بيده حتى يرده إلى رحله.
والجواب: إن الإجماع انعقد بعد ذلك على وجوب الحد لأن أبا بكر تحرى ما كان النبي صلى الله عليه وسلم ضرب السكران فصير حدا واستمرا عليه. وكذلك استمر من بعده، وإن اختلفوا في العدد
وجمع القرطبي بين الأخبار بأنه لم يكن أولا في الشرب حد وعلى ذلك يحمل حديث ابن عباس في الذي استجار بالعباس، ثم شرع فيه التعزير على ما في سائر الأحاديث التي لا تقدير فيها، ثم شرع الحد ولم يطلع أكثرهم على تعينيه صريحا مع اعتقادهم أن فيه الحد المعين ومن ثم توخى أبو بكر ما فعل بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فاستقر عليه الأمر، ثم رأى عمر ومن وافقه الزيادة على الأربعين إما حدا بطريق الاستنباط وإما تعزيرا. انتهى المقصود من كلام ابن حجر (1).
القول الثاني: أنها حد وأنه ثمانون، وهو مذهب الحنفية والمالكية والمقدم عند الحنابلة، ففي بداية المبتدي: وحد الخمر والسكر إلى ثمانين سوطا (2)، وفي قوانين الأحكام الفقهية: وهو ثمانون جلدة للحر (3)، وقال ابن قدامة: إحداهما أنه ثمانون، وبهذا قال مالك والثوري وأبو حنيفة ومن تبعهم (4). انتهى.
واستدل لهذا بإجماع الصحابة فإنه روي " أن عمر استشار الناس في حد الخمر فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعله كأخف الحدود ثمانين، فضرب عمر ثمانين وكتب به إلى خالد وأبي عبيدة بالشام "، وروي عن علي في المشورة " أنه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى فحدوه حد المفتري " روى ذلك الجوزجاني والدارقطني وغيرهما انتهى من كلام ابن قدامة (5).
(1) فتح الباري 12/ 72.
(2)
البداية 2/ 111.
(3)
قوانين الأحكام الفقهية / 391.
(4)
المغني 9/ 141.
(5)
المغني 9/ 141.
ونوقش هذا الدليل بما يلي:
أولا: أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم حجة لا يجوز تركه بفعل غيره ولا ينعقد الإجماع على ما خالف فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فتحمل الزيادة من عمر على أنها تعزير يجوز فعلها إذا رآه الإمام ذكر هذا الوجه ابن قدامة (1).
ثانيا: إن عليا أشار على عمر بذلك ثم رجع علي عن ذلك واقتصر على الأربعين، لأنها القدر الذي اتفقوا عليه في زمن أبي بكر، مستندين إلى تقدير ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وأما الذي أشار به فقد تبين من سياق قصته أنه أشار بذلك ردعا للذين انهمكوا، لأن في بعض طرق القصة كما تقدم " أنهم احتقروا العقوبة "(2).
القول الثالث: إنه أربعون، وما زاد عن ذلك يرجع فيه إلى اجتهاد الإمام، وبهذا قال الشافعي وهو الرواية الثانية عن الإمام أحمد وبه قال أبو ثور وداود ومن وافقهم من أهل العلم، قال الشيرازي وقال الشافعي وأبو ثور وداود: الحد في ذلك أربعون - ومضى إلى أن قال - فإن رأى الإمام أن يبلغ بحد الحر ثمانين وبحد العبد أربعين جاز (3)، انتهى.
وقال ابن قدامه: والرواية الثانية أن الحد أربعون، وهو اختيار أبي بكر ومذهب الشافعي (4)، انتهى. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية وهذا أوجه القولين (5).
(1) المغني 9/ 142.
(2)
الفتح 12/ 73.
(3)
المهذب 18/ 448.
(4)
المغني 9/ 142.
(5)
السياسة الشرعية / 50.
واستدل لهذا القول بما روى أبو ساسان قال: " لما شهد على الوليد بن عقبة قال عثمان لعلي: دونك ابن عمك فاجلده، قال: قم يا حسن فاجلده، قال: فيما أنت وذاك ول هذا غيري، قال: ولكنك ضعفت وعجزت ووهنت، فقال: قم يا عبد الله بن جعفر فاجلده، وعلي يعد ذلك فعد أربعين وقال:«جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر أربعين وأبو بكر أربعين وعمر ثمانين، وكل سنة (1)» أخرجه البيهقي.
وأخرج مسلم عن حصين بن المنذر قال: " شهدت عثمان بن عفان أتي بالوليد وقد صلى الصبح ركعتين، ثم قال: أزيدكم، فشهد عليه رجلان أحدهما حمران أنه شرب الخمر وشهد آخر أنه رآه يتقيؤها، فقال عثمان: إنه لم يتقيؤها حتى يشربها، فقال: يا علي قم فاجلده، فقال علي: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: ول حارها من تولى قارها، فكأنه وجد عليه فقال: يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين فقال: أمسك ثم قال: «جلد النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أربعين وعمر ثمانين وكل سنة، وهذا أحب إلي (2)» .
وأما كون الزيادة عن الأربعين راجعة إلى رأي الإمام فقد استدلوا لذلك ما رواه أبو وبرة الكلبي قال: " أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر رضي الله عنه فأتيته ومعه عثمان وعبد الرحمن بن عوف وعلي وطلحة والزبير رضي الله عنهم، فقلت: إن خالد بن الوليد رضي الله عنه يقرأ عليك السلام ويقول إن الناس قد
(1) سنن أبو داود الحدود (4481)، سنن ابن ماجه الحدود (2571)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 82)، سنن الدارمي الحدود (2312).
(2)
صحيح مسلم الحدود (1707)، سنن أبو داود الحدود (4480)، سنن ابن ماجه الحدود (2571)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 82)، سنن الدارمي الحدود (2312).
انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة فيه، قال عمر: هم هؤلاء عندك فسلهم، فقال: تراه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانين، فقال عمر: بلغ صاحبك ما قالوا، فجلد خالد ثمانين وجلد عمر ثمانين وقال: وكان عمر إذا أتي بالرجل الضعيف الذي كانت منه الزلة جلده أربعين " (1).
وأما بيان ما يترتب على القول بأنها تعزير وحد، فعلى القول بأنها حد لا يدخله العفو والإسقاط والصلح، لأنه من حقوق الله جل وعلا وإذا مات المضروب ثمانين عند من يقول بذلك وأربعين عند من يقول بهذا فإنه يموت هدرا لا دية له، وعلى القول بأنها تعزير يدخله العفو والإسقاط والصلح من جهة أصلية عند من يقول بأنه تعزير، وما ذاد على الأربعين ففيه الدية، وفيما يلي نقول عن أهل العلم في ذلك:
1 -
قال الشيرازى: فإن جلده أربعين ومات لم يضمن، لأن الحق قتله وإن جلده ثمانين ومات ضمن نصف الدية، لأن نصفه حد ونصفه تعزير وسقط النصف بالحد ووجب النصف بالتعزير. انتهى المقصود (2).
2 -
قال الخرقي: مسألة فإن مات في جلده فالحق قتله يعني ليس على أحد ضمان قال ابن قدامة. وهذا قول مالك
(1) المهذب ومعه الشرح 18/ 48 وما بعدها.
(2)
المهذب 2/ 287.