الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مما تقدم تتضح أهمية أسباب النزول، وفي هذا البحث سنبين معناها وأثرها في تفسير بعض آيات القرآن الكريم والمؤلفات فيها.
معنى أسباب النزول:
-
لفظ أسباب النزول مركب إضافي من كلمتين سأتكلم عن هاتين الكلمتين من الناحية اللغوية، ثم أخلص منها إلى الناحية الاصطلاحية المقصودة هنا، فالأسباب جمع سبب والسبب كل ما يتوصل به إلى غيره، قال صاحب القاموس المحيط:" والسبب الحبل وما يتوصل به إلى غيره ويجمع على أسباب، وأسباب السماء مراقيها أو نواحيها أو أبوابها، وقطع الله به السبب الحياة ". وقال صاحب لسان العرب بعد كلام طويل: " السبب هو الحبل الذي يتوصل به إلى الماء، ثم استعير إلى كل ما يتوصل به إلى شيء كقوله تعالى: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} (1) (البقرة: 166) أي الوصل والمودات ".
قلت: وقد استعير السبب إلى الحادثة التي من أجلها نزلت آية أو آيات من القرآن، لأنه يتوصل به إلى تفسير الآية والوقوف على قصتها وإزالة الإشكال عنها.
والنزول: مصدر نزل ينزل نزولا وهو الحلول والانحطاط من أعلى، قال الراغب الأصفهاني في مفرداته:" نزل: النزول في الأصل هو الانحطاط من علو، يقال: نزل عن دابته ونزل في مكان كذا حط رحله فيه، وأنزله غيره، قال تعالى: {أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} (2) (المؤمنون: 29) ونزل بكذا وأنزله بمعنى، وإنزال الله نعمه ونقمه على الخلق إعطاؤهم إياها، وذلك إما بإنزال الشيء نفسه كإنزال القرآن، وإما بإنزال أسبابه والهداية إليه كإنزال الحديد واللباس ونحو ذلك ".
(1) سورة البقرة الآية 166
(2)
سورة المؤمنون الآية 29
ونزول القرآن على قسمين:
الأول: ما نزل ابتداء من غير سبب، وهو أكثر القرآن.
والثاني: ما نزل مرتبطا بسبب، وهو أقل القرآن.
ومن هذا التمهيد أنتقل إلى الاصطلاحي لسبب النزول: وهو الحادثة التي تقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، أو السؤال يوجه إليه فتنزل الآية أو الآيات أيام وقوع ذلك مبينة لحكم تلك الحادثة أو مجيبة على ذلك السؤال ومعنى التقييد بأيام وقوع ذلك أن الحادثة أو السؤال لا يعتبران سببا لنزول الآية أو الآيات إلا إذا نزلت عقب ذلك مباشرة، كما في حادثة خولة بنت ثعلبة التي ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت فنزلت بسببها آيات الظهار في أول سورة المجادلة (1)، أو تأخر نزولها يسيرا لحكمة، كما في حادثة الإفك، فقد نزلت الآيات بعدها بشهر كما رواها البخاري عن عائشة في حديث طويل نقتطف منه قول السيدة عائشة رضي الله عنها «وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني (2)» الحديث.
أما الحوادث القديمة، وقصص الأنبياء السابقين، فلا تعتبر أسبابا للنزول، لأنها لم تقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، لذا أخذ على الواحدي جعله قدوم الأحباش إلى البيت الحرام بالفيلة سببا لنزول سورة الفيل. قال السيوطي في الإتقان (1/ 31): (والذي يتحرر في سبب النزول، أنه ما نزلت الآية أيام وقوعه ليخرج ما ذكره الواحدي في تفسيره في سورة الفيل من أن سببها قصة قدوم الحبشة به، فإن ذلك ليس من أسباب النزول في شيء بل هو من باب الإخبار عن الوقائع الماضية كذكر قصة قوم نوح، وعاد، وثمود، وبناء
(1) انظر تفصيل تلك الحادثة في أسباب النزول للواحدي ص 433.
(2)
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر تفسير النور (8/ 454) وأسباب النزول للواحدي (333).