الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وجاها، كما استفادوا منه وأولادهم علما ومعرفة، كذلك مازج نحاة الكوفة الميقيمين في بغداد وخالطهم وأقرأ شيخهم الكسائي كتاب سيبويه سرا، وانتهى به الأمر إلى الاتفاق فيما بعد معهم في شطر كبير من آرائهم ومذاهبهم، وإلى الاختلاف مع قومه وأهله من البصريين اختلافا نجده ماثلا في طائفة كثيرة من المسائل النحوية المبثوثة في الأمهات وغيرها.
هذا هو الأخفش وهذه هي صورته العلمية ومنزلته العقلية عرضناها فيما سبق من مناقشات، ومن خلال ما أوردنا أيضا في ترجمته من أخبار ومعلومات، وهي جميعا تلقي عليه الضوء ساطعا، وتعد مدخلا حسنا للشروع في درس نحوه درسا على مقدار من التفصيل يناسب طبيعة مثل هذا البحث، لنتمكن من أن نتبين في خاتمة المطاف حقيقة وضعه بين النحاة، ولنعرف درجته في الفن، ولنجيب بعد ذلك على تساؤل مفاده: هل كان الأخفش نحويا كبيرا يسير على وتيرة نظرائه من الكبار فحسب، أم أنه حاول التجديد وأراد أن يشق طريقا مستقلا مميزا خاصا به، أم أنه كان بين بين، يقلد تارة ويجدد أو يحاول التجديد تارة أخرى؟
دراسات الأخفش النحوية:
أ)
تمهيد:
ما زال الأخفش في نظرنا - على الرغم من وجود بعض الدراسات المستقلة عنه وعن نحوه - محتاجا إلى تجلية موقفه من خلال تمحيص ما جرت به أقلام الباحثين ودار في أبحاثهم ودراساتهم عنه، وكذلك من خلال معاودة درس فروعه ومناقشة آرائه وتقويم دراساته لاجتلاء حقيقة اتجاهاته، وللكشف عن قدراته ومن ثم بيان منزلته ووضعه في
موضعه الصحيح من تاريخ النحو والنحاة، وذلك على نحو جديد يظهر معه وجه الحق على ما ينبغي له من الوضوح والإنصاف.
وهناك حقيقتان لا بد بادئ ذي بدء من التذكير بهما:
أولاهما: ما تقرر في الأذهان واستقر في الأفهام وأفاض الباحثون في بيانه من أن العربية لغة خصبة تمتاز بتنوع لهجاتها وتعدد لغاتها، وأنها ثرية بمنظومها غنية بمنثورها، ثرية بأفانين القول وبديع المعاني فيهما، تجد فيها الشعر الرائع والنثر الرفيع والحكمة الفائقة والمثل الدقيق، وأن القرآن الذي نزل بهذه اللغة يتميز بوفرة قراءاته وتنوع درجات هذه القراءات، وبأنه سنام الفصاحة وذروة البلاغة.
والثانية: ما هو معروف من أن موقف نحاة البصرة ونحاة الكوفة في دراساتهم النحوية لم يكن واحدا، بل كان متمايزا ومتفاوتا، وأن كلا من الفريقين على وجه العموم وبعض مشاهير النحاة وأعلامهم من كل فريق على وجه الخصوص - قد اتخذوا مواقف مختلفة ومستقلة من الموروثات اللغوية والتزموا أطرا خاصة بفرقهم أو بأنفسهم. وقد أكثر الدارسون من بيان هذا كله إلى جانب إسهامهم في إيضاح الأسس العامة التي التقى عليها جمهور الفريقين، وهم لا يخرجون عن القول بأن موقف النحاة البصريين من الأخذ بأصول الاحتجاج في النحو كان متشددا في حين كان موقف الكوفيين متساهلا.
ولقد أصبح هذا القول مستقرا في الأذهان متداولا على الألسنة مسجلا في الكتب. والحق أن هذه القسمة الضيزى التي أرادوا لها أن تكون قاطعة صائبة دقيقة شاملة - ليست كذلك؛ لأن طبيعة الاتجاهات العلمية العامة تنفر من مثل هذا التحديد الصارم والتقسيم الحاسم الذي
يراد له أن يلبس لباس القانون الجازم الذي لا يند عنه مخالف ولا يشذ عن إطاره فرد واحد.
ونحن إذا أمعنا النظر في هذا التقسيم بشكل موضوعي وأدرنا فيه النظر الفاحص، وأمعنا في تحليله وتقليبه وطبقناه على أرض الواقع نجد أنه ليس دقيقا، بل ليس صوابا، لما فيه من تعميم يوقع الباحثين في الخلط أو الخطأ.
والحق أن كل إمام من أئمة المدرستين كان له اتجاه عام في دراساته النحوية يوافق فيه أهل مدرسته من أكثر الوجوه، ولكنه في الوقت نفسه كان يخالفهم أو يتفرد من بينهم في وجوه أخرى خاصة وفي مواقف ومسائل بأعيانها، ولولا هذا لما كان إماما ولما استحق هذا اللقب، فالأمر عند كل واحد من هؤلاء لا يقتصر على التقليد المطلق لأهل بلده فقط ولا على الاجتهاد المتفرد الذي يسلخه دائما عن الطابع العام لمدرسته التي ينتسب إليها، وإنما هو مزيج من هذا وذاك فهو تارة مقلد وأخرى متفرد.
والتمايز بين هؤلا الأعلام إنما يكون بكثرة التقليد وغلبته على التجديد عند أحدهم، فيسلك لذلك في المقلدين، أو بظهور التجديد ظهورا بينا متمايزا في طائفة حسنة من مسائله، فيسلك لذلك في المجددين، أو بمراوحته بين هذا الموقف وقسيمه فيكون في هذا الفريق باعتبار وفي الآخر باعتبار مخالف.
ونحن نجد في كتب النحو وأبحاثه أمثلة كثيرة لهذا، فسيبويه إمام البصريين مثلا كانت له آراء خالفه فيها أشياخه، والفراء شيخ مدرسة الكوفة كان له مذهب انحرف فيه عن مذهب الكسائي شيخ الكوفيين قبله في غير ما موطن، ولنحوينا الأخفش الأوسط آراء خالف فيها أستاذه
سيبويه بل ربما نقضها وأخرى خالف فيها سائر البصريين، كما أنه أخذ في بعض الأحيان ببعض رأي سيبويه في المسألة الواحدة ورفض بعضه، وروي له في بعض المسائل قولان تابع سيبويه في أحدهما وخالفه في الآخر، وله أيضا مواقف عاد فيها إلى موافقة سيبويه في عدد من الآراء، كان خالفه فيها من قبل، وذكر أن ما عاد إليه هو آخر قوليه (1)، كذلك كانت له مذاهب وآراء كثيرة اتفق فيها مع الكوفيين، مما يسمح بأن يعد واحدا ممن فتحوا أبواب الدرس النحوي أمامهم في وقت مبكر ومهدوا لهم طريقه حتى أصبح له طابعه الخاص الذي عرف به فيما بعد.
إن فضل الأخفش على نحو الكوفيين واضح، فقد صنف لهم كتاب "المسائل الكبير" في النحو بعد أن سأله هشام بن معاوية الضرير الكوفي عن مسائل عملها وفروع فرعها، وبعد أن رأى أيضا اهتمام تلاميذه الكوفيين جميعا بالمسائل المتفرقة في النحو والصرف واعتمادهم عليها فلم يعرفوا أكثر مما أورده الأخفش لهم (2) في هذا الكتاب.
ولقد كان لإقراء الأخفش (3) الكسائي الكوفي كتاب سيبويه أثر في العلاقة العلمية بين الرجلين، فقد تقوت هذه العلاقة بذلك واتصلت، ومن ثم أثرت في نحو الكسائي أولا، وفي نحو الأخفش أيضا، فكان التأثير بذلك متبادلا بين الأستاذ وتلميذه. كذلك ظهر تأثير الأخفش في تلميذه الفراء الكوفي ظهورا واضحا في كتاب "معاني القرآن" الذي عمله الفراء على كتاب الأخفش وكتاب الكسائي (4) فيها.
وهكذا كان شأن سائر الأئمة في الدرس النحوي واللغوي على مر الأيام والعصور. ولنلق الآن نظرة فاحصة على مسائل الأخفش وآرائه ومواقفه، وهي مبثوثة في كتب النحو، وأكثر من أن تحصى، وسنختار في
(1) انظر مثلا الهمع 196: 2، والتصريح 333:2.
(2)
انظر طبقات النحويين واللغويين 73.
(3)
انظر نزهة الألباء 134.
(4)
انظر إنباه الرواة 37: 2.