الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
1 -
(كأنه جمالات صفر) إلى أن ابن عباس قرأ "جملات" بضم الجيم، وأن هذا الوجه لا يعرف.
وخلاصة القول أن ما مضى من حديث القراءات يفضي بنا إلى أن نقرر مطمئنين أنه لم يكن لأخفشنا في هذا الموضوع موقف متميز تفرد به، وأنه كان كغيره من أئمة النحاة في البلدين مقلدا لأساتذته سائرا على نهجهم العام، مشاركا لأضرابه لم يخرج عن خطهم غالبا، ولم يبدع - فيما أعرف - موقفا يخالف المأولف من مواقفهم.
د)
لغات العرب وموقف البصريين والكوفيين بعامة
منها:
احتج النحاة من المصرين بالمنظوم والمنثور من كلام العرب الموثوق بعربيتهم من الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين ومخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، وطرحوا كلام المولدين والمحدثين بعدهم، وذكر الثقات أن آخر من يحتج بهم إبراهيم بن هرمة المتوفى سنة 176هـ.
وقد رفض بعض غلاة النحويين البصريين القدامى قبول جميع شعر جرير والفرزدق والأخطل ومن في طبقتهم مع أنهم يعدون في الإسلاميين، فإذا وجدوا شيئا من شعرهم لا ينطبق على القواعد التي قرروها لحنوهم، وأخبار عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي في تلحين الفرزدق مشهورة، وقد تزيد بعض هؤلاء النحاة فلحنوا بعض فحول الجاهلية، فهذا عيسى بن عمر مثلا يقول: أساء النابغة بقوله:
في أنيابها السم ناقع
وكان عليه أن يقول "ناقعا"(1)، وهذا اللغوي ابن فارس أيضا يتابعهم فيقول: "والشعراء أمراء الكلام يقصرون الممدود ولا يمدون المقصور ويقدمون ويؤخرون ويومئون ويشيرون ويختلسون ويعيرون ويستعيرون، فأما لحن في إعراب أو إزالة كلمة عن نهج صواب فليس لهم ذلك، ولا معنى لقول
(1) انظر طبقات النحويين واللغويين 41.
من يقول: إن للشاعر عند الضرورة أن يأتي في شعره بما لا يجوز، ولا معنى لقول من قال:
ألم يأتيك والأنباء تنمي
، وهذا وإن صح وما أشبهه من قوله:
لما جفا إخوانه مصعبا
وقوله:
قفا عند مما تعرفان ربوع
فكله غلط وخطأ وما جعل الله الشعراء معصومين يوقون الخطأ والغلط، فما صح من شعرهم فمقبول وما أبته العربية وأصولها فمردود" (1).
ولقد أوقع المغالون من النحويين القدامى ومن تابعهم أنفسهم بهذا الذي قالوه وفعلوه في تناقض شديد، إذ لو قبلنا منهم أن نصم أمثال هؤلاء الشعراء الكبار باللحن في موطن فمن يضمن لنا سلامتهم من اللحن في مواطن أخرى كان هؤلاء النحاة قد اتخذوا منها سندا في تقرير أصل من أصولهم أو تأييد رأي من آرائهم.
ولو أن النحاة واللغويين البصريين المتشددين قالوا في كل كلام لا ترضاه مقاييسهم وقواعدهم: هو لغة أقل فصاحة، لكان ذلك موقفا حسنا؛ لأن لغات القبائل تتفاوت في مستوى الفصاحة، فلغة أزد عمان مثلا دون لغة هذيل، وهذه أقل من لغة قريش، وهكذا.
ولم تكن نظرة هؤلاء النحاة البصريين إلى القبائل العربية أفضل من نظرتهم إلى من ذكرنا من الشعراء، فهم لم يكونوا يعتدون بكل هذه القبائل، وهم لم ينظروا إليها على حد سواء، كما فعل الكوفيون، بل كان جل اعتمادهم على القبائل الضاربة في كبد الجزيرة؛ مثل قيس وأسد وتميم وهذيل وبعض كنانة وطيء.
كذلك كان نحاة البصرة إذا وجدوا في الشواهد المنظومة - وهي تشكل معظم مادة الشواهد النحوية - ما لا ينطبق على ضوابطهم وأعيتهم الحيل في توجيهها وتأويلها حملوها على الضرورة الشعرية سواء
(1) ابن فارس، الصاحبي 468 - 469.
كان للشاعر منها مندوحة أو لم يكن.
ولقد أدى هذا المسلك وذلك إلى سقوط الاحتجاج عند البصريين بمجموع غير يسير من شعر القبائل المعتد بها والمعتمد عليها في الشاهد، فقد ترك البصريون الاحتجاج بكلامها؛ لأنها لم تسكن حيث يريدون، هذا بالإضافة إلى الضرورة الشعرية التي منعتهم أيضا من الاستشهاد بكثير.
أما الكوفيون فقد قبلوا كل لغة وشاهد، حتى الشعر المصنوع والمنسوب لغير قائله قبلوه، واكتفوا كذلك بالشاهد الواحد، وباللغة الشاذة واللفظ الذي لم يطرد في الاستعمال ما دام فصيحا ليس فيه لحن صريح، وبنوا على كل ذلك أحكامهم واستنبطوا منها قواعدهم وأقاموا عليها أقيستهم، بل لقد رخصوا بالقياس النظري على مقتضى الرأي أحيانا إذا أعوزهم الشاهد، كذلك اعتدوا بلغات الأعراب وأشعارهم ممن فسدت فيهم السليقة بسبب الاختلاط بالحضر، فعل ذلك مثلا شيخ الكوفيين الكسائي الذي اعتمد على كلام أعراب الحطمية الذين يسكنون قرب بغداد في الاحتجاج لرأيه في مناظرته الشهيرة في المسألة الزنبورية مع شيخ البصريين سيبويه الذي أنف من الاحتجاج بكلامهم، وفعل مثل هذا وأكثر منه غير الكسائي من سائر مشاهير الكوفيين وأعلامهم.
وقد أدى كل ما سبق بالكوفيين إلى أن يقل عندهم التأويل والحكم بالشذوذ والضرورات خلافا للبصريين الذين كثر عندهم ذلك.
وإنه ليمكننا في ضوء ما قررناه أن نقول: إننا نستطيع أن نشبه البصريين بالمحافظين المتمسكين بالقديم الثابت، والكوفيين بالمجددين الذين يتلمسون التوسع ويجرون وراء الابتكار.
على أن النحاة البصريين القدماء ومن تابعهم واصطبغ نحوه بمذهبهم - وكذلك اللغويون - لم يكونوا يجمعون على الالتزام الدائم بموقفهم الصارم في تحكيم قوانينهم في المأثور من كلام العرب، فقد كان منهم من يخالف موقفه موقف قومه العام قليلا أو كثيرا، وكان منهم أيضا من يخالف فعله قوله في بعض الأحايين، ومن هذا وذاك:
أنهم قالوا مثلا بعدم جواز إدخال "أل" على كل وبعض، لكنهم استعملوها معهما غير آبهين لقيدهم، وكتب النحو القديمة مليئة بمصطلح "بدل البعض من الكل" و"بدل الكل من الكل" جرى ذلك على ألسنة النحاة البصريين القدماء وفيهم سيبويه والأخفش وأضرابهما، وعلى ألسنة من بعدهم من مقدميهم وغيرهم مما لا تخطئه العين في هذه الكتب.
وأنهم قالوا أيضا: لا تستعمل كلمات كافة وقاطبة وطرا ومعا وعامة إلا منصوبة ومجردة من أل والإضافة، لكنهم لم يتحرجوا في استعمالها في كتبهم على خلاف ما قرروه، من ذلك قول الزمخشري:"ولقد ندبني ما بالمسلمين من الأرب إلى معرفة كلام العرب لإنشاء كتاب في الإعراب محيط بكافة الأبواب"(1) وقول الرازي "الكافة: الجميع من الناس"(2).
وقال سيبويه: "وأما بلى فتوجب بها بعد النفي، وأما نعم فعدة وتصديق"(3) لكنه استعمل في الوقت نفسه نعم موضع بلى فأوجب بها بعد النفي (4).
ومنع الحريري أن تلتقي "بينما" بإذ مع أن كتب العربية مشحونة بهذا الاستعمال، ولكن الحريري نفسه لم يلتزم بما منع، بل لقد أكثر من مخالفة ما منعه، فقد قال مثلا في إحدى مقاماته: "فبينما أنا تحت طراف،
(1) الزمخشري، المفصل، خطبة الكتاب.
(2)
الرازي، مختار الصحاح 574.
(3)
سيبويه، الكتاب 312:2.
(4)
انظر الكتاب 227: 1.