الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
البيت، ونحو ذلك).
وكذلك ذكره في قوله تعالى: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} (1)(النساء: 125) سبب اتخاذه خليلا، فليس ذلك من أسباب نزول القرآن كما لا يخفى ".
وهذا لا يمنع من أن يكون لبعض هذه القصص والأخبار الماضية أسباب نزول كما روى الواحدي «عن سعد بن أبي وقاص في نزول قوله تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} (2) (يوسف: 3) قال: أنزل الله القرآن على رسوله صلى الله عليه وسلم فتلاه عليهم زمانا فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا، فأنزل الله تعالى {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} (3) إلى قوله {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} (4)» (5)(يوسف: 1 - 3).
فيلحظ هنا أن سبب النزول هو قول الصحابة رضي الله عنهم لو قصصت علينا.
وهذا القول حادثة وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت بعدها الآيات، وليس السبب ما تحدثت الآيات عنه من قصة يوسف، لأنها وقعت في الأزمان الماضية.
(1) سورة النساء الآية 125
(2)
سورة يوسف الآية 3
(3)
سورة يوسف الآية 1
(4)
سورة يوسف الآية 3
(5)
أسباب النزول للواحدي (ص 273) وتفسير ابن كثير (2/ 467).
أثر أسباب النزول في التفسير:
يرى بعض الناس أنه لا فائدة في أسباب النزول، فهي مجرد تاريخ يذكر فلا جدوى من ذكرها والاهتمام بدراستها، وهذا رأي ليس بصحيح فلأسباب النزول فوائد كثيرة، من تدبرها علم أهميتها حتى لقد قال الواحدي:" لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها "(1). وقال الإمام ابن تيمية: " معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية
(1) راجع: كتابه " أسباب النزول "(ص 5).
فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب " (1) وقال ابن دقيق العيد: " معرفة سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن " (2).
لذا نجد العلماء جعلوا من شروط المفسر أن يكون عالما بأسباب النزول وسنبين مدى أهميتها وأثرها في التفسير فيما يلي: -
أولا: إزالة الإشكال الوارد على الآية: ولذلك أمثلة كثيرة نذكر منها ما يلي:
1) قال تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} (3)(سورة البقرة: 158).
فقد فهم عروة بن الزبير عدم فرضية السعي بين الصفا والمروة، لأن نفي الجناح يفهم منه عدم التكليف، فسأل عن هذا خالته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فبينت له أن الأمر ليس كما فهم، واستدلت على ذلك بسبب نزول الآية، وهو ما روي عن عروة بن الزبير رضي الله عنهما قال: «سألت عائشة رضي الله عنها: (أرأيت قول الله تعالى: الآية. فوالله ما على أحد جناح ألا يطوف بالصفا والمروة) قالت: (بئسما قلت يا ابن أختي إن هذه لو كانت على ما أولتها كانت لا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلون " لمناة " الطاغية التي كانوا يعبدونها عند " المشلل " وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقالوا: يا رسول الله. إن كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة فأنزل الله عز وجل: الآية، قالت عائشة: " وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1) راجع مقدمته في أصول التفسير (ص 13).
(2)
منهج الفرقان لمحمد علي سلامة (1/ 36).
(3)
سورة البقرة الآية 158
(4)
راجع: جامع الأصول لابن الأثير (2/ 15) وقد نسبه إلى البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود والنسائي ومالك.
(5)
سورة البقرة الآية 158 (4){إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا}
الطواف بينهما فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما (1)».
فبالرجوع إلى سبب نزول الآية زال الإشكال عنها الذي أدى إلى فهم عدم شرعية السعي، وأن من تركه لا إثم عليه، والأمر خلاف هذا فليس لأحد أن يترك السعي بينهما كما دل على ذلك سبب النزول.
2) قال تعالى: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (2)(البقرة: 189) فالقارئ لهذه الآية الكريمة يشكل عليه نفي البر في إتيان البيوت من الخلف لأنه لا يعرف أن أحدا يرى أن في إتيان البيوت من الخلف برا - أي خيرا - ولكنه إذا رجع إلى سبب النزول وعرف أن الأنصار كانوا إذا حجوا لا يأتون بيوتهم إلا من الخلف، ويرون أن في ذلك برا، وقد عابوا رجلا حج ودخل بيته من بابه، فنزلت هذه الآية تنفي ما اعتقدوه وتثبت أن البر والخير في تقوى الله، لا في إتيان البيوت من ظهورها كما اعتقدوا، بل عليهم أن يأتوا البيوت من أبوابها «عن البراء رضي الله عنه قال:(نزلت هذه الآية فينا، كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم ولكن من ظهورها. فجاء رجل من الأنصار فدخل من قبل بابه، فكأنه عير بذلك فنزلت: (4)» فبالرجوع إلى سبب النزول يزول الإشكال.
3) قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} (5) الآية: 93 من سورة
(1) سورة البقرة الآية 158 (5){إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ}
(2)
سورة البقرة الآية 189
(3)
رواه البخاري في صحيحه كتاب الحج - 18 - بهذا اللفظ وفي كتاب التفسير مختصرا - راجع فتح الباري (3/ 621) كما رواه مسلم في صحيحه كتاب التفسير (4/ 2319).
(4)
سورة البقرة الآية 189 (3){وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا}
(5)
سورة المائدة الآية 93
المائدة.
هذه الآية قد أشكلت على جماعة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكانوا يرون أن الخمر مباحة ويحتجون بالآية، ولكن عمر بن الخطاب عارضهم في ذلك، ورد ابن عباس عليهم بسبب نزول الآية، روى الدارقطني عنه:(أن عمر بن الخطاب أتي برجل من المهاجرين الأولين وقد شرب، فأمر به أن يجلد فقال: لم تجلدني؟ بيني وبينك كتاب الله، فقال عمر: وأي كتاب الله تجد أن لا أجلدك؟ فقال له: إن الله عز وجل يقول في كتابه: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} (1) الآية فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين، شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا وأحدا والخندق والمشاهد، فقال عمر: ألا تردون عليه ما يقول؟ فقال ابن عباس: إن هؤلاء الآيات أنزلت عذرا للماضين، وحجة على المنافقين؛ لأن الله عز وجل يقول:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} (2) الآية (المائدة: 90) ثم قرأ حتى أنفذ الآية الأخرى، فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإن الله قد نهاه أن يشرب الخمر، فقال عمر رضي الله عنه: صدقت، ماذا ترون؟ قال علي رضي الله عنه: إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة، فأمر به عمر فجلد ثمانين جلدة ".
وروى الترمذي عن البراء قال: «مات رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن تحرم الخمر، فلما حرمت الخمر، قال رجال: كيف بأصحابنا وقد ماتوا يشربون الخمر، فنزلت الآية (3)» . .) قال الترمذي: (هذا حديث حسن
(1) سورة المائدة الآية 93
(2)
سورة المائدة الآية 90
(3)
سنن الترمذي (5/ 254) كتاب التفسير، وراجع أسباب النزول للواحدي ص 204 وجامع الأصول لابن الأثير (2/ 120).
صحيح).
فسبب نزول الآية قد أزال الإشكال عنها، حيث خصها بمن مات من الصحابة وهم يشربون الخمر قبل تحريمها، وبه رد ابن عباس على من أخطأ في فهم الآية، فلولا سبب النزول لبقي هؤلاء على خطئهم حيث فهموا من الآية العموم.
4) قوله تعالى {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} (1)(سورة الطلاق: 4) فقد أشكل على بعض الناس المراد من الشرط في الآية، حتى فهموا منه أن الآيسة لا عدة عليها إلا إذا ارتابت في الحيض.
فهذا فهم خاطئ، ولكن بالرجوع إلى سبب النزول يتبين أن المراد بالشرط مخالف لذلك الفهم، وسبب نزولها ما أخرجه الحاكم عن أبي بن كعب " أنه لما نزلت الآية في سورة البقرة في عدد النساء، قالوا بقي عدد لم تذكر، وهي عدد الصغار والكبار وأولات الأحمال فنزلت الآية (2).
فبين السبب أن المراد بالشرط إن ارتبتم في حكمهن لا حيضهن كما هو الظاهر من الآية.
ثانيا - أن أسباب النزول تعين على معرفة الحكمة التي من أجلها شرع الحكم.
وذلك أن سبب النزول يحكي الملابسات والظروف والأوضاع التي كان الناس عليها قبل تشريع الحكم، فبالرجوع إليه نتعرف على الحكمة التي قصدها الشارع، ومن الأمثلة على ذلك:
1 -
قوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} (3) (سورة
(1) سورة الطلاق الآية 4
(2)
لباب النقول في أسباب النزول للسيوطي (4/ 172).
(3)
سورة البقرة الآية 223
البقرة: 223). فسبب نزول هذه الآية ما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله «أن يهود كانت تقول إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول) فنزلت الآية (1)» .
2 -
3 -
ما رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: «أتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين، فقالوا: تعال نطعمك ونسقيك خمرا، وذلك قبل أن تحرم الخمر، قال: فأتيتهم في حش - والحش البستان - فإذا رأس جزور مشوي عندهم، وزق من خمر، قال: فأكلت وشربت معهم، قال: فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم، فقلت: المهاجرون خير من الأنصار، قال فأخذ رجل أحد لحيي الرأس فضربني به فجرح أنفي، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فأنزل الله عز وجل في - يعني نفسه - شأن الخمر: (5)» (سورة المائدة: 90).
فبالرجوع إلى أسباب نزول هذه الآيات تتبين الحكم العظيمة من تشريع هذه الأحكام.
ففي الآية الأولى التيسير على الناس في جماع نسائهم على أي وجه كان ما دام في موضع الحرث، وإبطال لما ألقاه اليهود في أذهان الصحابة من
(1) صحيح البخاري (11/ 36) تفسير سورة البقرة.
(2)
صحيح البخاري (11/ 55) تفسير سورة النساء.
(3)
سورة النساء الآية 19 (2){يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ}
(4)
صحيح مسلم (4/ 1877) كتاب فضائل الصحابة رقم الحديث (43).
(5)
سورة المائدة الآية 90 (4){إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
الوهم الباطل.
وفي الآية الثانية رفع الظلم عن النساء، حيث كان الناس في الجاهلية يحرمونهن من الميراث مستغلين ضعفهن، وعجزهن، ويضطهدونهن ويسيئون عشرتهن إذا أرادوا التخلص منهن، حتى يفتدين، فحرم الإسلام ذلك إلا إذا أتين بفاحشة مبينة.
وفي الآية الثالثة تحريم الخمر، لأنها تسبب أضرارا كثيرة ومفاسد عظيمة، ومن ضمنها ما حدث بين الصحابة من اعتداء بعضهم على بعض لما شربوها.
فلولا أسباب النزول ما اهتدينا إلى هذه الحكم النافعة على وجه التفصيل، ومعرفة هذه الحكم تزيد المؤمن إيمانا، وثقة في دينه وما شرعه الله له من الأحكام النافعة المبنية على مقاصد عظيمة، وترغب الكافر في الإيمان إذا تبين له سمو التشريع الإسلامي ويسره وسهولته وما اشتمل عليه من المنافع والمصالح والمقاصد الحسنة، وكثير من الناس قد أدهشهم ذلك، فكان سببا في إيمانهم.
ثالثا: أن أسباب النزول تفيدنا في معرفة التدرج في تشريع بعض الأحكام والمراحل التي مرت بها، ومعرفة هذا مهم للدعاة خصوصا الذين يدعون إلى الإسلام في بلاد الكفر فعليهم أن يتدرجوا معهم في تعليم الإسلام والدعوة إليه وتطبيق تعاليمه.
ويدل على ذلك ما رواه الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت التي في البقرة: الآية. فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت التي في النساء:
(1) سنن الترمذي (5/ 253) تفسير سورة المائدة. وراجع: أسباب النزول للواحدي ص (200) والدر المنثور (1/ 252).
فدعي عمر فقرئت عليه ثم قال: اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت التي في المائدة إلى قوله: فدعي عمر فقرئت عليه. فقال: انتهينا انتهينا (4)».
فسبب نزول هذه الآيات بين لنا أن تحريم الخمر كان على التدريج، فآية البقرة بينت أن إثم الخمر أكبر من نفعها ولم تحرمها، فالعاقل يدرك من هذا أن ما كان إثمه أكبر من نفعه فالأولى تركه.
ثم نزلت آية النساء تنهى عن قربان الصلاة حالة السكر، وفي هذا تقليل لأوقات شرب الخمر، وتعويد للمسلمين على تركها في بعض الأوقات ثم نزلت آيتا المائدة (91، 90) فحرمتها، قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (5){إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} (6) فالاستفهام إنكاري بمعنى النهي أي انتهوا، فلذا لما قرئت على عمر رضي الله عنه قال: انتهينا انتهينا. وبعد نزول هاتين الآيتين أراق الصحابة الخمر في الطرق وكسروا دنانها وانتهوا منها، وفي التدرج في تحريم الخمر لطف من الله بعباده حيث لم يفاجئهم بالتحريم من أول لحظة لشيء كانوا يحبونه ويتعلقون به.
وفي هذا درس للدعاة أن يتعلموا من منهج الله في تشريع الأحكام حيث راعى شعور الناس وما ألفوه من العادات فلم يحرم ذلك دفعة، لئلا يؤدي إلى نفورهم، أو حرجهم، وإنما تدرج معهم في ذلك، فقد بقي الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة عشر سنين تنزل عليه الآيات التشريعية بالتدريج حتى
(1) سورة البقرة الآية 219 (1){يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ}
(2)
سورة النساء الآية 43 (1){يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى}
(3)
سورة المائدة الآية 91 (2){إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ}
(4)
سورة المائدة الآية 91 (3){فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ}
(5)
سورة المائدة الآية 90
(6)
سورة المائدة الآية 91
أكمل الله للمؤمنين دينهم وأتم عليهم نعمته.
رابعا: أن أسباب النزول تعين على معرفة اسم من نزلت فيه الآية، وفي هذا تعيين المبهم ومن أمثلته: -
1 -
قوله تعالى: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} (1)(سورة الأحزاب: 37).
روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه (أنها أنزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة)(2). فإن هذا المنعم عليه زيد بن حارثة رضي الله عنه، وقد دلنا على ذلك سبب النزول.
2 -
قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} (3)(المجادلة: 1).
روى الحاكم في مستدركه (2/ 481) عن عائشة رضي الله عنها قالت: «تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي تقول: يا رسول الله أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبرت سني وانقطع له ولدي ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك)، قالت عائشة: (فما برحت حتى نزل جبريل عليه السلام بهؤلاء الآيات: (5)» قال: وزوجها أوس بن الصامت. هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
فسبب النزول بين اسم المجادلة وهي خولة بنت ثعلبة وزوجها أوس بن الصامت، فمعرفة ذلك تفيدنا في التعرف على الظروف والملابسات التي أحاطت بنزول الآية، وهذا مما يعين على فهمها ووضوح معناها، ويمكن الاستفادة من ذلك في دراسة تاريخ القرآن.
(1) سورة الأحزاب الآية 37
(2)
صحيح البخاري (12/ 147) تفسير سورة الأحزاب، ولباب النقول في أسباب النزول للسيوطي 24 ص 140.
(3)
سورة المجادلة الآية 1
(4)
سنن النسائي كتاب الطلاق (3460)، سنن ابن ماجه الطلاق (2063).
(5)
سورة المجادلة الآية 1 (4){قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا}