الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حادث المسجد الحرام
وأمر
المهدي المنتظر
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فإن الحادثة النكراء والجريمة الشنعاء التي قام بها جماعة من المسلحين بعد صلاة الفجر من يوم الثلاثاء الموافق 1/ 1 من عام 1400 هجرية باقتحامهم المسجد الحرام وإطلاقهم النار بين الطائفين والقائمين والركع السجود في بيت الله الحرام أقدس بقعة وآمنها قد أقضت مضاجع العالم الإسلامي وألهبت مشاعره وقابلها بالاستنكار الشديد وما ذاك إلا لأنها عدوان على البيت الحرام الذي جعله الله مثابة للناس وأمنا وانتهاك لحرمته وحرمات البلد الأمين والشهر الحرام وترويع للمسلمين وإشعال لنار الفتنة وخروج على ولي أمر البلاد بغير حق.
ولا شك أن هذا الإجرام يعتبر من الإلحاد في حرم الله الذي قال الله فيه {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} (1) ويعتبر ترويعا للمسلمين وإيذاء لهم وظلما وعدوانا وقد قال الله عز وجل {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} (2) وقال سبحانه {وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا} (3) وقال عز وجل {وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} (4) يضاف إلى ذلك
(1) سورة الحج الآية 25
(2)
سورة الأحزاب الآية 58
(3)
سورة الفرقان الآية 19
(4)
سورة الشورى الآية 8
حملهم السلاح وإطلاقهم النار على رجال الأمن الذين أرادوا إطفاء فتنتهم وحماية المسلمين من شرهم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من حمل علينا السلاح فليس منا (1)» ونهى عن حمل السلاح في الحرم وقال عليه الصلاة والسلام: «إن هذا البلد حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يسفك فيه دم ولا يعضد فيه شجره (2)» وقال أيضا عليه الصلاة والسلام: «إن هذا البلد لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولا يحل لأحد بعدي وإنما أحل لي ساعة من نهار وقد عادت حرمته اليوم كحرمته بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب (3)» والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وقد تعدى شر هذه الفتنة وضررها إلى كثير من الحجاج وغيرهم يضاف إلى ذلك إغلاقهم أبواب المسجد الحرام ومنعهم بذلك الداخلين والخارجين، وبذلك تدخل هذه الطائفة تحت قوله عز وجل {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (4) وبالجملة فقد حصل بهذه الحادثة الشنيعة ظلم كثير وفساد عظيم وبلاء كبير ولا نعلم أنه مر بالمسجد الحرام مثل هذه الحادثة لا في الجاهلية ولا في الإسلام. أما تبريرهم لظلمهم وعدوانهم وفسادهم الكبير بأنهم أرادوا إعلان البيعة لمن زعموه المهدي فهذا تبرير فاسد وخطأ ظاهر وزعم لا دليل عليه ولا يجوز أن يستحلوا به حرمة المسجد الحرام وحرمة المسلمين الموجودين فيه ولا يبيح لهم حمل السلاح وإطلاق النار على رجال الأمن ولا غيرهم لأن المهدي المنتظر من الأمور الغيبية التي لا يجوز لأي مسلم أن يجزم بأن فلان ابن فلان هو المهدي المنتظر لأن ذلك تقول على الله وعلى رسوله بغير علم ودعوى لأمر قد استأثر الله به حتى تتوافر العلامات والأمارات التي أوضحها النبي صلى الله عليه وسلم وبين أنها وصف المهدي وأهمها وأوضحها أن تستقيم ولايته على الشريعة وأن يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا مع توافر العلامات الأخرى وهي كونه من بيت النبي صلى الله عليه وسلم. وكونه أجلى الجبهة أقنى الأنف وكون اسمه واسم أبيه يوافق اسم النبي صلى الله عليه وسلم واسم أبيه وبعد توافر هذه الأمور كلها يمكن المسلم أن يقول أن من هذه صفته هو المهدي. .
أما اعتماد المنامات في إثبات كون فلان هو المهدي فهو مخالف للأدلة الشرعية ولإجماع أهل العلم، والإيمان لأن المرائي مهما كثرت لا يجوز الاعتماد عليها في خلاف ما ثبت به الشرع المطهر لأن الله سبحانه أكمل لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولأمته الدين وأتم عليهم النعمة قبل وفاته علية الصلاة والسلام فلا يجوز لأحد أن يعتمد شيئا من الأحلام في مخالفة شرعه عليه الصلاة والسلام، ثم إن المهدي قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يحكم بالشرع المطهر فكيف يجوز له ولأتباعه انتهاك حرمة المسجد الحرام وحرمة المسلمين وحمل السلاح عليهم بغير حق وكيف يجوز له الخروج على دولة قائمة قد اجتمعت على رجل واحد وأعطته البيعة الشرعية فيشق عصاها ويفرق جمعها وقد قال عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه:«من أتاكم وأمركم جميع يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه كائنا من كان (5)»
(1) صحيح البخاري الديات (6874)، صحيح مسلم الإيمان (98)، سنن النسائي تحريم الدم (4100)، سنن ابن ماجه الحدود (2576)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 142).
(2)
صحيح البخاري الجزية (3189)، صحيح مسلم الحج (1353)، سنن النسائي مناسك الحج (2875)، سنن أبو داود المناسك (2017)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 316).
(3)
صحيح البخاري الحج (1832)، صحيح مسلم الحج (1354)، سنن الترمذي كتاب الحج (809)، سنن النسائي مناسك الحج (2876)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 31).
(4)
سورة البقرة الآية 114
(5)
صحيح مسلم الإمارة (1852)، سنن النسائي تحريم الدم (4021)، سنن أبو داود السنة (4762)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 261).
خرجه مسلم في صحيحه «ولما بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بايعهم أن لا ينازعوا الأمر أهله وقال: " إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان (1)» وهذه الدولة بحمد الله لم يصدر منها ما يوجب الخروج عليها وإنما الذي يستبيح الخروج على الدولة بالمعاصي هم الخوارج الذين يكفرون المسلمين بالذنوب ويقاتلون أهل الإسلام ويتركون أهل الأوثان وقد قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: «إنهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية (2)» ، قال:«أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة (3)» متفق عليه. والأحاديث في شأنهم كثيرة معلومة، وقد قال عليه الصلاة والسلام:«من رأى من أميره شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعة فإن من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية (4)» وقال عليه الصلاة والسلام في حديث الأشعري ": «وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن الجهاد. والسمع والطاعة. والهجرة. والجماعة، فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يرجع (5)»
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وقد صدر من علماء المملكة فتوى في هذه الحادثة والقائمين بها وأنا من جملتهم وقد نشرت في الصحف المحلية وأذيعت بواسطة الإذاعة المرئية والمسموعة وفيها الكفاية إن شاء الله والاقتناع لطالب الحق وإنما أردت بكلمتي هذه مزيد الإيضاح والبيان لخطأ هذه الطائفة وظلمها وعدوانها فيما فعلت وغلطها فيمن زعمت أنه المهدي أما إنكار المهدي المنتظر بالكلية كما زعم ذلك بعض المتأخرين فهو قول باطل لأن أحاديث خروجه في آخر الزمان وأنه يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا قد تواترت تواترا معنويا وكثرت جدا واستفاضت كما صرح بذلك جماعة العلماء بينهم أبو الحسن الآبري السجستاني من علماء القرن الرابع والعلامة السفاريني والعلامة الشوكاني وغيرهم وهو كالإجماع من أهل العلم، ولكن لا يجوز الجزم بأن فلانا هو المهدي إلا بعد توافر العلامات التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الثابتة وأعظمها وأوضحها كونه يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما كما سبق بيان ذلك. ونسأله سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين ويمنحهم الفقه في الدين وأن يوفق ولاة أمرهم للحكم بشريعته والتحاكم إليها والحذر من كل ما خالفها وأن يحسن العاقبة للمسلمين إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. .
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
(1) صحيح البخاري الفتن (7056)، صحيح مسلم الإمارة (1709)، سنن ابن ماجه الجهاد (2866)، موطأ مالك الجهاد (977).
(2)
صحيح البخاري كتاب المناقب (3611)، صحيح مسلم الزكاة (1066)، سنن النسائي تحريم الدم (4102)، سنن أبو داود السنة (4767)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 88).
(3)
صحيح البخاري استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم (6930)، صحيح مسلم الزكاة (1066)، سنن النسائي تحريم الدم (4102)، سنن أبو داود السنة (4767)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 131).
(4)
صحيح البخاري الفتن (7053)، صحيح مسلم الإمارة (1849)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 310)، سنن الدارمي السير (2519).
(5)
سنن الترمذي الأمثال (2863)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 130).
عن أنس رضي الله عنه قال «إنكم لتعملون أعمالا هي، أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من " الموبقات (1)»
رواه البخاري
" الموبقات " المهلكات
(1) صحيح البخاري الرقاق (6492)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 157).
وجوب العمل
بسنة الرسول
صلى الله عليه وسلم وكفر من أنكرها
تأليف الفقير إلى عفو ربه: عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد المرسل رحمة للعالمين وحجة على العباد أجمعين وعلى آله وأصحابه الذين حملوا كتاب ربهم سبحانه وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم إلى من بعدهم بغاية الأمان والإتقان والحفظ التام للمعاني والألفاظ رضي الله عنهم وأرضاهم وجعلنا من أتباعهم بإحسان.
أما بعد:
فقد أجمع العلماء قديما وحديثا على أن الأصول المعتبرة في إثبات الأحكام، وبيان الحلال والحرام في كتاب الله العزيز الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. ثم إجماع علماء الأمة. واختلف العلماء في أصول أخرى أهمها القياس وجمهور أهل العلم على أنه حجة إذا استوفى شروطه المعتبرة، والأدلة على هذه الأصول أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر: -
أما الأصل الأول: فهو كتاب الله العزيز وقد دل كلام ربنا عز وجل في مواضع من كتابه على وجوب اتباع هذا الكتاب والتمسك به والوقوف عند حدوده قال تعالى {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} (1) وقال تعالى {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (2) وقال تعالى {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} (3){يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (4) وقال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} (5){لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (6) وقال تعالى {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} (7) وقال تعالى {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ} (8) والآيات في هذا المعنى كثيرة وقد جاءت الأحاديث الصحاح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم آمرة بالتمسك بالقرآن والاعتصام به دالة على أن من تمسك به كان على الهدى ومن تركه كان على الضلال ومن ذلك ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: في خطبته في حجة الوداع: «إني تارك فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به كتاب الله (9)» ، رواه مسلم في صحيحه وفي صحيح مسلم أيضا عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إني تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله وتمسكوا به (10)» فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: «وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي (11)» ، وفي لفظ قال في القرآن:«هو حبل الله من تمسك به كان على الهدى ومن تركه كان على الضلال (12)» .
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وفي إجماع أهل العلم والإيمان من الصحابة ومن بعدهم على وجوب التمسك بكتاب الله والحكم به والتحاكم إليه مع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يكفي ويشفي عن الإطالة في ذكر الأدلة الواردة في هذا الشأن.
أما الأصل الثاني: من الأصول الثلاثة المجمع عليها فهو ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقواله وأفعاله وتقريره ولم يزل أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم يؤمنون بهذا الأصل الأصيل ويحتجون به ويعلمونه الأمة وقد ألفوا في ذلك المؤلفات الكثيرة وأوضحوا
(1) سورة الأعراف الآية 3
(2)
سورة الأنعام الآية 155
(3)
سورة المائدة الآية 15
(4)
سورة المائدة الآية 16
(5)
سورة فصلت الآية 41
(6)
سورة فصلت الآية 42
(7)
سورة الأنعام الآية 19
(8)
سورة إبراهيم الآية 52
(9)
صحيح مسلم كتاب الحج (1218)، سنن الترمذي المناقب (3786)، سنن أبو داود كتاب المناسك (1905)، سنن ابن ماجه المناسك (3074).
(10)
صحيح مسلم فضائل الصحابة (2408)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 367)، سنن الدارمي فضائل القرآن (3316).
(11)
صحيح مسلم فضائل الصحابة (2408)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 367)، سنن الدارمي فضائل القرآن (3316).
(12)
صحيح مسلم فضائل الصحابة (2408)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 367)، سنن الدارمي فضائل القرآن (3316).
ذلك في كتاب أصول الفقه والمصطلح والأدلة على ذلك لا تحصى كثرة فمن ذلك ما جاء في كتاب الله العزيز من الأمر باتباعه وطاعته وذلك موجه إلى أهل عصره ومن بعدهم لأنه رسول الله إلى الجميع ولأنهم مأمورون باتباعه وطاعته حتى تقوم الساعة ولأنه عليه الصلاة والسلام هو المفسر لكتاب الله والمبين لما أجمل فيه بأقواله وأفعاله وتقريره، ولولا السنة لم يعرف المسلمون عدد ركعات الصلوات وصفاتها وما يجب فيها ولم يعرفوا تفاصيل أحكام الصيام والزكاة والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم يعرفوا تفاصيل أحكام المعاملات والمحرمات وما أوجب الله به من حدود وعقوبات.
ومما ورد في ذلك من الآيات قوله تعالى في سورة آل عمران {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (1) وقوله تعالى في سورة النساء {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا} (2).
وقال تعالى في سورة النساء أيضا {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} (3) وكيف تمكن طاعته ورد ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله إذا كانت سنته لا يحتج بها أو كانت كلها غير محفوظة وعلى هذا القول يكون الله قد أحال عباده إلى شيء لا وجود له وهذا من أبطل الباطل ومن أعظم الكفر بالله وسوء الظن، وقال عز وجل في سورة النحل {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (4). وقال فيها أيضا آية {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (5). فكيف يكل الله سبحانه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم تبيين المنزل إليهم وسنته لا وجود لها أو لا حجة فيها ومثل ذلك قوله تعالى في سورة النور آية {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} (6).
وقال تعالى في السورة نفسها {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (7).
وقال في سورة الأعراف آية (158){قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (8) وفي هذه الآيات الدلالة الواضحة على أن الهداية والرحمة في اتباعه عليه الصلاة والسلام، وكيف يمكن ذلك مع عدم العمل بسنته أو القول بأنه لا صحة لها أو لا يعتمد عليها،
(1) سورة آل عمران الآية 132
(2)
سورة النساء الآية 59
(3)
سورة النساء الآية 80
(4)
سورة النحل الآية 44
(5)
سورة النحل الآية 64
(6)
سورة النور الآية 54
(7)
سورة النور الآية 56
(8)
سورة الأعراف الآية 158
وقال عز وجل في سورة النور {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (1) وقال في سورة الحشر {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (2) والآيات في هذا المعنى كثيرة وكلها تدل على وجوب طاعته عليه الصلاة والسلام واتباع ما جاء به كما سبقت الأدلة على وجوب اتباع كتاب الله والتمسك به وطاعة أوامره ونواهيه وهما أصلان متلازمان من جحد واحدا منهما فقد جحد الآخر وكذب به وذلك كفر وضلال وخروج عن دائرة الإسلام بإجماع أهل العلم والإيمان وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوب طاعته واتباع ما جاء به وتحريم معصيته وذلك في حق من كان في عصره وفي حق من يأتي بعده إلى يوم القيامة ومن ذلك ما ثبت عنه في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله (3)» وفي صحيح البخاري عنه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قيل: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى (4)» . وخرج أحمد وأبو داود والحاكم بإسناد صحيح عن المقدام بن معدي كرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه (5)»
وخرج أبو داود وابن ماجه بسند صحيح: عن ابن أبي رافع عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه (6)» .
وعن الحسن بن جابر قال: سمعت المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه يقول: «حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر أشياء ثم قال: يوشك أحدكم أن يكذبني وهو متكئ يحدث بحديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ألا إن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله (7)» أخرجه الحاكم والترمذي وابن ماجه بإسناد صحيح. وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه كان يوصي أصحابه في خطبته أن يبلغ شاهدهم غائبهم ويقول لهم: رب مبلغ أوعى من سامع ومن ذلك ما في الصحيحين «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خطب الناس في حجة الوداع في يوم عرفة وفي يوم النحر قال لهم: فليبلغ الشاهد الغائب فرب من يبلغه أوعى له ممن سمعه (8)» ، فلولا أن سنته حجة على من سمعها وعلى من بلغته، ولولا أنها باقية إلى يوم القيامة لم يأمرهم بتبليغها، فعلم بذلك أن الحجة بالسنة قائمة على من سمعها من فيه عليه الصلاة والسلام وعلى من نقلت إليه بالأسانيد الصحيحة.
(1) سورة النور الآية 63
(2)
سورة الحشر الآية 7
(3)
صحيح البخاري الجهاد والسير (2957)، صحيح مسلم الإمارة (1835)، سنن النسائي الاستعاذة (5510)، سنن ابن ماجه الجهاد (2859)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 387).
(4)
صحيح البخاري الاعتصام بالكتاب والسنة (7280)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 361).
(5)
سنن الترمذي العلم (2664)، سنن أبو داود السنة (4604)، سنن ابن ماجه المقدمة (12).
(6)
سنن الترمذي العلم (2663)، سنن أبو داود السنة (4605)، سنن ابن ماجه المقدمة (13)، مسند أحمد بن حنبل (6/ 8).
(7)
سنن الترمذي العلم (2664)، سنن ابن ماجه المقدمة (12)، سنن الدارمي المقدمة (586).
(8)
صحيح البخاري الحج (1741)، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1679)، سنن ابن ماجه المقدمة (233)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 37)، سنن الدارمي المناسك (1916).
وقد حفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سنته القولية والفعلية وبلغوها من بعدهم من التابعين ثم بلغها التابعون من بعدهم، وهكذا نقلها العلماء الثقات جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن، وجمعوها في كتبهم وأوضحوا صحيحها من سقيمها، ووضعوا لمعرفة ذلك قوانين وضوابط ملعومة بينهم يعلم بها صحيح السنة من ضعيفها وقد تداول أهل العلم كتب السنة من الصحيحين وغيرهما وحفظوها حفظا تاما كما حفظ الله كتابه العزيز من عبث العابثين وإلحاد الملحدين وتحريف المبطلين تحقيقا لما دل عليه قوله سبحانه {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (1) ولا شك أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحي منزل فقد حفظها الله كما حفظ كتابه وقيض الله لها علماء نقادا، ينفون عنها تحريف المبطلين وتأويل الجاهلين ويذبون عنها كل ما ألصقه بها الجاهلون والكذابون والملحدون لأن الله سبحانه جعلها تفسيرا لكتابه الكريم وبيانا لما أجمل فيه من الأحكام وضمنها أحكاما أخرى لم ينص عليها الكتاب العزيز، كتفصيل أحكام الرضاع وبعض أحكام المواريث وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها إلى غير ذلك من الأحكام التي جاءت بها السنة الصحيحة ولم تذكر في كتاب الله العزيز.
" ذكر بعض ما ورد عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل العلم في تعظيم السنة ووجوب العمل بها ": في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال «لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتد من ارتد من العرب قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فقال له عمر رضي الله عنه كيف تقاتلهم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها "، فقال أبو بكر الصديق: أليست الزكاة من حقها والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها فقال عمر رضي الله عنه: فما هو إلا أن عرفت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق (2)» ، وقد تابعة الصحابة رضي الله عنهم على ذلك فقاتلوا أهل الردة حتى ردوهم إلى الإسلام وقتلوا من أصر على ردته وفي هذه القصة أوضح دليل على تعظيم السنة ووجوب العمل بها «وجاءت الجدة إلى الصديق رضي الله عنه تسأله عن ميراثها فقال لها: ليس لك في كتاب الله شيء ولا أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى لك بشيء وسأسأل الناس ثم سأل رضي الله عنه الصحابة فشهد عنده بعضهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الجدة السدس فقضى لها بذلك (3)» وكان عمر رضي الله عنه يوصي عماله أن يقضوا بين الناس بكتاب الله فإن لم يجدوا القضية في كتاب الله فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما أشكل عليه حكم إملاص المرأة وهو إسقاطها جنينا ميتا بسبب تعدي أحد عليها سأل الصحابة رضي الله عنهم عن ذلك فشهد عنده محمد بن سلمة والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهما بأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في ذلك بغرة عبد أو أمة فقضى بذلك رضي الله عنه. ولما أشكل على عثمان رضي الله عنه حكم اعتداد المرأة في بيتها بعد وفاة زوجها وأخبرته فريعة بنت مالك بن سنان أخت أبي سعيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بعد وفاة زوجها أن تمكث في بيته حتى يبلغ الكتاب أجله قضى
(1) سورة الحجر الآية 9
(2)
صحيح البخاري الزكاة (1400)، صحيح مسلم الإيمان (20)، سنن الترمذي الإيمان (2607)، سنن النسائي الجهاد (3092)، سنن أبو داود الزكاة (1556)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 19).
(3)
سنن الترمذي الفرائض (2101)، سنن أبو داود الفرائض (2894)، سنن ابن ماجه الفرائض (2724)، موطأ مالك الفرائض (1098).
بذلك رضي الله عنه وهكذا قضى بالسنة في إقامة حد الشرب على الوليد بن عقبة ولما بلغ رضي الله عنه أن عثمان رضي الله عنه ينهى عن متعة الحج أهل علي رضي الله عنه بالحج والعمرة جميعا وقال: لا أدع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد من الناس ولما احتج بعض الناس على ابن عباس رضي الله عنهما في متعة الحج بقول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في تحبيذ إفراد الحج قال ابن عباس: يوشك أن تنزل حجارة من السماء أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون: قال أبو بكر وعمر، فإذا كان من خالف السنة لقول أبي بكر وعمر تخشى عليه العقوبة فكيف بحال من خالفها لقول من دونهما أو لمجرد رأيه واجتهاده، ولما نازع بعض الناس عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في بعض السنة قال له عبد الله: هل نحن مأمورون باتباع النبي صلى الله عليه وسلم أم باتباع عمر ولما قال رجل لعمر: إن ابن حصين رضي الله عنهما حدثنا عن كتاب الله وهو يحدثهم عن السنة غضب رضي الله عنه وقال: إن السنة هي تفسير كتاب الله ولولا السنة لم نعرف أن الظهر أربع والمغرب ثلاث والفجر ركعتان ولم نعرف تفصيل أحكام الزكاة إلى غير ذلك مما جاءت به السنة من تفصيل الأحكام، والقضايا عن الصحابة رضي الله عنهم في تعظيم السنة ووجوب العمل بها والتحذير من مخالفتها كثيرا جدا، ومن ذلك أيضا أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لما حدث بقوله صلى الله عليه وسلم «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله (1)» ، قال بعض أبنائه: والله لنمنعهن فغضب عليه عبد الله وسبه سبا شديدا وقال: أقول قال رسول الله وتقول والله لنمنعهن، ولما رأى عبد الله بن المغفل المزني رضي الله عنه وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أقاربه يحذف نهاه عن ذلك وقال له:«إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحذف وقال إنه يصيب صيدا ولا ينكأ عدوا ولكنه يكسر السن ويفقأ العين (2)» ثم رآه بعد ذلك يحذف فقال والله لا كلمتك أبدا أخبرك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن الحذف ثم تعود، وأخرج البيهقي عن أيوب السختياني التابعي الجليل أنه قال: إذا حدثت الرجل بسنة فقال: دعنا من هذا، وأنبئنا عن القرآن فاعلم أنه ضال، وقال الأوزاعي رحمه الله: السنة قاضية على الكتاب ولم يجئ الكتاب قاضيا على السنة ومعنى ذلك: أن السنة جاءت لبيان ما أجمل في الكتاب أو تقييد ما أطلقه أو بأحكام لم تذكر في الكتاب كما في قول الله سبحانه {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (3) وسبق قوله صلى الله عليه وسلم: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه (4)» وأخرج البيهقي عن عامر الشعبي رحمه الله أنه قال لبعض الناس: " إنما هلكتم في حين تركتم الآثار " يعني بذلك الأحاديث الصحيحة وأخرج البيهقي أيضا عن الأوزاعي رحمه الله أنه قال لبعض أصحابه: إذا بلغك عن رسول الله حديث فإياك أن تقول بغيره فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مبلغا عن الله تعالى وأخرج البيهقي عن الإمام الجليل سفيان بن سعيد الثوري رحمه الله أنه قال: إنما العلم كله بالآثار، وقال مالك رحمه الله: ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر وأشار إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أبو حنيفة رحمه الله: إذا جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين وقال الشافعي رحمه الله: متى رويت عن
(1) صحيح البخاري الجمعة (900)، صحيح مسلم الصلاة (442)، سنن الترمذي الجمعة (570)، سنن النسائي المساجد (706)، سنن أبو داود الصلاة (568)، سنن ابن ماجه المقدمة (16)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 16)، سنن الدارمي المقدمة (442).
(2)
صحيح البخاري الأدب (6220)، صحيح مسلم الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان (1954)، سنن النسائي القسامة (4815)، سنن ابن ماجه الصيد (3227)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 56)، سنن الدارمي المقدمة (440).
(3)
سورة النحل الآية 44
(4)
سنن أبو داود السنة (4604).
رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا صحيحا فلم آخذ به فأشهدكم أن عقلي قد ذهب، وقال أيضا رحمه الله: إذا قلت قولا وجاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلافه فأضربوا بقولي الحائط، وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله لبعض أصحابه: لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي وخذ من حيث أخذنا - وقال رحمه الله: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يذهبون إلى رأي سفيان والله سبحانه يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (1) ثم قال: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله عليه الصلاة والسلام أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك وأخرج البيهقي عن مجاهد بن جبر التابعي الجليل أنه قال في قوله سبحانه: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} (2) قال: الرد إلى الله الرد إلى كتابه والرد إلى الرسول الرد إلى السنة وأخرج البيهقي عن الزهري رحمه الله أنه قال: كان من مضى من علمائنا يقول: الاعتصام بالسنة نجاة وقال موفق الدين بن قدامة رحمه الله في كتابه روضة الناظر: في بيان أصول الأحكام ما نصه، والأصل الثاني من الأدلة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة لدلالة المعجزة على صدقه وأمر الله بطاعته وتحذيره من مخالفة أمره انتهى المقصود، وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (3) أي عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله فما وافق ذلك قبل وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائنا من كان كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:«من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (4)» أي فليخشى وليحذر من خالف شريعة الرسول باطنا وظاهرا: {أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} (5) أي في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة {أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (6) أي في الدنيا بقتل أو حد أو حبس أو نحو ذلك: كما روى الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب اللائي يقعن في النار يقعن فيها وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمون فيها قال فذلك مثلي ومثلكم أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار فتغلبوني وتقتحمون فيها (7)» أخرجاه من حديث عبد الرزاق وقال السيوطي رحمه الله في رسالته المسماة مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة ما نصه:
(1) سورة النور الآية 63
(2)
سورة النساء الآية 59
(3)
سورة النور الآية 63
(4)
صحيح مسلم الأقضية (1718)، مسند أحمد بن حنبل (6/ 180).
(5)
سورة النور الآية 63
(6)
سورة النور الآية 63
(7)
صحيح البخاري الرقاق (6483)، صحيح مسلم الفضائل (2284)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 540).
" اعلموا رحمكم الله أن من أنكر أن كون حديث النبي صلى الله عليه وسلم قولا كان أو فعلا بشرطه المعروف في الأصول حجة كفر وخرج عن دائرة الإسلام وحشر مع اليهود والنصارى أو مع من شاء الله من فرق الكفرة " انتهى المقصود. والآثار عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل العلم في تعظيم السنة ووجوب العمل بها والتحذير من مخالفتها كثيرة جدا وأرجو أن يكون في ما ذكرنا من الآيات والأحاديث والآثار كفاية ومقنع لطالب الحق ونسأل الله لنا ولجميع المسلمين التوفيق لما يرضيه والسلامة من أسباب غضبه، وأن يهدينا جميعا صراطه المستقيم إنه سميع قريب.
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه باحسان،،،،
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
في المملكة العربية السعودية