الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الثاني: أنه إذا قال - إن فعلت كذا فعلي أن أطلق امرأتي لم يلزمه أن يطلقها بالاتفاق إذا فعله.
الثالث: أن الملتزم لأمر عند الشرط إنما يلزمه بشرطين.
أحدهما: أن يكون الملتزم قربة.
والثاني: أن يكون قصده التقرب إلى الله به لا الحلف به فلو التزم ما ليس بقربة كالتطليق والبيع والإجارة والأكل والشرب لم يلزمه. بل تجزيه كفارة يمين عند الصحابة وجمهور السلف وهو مذهب الشافعي وأحمد، وآخر الروايتين عن أبي حنيفة وقول المحققين من أصحاب مالك.
وهنا الحالف بالطلاق هو التزم وقوعه على وجه اليمين، وهو يكره وقوعه إذا وجد الشرط، كما يكره وقوع الكفر إذا حلف به، وكما يكره وجوب تلك العبادات إذا حلف بها.
وأما قول القائل: إن هذا حالف بغير الله فلا يلزمه كفارة.
فيقال: النص ورد فيمن حلف بالمخلوقات، ولهذا جعله شركا؛ لأنه عقد اليمين بغير الله، فمن عقد اليمين لله فهو أبلغ ممن عقدها بالله، ولهذا كان النذر أبلغ من اليمين، فوجوب الكفارة فيما عقده لله أولى من وجوبها فيما عقده بالله.
13 -
وقال أيضا (1) فصل في
التفريق بين التعليق الذي يقصد به الإيقاع والتعليق الذي يقصد به اليمين
.
فالأول: أن يكون مريدا للجزاء عند الشرط، وإن كان الشرط مكروها له، لكنه إذا وجد الشرط فإنه يريد الطلاق، لكون الشرط أكره إليه من الطلاق فإنه وإن كان يكره طلاقها ويكره الشرط، لكن إذا وجد الشرط فإنه يختار طلاقها: مثل أن يكون كارها للتزوج بامرأة بغي أو فاجرة أو خائنة أو هو لا يختار طلاقها، لكن إذا فعلت هذه الأمور اختار طلاقها فيقول إن زنيت أو سرقت أو خنت فأنت طالق ومراده إذا فعلت ذلك أن يطلقها: إما عقوبة لها، وإما كراهة لمقامه معها على هذا الحال فهذا موقع للطلاق عند الصفة لا حالف، ووقوع الطلاق في مثل هذا هو المأثور عن الصحابة كابن مسعود وابن عمر، وعن التابعين وسائر العلماء وما علمت أحدا من السلف قال في مثل هذا أنه لا يقع به الطلاق ولكن نازع في ذلك طائفة من الشيعة، وطائفة من الظاهرية وهذا ليس بحالف، ولا يدخل في لفظ اليمين المكفرة الواردة في الكتاب والسنة، ولكن من الناس من سمى هذا حالفا كما أن منهم من يسمي كل معلق حالفا ومن الناس من يسمي كل منجز للطلاق حالفا، وهذه الاصطلاحات الثلاثة ليس لها أصل في اللغة ولا في كلام الشارع، ولا كلام الصحابة وإنما سمي ذلك يمينا لما بينه وبين اليمين من القدر المشترك عند المسمى وهو ظنه وقوع الطلاق عند الصفة.
(1) مجموع الفتاوى 33/ 64
وأما التعليق الذي يقصد به اليمين فيمكن التعبير عن معناه بصيغة القسم بخلاف النوع الأول فإنه لا يمكن التعبير عن معناه بصيغة القسم، وهذا القسم إذا ذكره بصيغة الجزاء فإنما يكون إذا كان كارها للجزاء، أو هو أكره إليه من الشرط، فيكون كارها للشرط، وهو للجزاء أكره، ويلتزم أعظم المكروهين عنده ليمتنع به من أوفى المكروهين، فيقول إن فعلت كذا فامرأتي طالق أو عبيدي أحرارا أو علي الحج، ونحو ذلك، أو يقول لامرأته إن زنيت أو سرقت أو خنت فأنت طالق بقصد زجرها أو تخويفها باليمين لإيقاع الطلاق إذا فعلت لأنه يكون مريدا لها، وإن فعلت ذلك لكون طلاقها أكره إليه من مقامها على تلك الحال، فهو علق بذلك لقصد الحظر والمنع، لا لقصد الإيقاع، فهذا حالف ليس بموقع وهذا هو الحالف في الكتاب والسنة، وهو الذي تجزئه الكفارة، والناس يحلفون بصيغة القسم، وقد يحلفون بصيغة الشرط التي في معناها فإن علم هذا وهذا سواء باتفاق العلماء.
14 -
وقال أيضا (1) إذا حلف الرجل بالحرام فقال: الحرام يلزمني لا أفعل كذا، أو الحل علي حرام لا أفعل كذا، أو ما أحل الله علي حرام إن فعلت كذا، أو ما يحل للمسلمين يحرم علي إن فعلت كذا، أو نحو ذلك وله زوجة ففي هذه المسألة نزاع مشهور بين السلف والخلف، ولكن القول الراجح أن هذه يمين من الأيمان لا يلزمه بها طلاق، ولو قصد بذلك الحلف بالطلاق، وهذا مذهب الإمام أحمد المشهور عنه، حتى لو قال: أنت علي حرام ونوى به الطلاق لم يقع عنده، ولو قال: أنت علي كظهر أمي وقصد به الطلاق فإن هذا لا يقع به الطلاق عند عامة العلماء، وفي ذلك أنزل الله القرآن فإنهم كانوا يعدون الظهار طلاقا، والإيلاء طلاقا، فرفع الله ذلك كله وجعل في الظهار الكفارة الكبرى، وجعل الإيلاء يمينا يتربص فيها الرجل أربعة أشهر- فإما أن يمسك بمعروف أو يسرح بإحسان، كذلك قال كثير من السلف والخلف- إنه إذا كان متزوجا فحرم امرأته أو حرم الحلال مطلقا كان مظاهرا، وهذا مذهب أحمد، وإذا حلف بالظهار والحرام لا يفعل شيئا وحنث في يمينه أجزأته الكفارة في مذهبه، لكن قيل إن الواجب كفارة ظهار، سواء حلف أو أوقع وهو المنقول عن أحمد، وقيل بل إن حلف أجزأه كفارة يمين وإن أوقعه لزمه كفارة ظهار وهذا أقوى وأقيس على أصول أحمد وغيره كالحلف بالحرام يجزيه كفارة يمين، كما يجزئ الحالف بالنذر إذا قال إن فعلت كذا فعلي الحج، أو مالي صدقة، كذلك إذا حلف بالعتق يجزئه كفارة عند أكثر السلف من الصحابة والتابعين، وكذلك الحلف بالطلاق يجزئ فيه كفارة يمين كما أفتى به جماعة من السلف والخلف، والثابت عن الصحابة لا يخالف ذلك بل معناه يوافقه فكل يمين يحلف بها المسلمون في أيمانهم ففيها كفارة يمين كما دل عليه الكتاب والسنة، وأما إذا كان مقصود الرجل أن يطلق أو أن يعتق أو أن يظاهر، فهذا يلزمه ما أوقعه سواء كان منجزا أو معلقا ولا يجزئه كفارة يمين.
15 -
وقال ابن القيم (2): ومن هذا الباب اليمين بالطلاق والعتاق فإن إلزام الحالف بهما إذا حنث بطلاق زوجته وعتق عبده مما حدث الإفتاء به بعد انقراض عصر الصحابة، فلا يحفظ عن صحابي في صيغة القسم إلزام الطلاق به أبدا، وإنما المحفوظ إلزام الطلاق بصيغة الشرط والجزاء إن قصد به الطلاق عند وجود الشرط كما
(1) مجموع الفتاوى 33/ 74
(2)
إعلام الموقعين 3/ 46 - 54
في صحيح البخاري عن نافع قال طلق رجل امرأته ألبتة إن خرجت فقال ابن عمر إن خرجت فقد بانت منه وإن لم تخرج فليس بشيء، فهذا لا ينازع فيه إلا من يمنع وقوع الطلاق المعلق بالشرط مطلقا، وأما من يفصل بين القسم المحض، والتعليق الذي يقصد به الوقوع فإنه يقول بالأثار المروية عن الصحابة كلها في هذا الباب، فإنهم صح عنهم الإفتاء بالوقوع في صور، وقد صح عنهم عدم الوقوع في صور، والصواب ما أفتوا به من النوعين ولا يؤخذ ببعض فتاويهم، ولا يترك بعضها. فأما الوقوع، فالمحفوظ عنهم ما ذكره البخاري عن ابن عمر، وما رواه الثوري عن الزبير بن عدي عن إبراهيم عن ابن مسعود رضي الله عنه في رجل قال لامرأته: إن فعلت كذا وكذا فهي طالق ففعلته قال: هي واحدة وهو أحق بها على أنه منقطع (1) وكذلك ما ذكره البيهقي وغيره عن ابن عباس في رجل قال لامرأته هي طالق إلى سنة قال: يستمتع بها إلى سنة، ومن هذا قول أبي ذر لامرأته وقد ألحت عليه في سؤاله عن ليلة القدر فقال إن عدت سألتيني فأنت طالق. . فهذه جميع الآثار المحفوظة عن الصحابة في وقوع الطلاق المعلق، وأما الآثار عنهم في خلافه فصح عن عائشة وابن عباس وحفصة وأم سلمة فيمن حلفت بأن كل مملوك لها حر إن لم تفرق بين عبدها وبين امرأته أنها تكفر عن يمينها ولا تفرق بينهما.
قال الأثرم في سننه: ثنا عارم بن الفضل، ثنا معمر بن سليمان، قال قال أبي ثنا بكر بن عبد الله قال أخبرني أبو رافع قال قالت مولاتي ليلى بنت العجماء: كل مملوك لها حر وكل مال لها هدي وهي يهودية وهي نصرانية إن لم تطلق امرأتك أو تفرق بينك وبين امرأتك، قال فأتيت زينب بنت أم سلمة وكانت إذا ذكرت امرأة بالمدينة فقيهة ذكرت زينب قال: فأتيتها فجاءت معي إليها فقالت: في البيت هاروت وماروت؟! فقالت: يا زينب جعلني الله فداك إنها قالت إن كل مملوك لها حر وكل مال لها هدي وهي يهودية ونصرانية فقالت: يهودية ونصرانية؟! خلي بين الرجل وامرأته قال: فأتيت حفصة أم المؤمنين - فأرسلت إليها فأتتها فقالت: يا أم المؤمنين جعلني الله فداك إنها قالت: كل مملوك لها حر وكل مال لها هدي وهي يهودية ونصرانية فقالت: يهودية ونصرانية؟! خلى بين الرجل وامرأته قال فأتيت عبد الله بن عمر فجاء معي إليها فقام معي على الباب فسلم فقالت: بأبي أنت وبأبي أبوك فقال أمن حجارة أنت أم من حديد أنت أم أي شيء؟ أفتتك زينب وأفتتك أم المؤمنين فلم تقبلي فتياهما فقالت: يا أبا عبد الرحمن جعلني الله فداك أنها قالت كل مملوك لها حر وكل مال لها هدي وهي يهودية ونصرانية فقال: يهودية ونصرانية؟! كفري عن يمينك وخلي بين الرجل وامرأته.
وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني في المترجم له: ثنا صفوان بن صالح، ثنا عمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي قال حدثني جسر بن الحسن قال حدثني بكر بن عبد الله المزني قال حدثني رفيع قال: كنت أنا وامرأتي مملوكين لامرأة من الأنصار فحلفت بالهدي والعتاق أن تفرق بيننا فأتيت امرأة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت لها ذلك فأرسلت إليها أن كفري عن يمينك. فأبت، فأتيت ابن عمر فذكرت ذلك له، فأرسل إليها ابن عمر أن كفري عن يمينك فأبت فقام ابن عمر فأتاها، فقال أرسلت إليك فلانة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم وزينب أن تكفري عن يمينك فأبيت قالت: يا أبا عبد الرحمن إني حلفت بالهدي، والعتاقة قال وإن كنت قد حلفت بهما.
(1) في سنده الجراح بن المنهال، ضعفه غير واحد وقال ابن حبان كان يكذب في الحديث ويشرب الخمر
وقال الدارقطني: ثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا محمد بن يحيى بن عبد الله الأنصاري، ثنا أشعث ثنا بكر بن عبد الله المزني عن أبي رافع أن مولاة له أرادت أن تفرق بينه وبين امرأته فقالت هي يوما يهودية، ويوما نصرانية، وكل مملوك لها حر إن لم تفرق بينهما فسألت عائشة وابن عباس وحفصة وأم سلمة رضي الله عنهم فكلهم قالوا لها أتريدين أن تكفري مثل هاروت وماروت فأمروها أن تكفر عن يمينها، وتخلي بينهما، وقد رواه البيهقي من طريق الأنصاري، ثنا أشعث، ثنا بكر عن أبي رافع، أن مولاته أرادت أن تفرق بينه وبين امرأته فقالت هي يوما يهودية، ويوما نصرانية، وكل مملوك لها حر، وكل مال لها في سبيل الله وعليها المشي إلى بيت الله إن لم تفرق بينهما فسألت عائشة وابن عمر وابن عباس وحفصة وأم سلمة فكلهم قالوا لها أتريدين أن تكفري مثل هاروت وماروت وأمروها أن تكفر عن يمينها وتخلي بينهما. رواه روح والأنصاري واللفظ له، وحديث روح مختصر.
وقال النضر بن شميل: ثنا أشعث، عن بكر بن عبد الله عن أبي رافع عن ابن عمر وعائشة وأم سلمة في هذه القصة قالوا: تكفر يمينها، وقال يحيى بن سعيد القطان عن سليمان التيمي ثنا بكر بن عبد الله عن أبي رافع أن ليلى بنت العجماء مولاته قالت هي يهودية وهي نصرانية، وكل مملوك لها حر، وكل مال لها هدي إن لم يطلق امرأته إن لم تفرق بينهما فذكر القصة، وقال: فأتيت ابن عمر، فجاء معي، فقام بالباب، فلما سلم قالت بأبي أنت وأبوك، قال أمن حجارة أنت أم من حديد؟ أفتتك زينب وأرسلت إليك حفصة قالت: قد حلفت بكذا وكذا. قال: كفري عن يمينك وخلي بين الرجل وامرأته.
فقد تبين بسياق هذه الطرق انتفاء العلة التي أعل بها حديث ليلى هذا وهي تفرد التيمي فيه بذكر العتق كذا، قال الإمام أحمد: لم يقل وكل مملوك لها حر إلا التيمي وبرئ التيمي من عهدة التفرد، وقاعدة الإمام أحمد أن ما أفتى به الصحابة لا يخرج عنه إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، فعلى أصله الذي بنى مذهبه عليه يلزمه القول بهذا الأثر لصحته وانتفاء علته.
فإن قيل: للحديث علة أخرى، وهي التي منعت الإمام أحمد من القول به، وقد أشار إليها في رواية الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول في حديث ليلى بنت العجماء: حلفت بكذا وكذا وكل مملوك لها حر، فأفتيت بكفارة يمين، فاحتج بحديث ابن عمر وابن عباس حين أفتيا فيمن حلف بعتق جاريته وأيمان، فقال أما الجارية فتعتق.
قلت يريد بهما ما رواه معمر عن إسماعيل بن أمية عن عثمان بن أبي حاضر قال: حلفت امرأة من آل ذي أصبح فقالت: ما لها في سبيل الله وجاريتها حرة إن لم تفعل كذا وكذا لشيء يكرهه زوجها فحلف زوجها أن لا تفعله، فسأل عن ذلك ابن عباس وابن عمر فقالا: أما الجارية فتعتق وأما قولها مالي في سبيل الله فتتصدق بزكاة مالها، فقيل: لا ريب قد روي عن ابن عمر وابن عباس ذلك ولكنه أثر معلول تفرد به عثمان. هذا وحديث ليلى بنت العجماء أشهر إسنادا وأصح من حديث عثمان فإن رواته حفاظ أئمة، وقد خالفوا عثمان.
وأما ابن عباس فقد روى عنه خلاف ما رواه عثمان فيمن حلف بصدقة ماله، قال: يكفر يمينه وغاية هذا الأثر إن صح أن يكون عن ابن عمر روايتان، ولم يختلف على عائشة وزينب وحفصة وأم سلمة، قال أبو
محمد بن حزم وصح عن ابن عمر وعائشة وأم سلمة أمي المؤمنين، وعن ابن عمر أنهم جعلوا في قول ليلى بنت العجماء كل مملوك لها حر، وكل مال لها هدي وهي يهودية ونصرانية إن لم تطلق امرأتك كفارة يمين واحدة، فإذا صح هذا عن الصحابة، ولم يعلم لهم مخالف سوى هذا الأثر المعلول أثر عثمان بن حاضر في قول الحالف عبده حر إن فعل أنه يجزيه كفارة يمين، وإذا لم يلزموه بالعتق المحبوب إلى الله تعالى فلأن لا يلزموه بالطلاق البغيض إلى الله أولى وأحرى، كيف وقد أفتى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام الحالف بالطلاق أنه لا شيء عليه، ولم يعرف له في الصحابة مخالف، قال عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد بن علي التيمي المعروف بابن بزيزة في شرحه لأحكام عبد الحق " الباب الثالث في حكم اليمين بالطلاق أو الشك فيه " وقد قدمنا في كتاب الأيمان اختلاف العلماء في اليمين بالطلاق والعتق والمشي وغير ذلك هل يلزم أم لا؟ فقال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه وشريح وطاوس لا يلزم من ذلك شيء ولا يقضي بالطلاق على من حلف به بحنث، ولا يعرف لعلي في ذلك مخالف من الصحابة، هذا لفظه بعينه، فهذه فتوى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلف بالعتق والطلاق، وقد قدمنا فتاويهم في وقوع الطلاق المعلق بالشرط، ولا تعارض بين ذلك فإن الحالف لم يقصد وقوع الطلاق، وإنما قصد منع نفسه بالحلف بما لا يريد وقوعه فهو كما لو خض أو منع نفسه بالتزام التطليق والإعتاق والحج والصوم وصدقة المال، وكما لو قصد منع نفسه بالتزام ما يكرهه من الكفر فإن كراهته لذلك كله، وإخراجه مخرج اليمين بما لا يريد وقوعه منع من ثبوت حكمه، وهذه علة صحيحة فيجب طردها في الحلف بالعتق والطلاق إذ لا فرق ألبتة. والعلة متى تخصصت بدون فوات شرط أو وجود مانع دل ذلك على فسادها، كيف والمعنى الذي منع لزوم الحج والصدقة والصوم بل لزوم الإعتاق والتطليق، بل لزوم اليهودية والنصرانية هو في الحلف بالطلاق أولى، أما العبادات المالية والبدنية فإذا منع لزومها قصد اليمين، وعدم قصد وقوعها فالطلاق أولى، وكل ما يقال في الطلاق فهو بعينه في صور الإلزام سواء بسواء، وأما الحلف بالتزام التطليق والإعتاق فإذا كان قصد اليمين قد منع ثلاثة أشياء وهي: وجوب التطليق، وفعله، وحصول أثره، وهو الطلاق، فلأن يقوى على منع واحد من الثلاثة وهو وقوع الطلاق وحده أولى وأحرى، وأما الحلف بالتزام الكفر الذي يحصل بالنية تارة وبالفعل تارة، وبالقول تارة، وبالشك تارة ومع هذا فقصد اليمين منع من وقوعه فلأن يمنع من وقوع الطلاق أولى وأحرى، وإذا كان العتق الذي هو أحب الأشياء إلى الله ويسري في ملك الغير وله من القوة وسرعة النفوذ ما ليس لغيره ويحصل بالملك والفعل، قد منع قصد اليمين من وقوعه كما أفتى به الصحابة فالطلاق أولى وأحرى بعدم الوقوع وإذا كانت اليمين بالطلاق قد دخلت في قول - المكلف (أيمان المسلمين تلزمني) عند من ألزمها بالطلاق فدخولها في قول رب العالمين {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} (1) أولى وأحرى، وإذا دخلت في قول الحالف: إن حلفت يمينا فعبدي حر فدخولها في قول النبي صلى الله عليه وسلم «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير (2)» أولى وأحرى.
وإذا دخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم «من حلف فقال إن شاء الله فإن شاء فعل وإن شاء ترك (3)» فدخولها في قوله: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه أولى
(1) سورة التحريم الآية 2
(2)
صحيح مسلم الأيمان (1650)، سنن الترمذي النذور والأيمان (1530)، موطأ مالك النذور والأيمان (1034).
(3)
سنن الترمذي النذور والأيمان (1532)، سنن ابن ماجه الكفارات (2104).
وأحرى، (1)» فإن الحديث أصح وأصرح، وإذا دخلت في قوله:«من حلف على يمين فاجرة يتقطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان (2)» فدخولها في قوله تعالى {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} (3) أولى وأحرى بالدخول، أو مثله، وإذا أدخلت في قوله تعالى {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُر} (4) فلو حلف بالطلاق كان موليا، فدخولها في نصوص الأيمان أولى وأحرى؛ لأن الإيلاء نوع من اليمين، فإذا دخل الحلف في الطلاق في النوع فدخوله في الجنس سابق عليه، فإن النوع مستلزم الجنس، ولا ينعكس، وإذا دخلت في قوله:(يمينك على ما يصدقك به صاحبك) فكيف لا يدخل في بقية نصوص الأيمان، وما الذي أوجب هذا التخصيص من غير مخصص، وإذا دخلت في قوله:«إياكم وكثرة الحلف في البيع فإنه ينفق ثم يمحق (5)» فهلا دخلت في غيره من نصوص اليمين وما الفرق المؤثر شرعا أو عقلا، أو لغة؟ وإذا دخلت في قوله:{وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} (6) فهلا دخلت في قوله: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} (7).
وإذا دخلت في قول الحالف " أيمان البيعة تلزمني " وهي الأيمان التي رتبها الحجاج، فلم لا تكون أولى بالدخول في لفظ الأيمان في كلام الله تعالى ورسوله فإن كانت يمين الطلاق يمينا شرعية بمعنى أن الشرع اعتبرها وجب أن تعطي حكم الأيمان، وإن لم تكن يمينا شرعية كانت باطلة في الشرع فلا يلزم الحالف بها شيئا كما صح عن طاوس من رواية عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عنه (ليس الحلف بالطلاق شيئا) وصح عن عكرمة من رواية سنيد بن داود بن علي في تفسيره عنه أنها من خطوات الشيطان لا يلزم بها شيء، وصح عن شريح قاضي أمير المؤمنين علي وابن مسعود أنها لا يلزم بها طلاق وهو مذهب داود بن علي وجميع أصحابه وهو قول بعض أصحاب مالك في بعض الصور فيما إذا حلف عليها بالطلاق على شيء لا تفعله هي كقوله: - إن كلمت فلانا فأنت طالق - قال: لا تطلق إن كلمته؛ لأن الطلاق لا يكون بيدها إن شاءت طلقت وان شاءت أمسكت وهو قول بعض الشافعية في بعض الصور، كقوله: الطلاق يلزمني، أو لازم لي لا أفعل كذا وكذا فإن لهم فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه إن نوى وقوع الطلاق بذلك لزمه وإلا فلا يلزمه وجعله هؤلاء كناية، والطلاق يقع بالكناية مع النية.
الوجه الثاني: إنه صريح فلا يحتاج إلى نيته وهذا اختيار الروياني، ووجهه أن هذا اللفظ قد غلب في إرادة الطلاق فلا يحتاج إلى نية.
(1) صحيح مسلم الأيمان (1650)، سنن الترمذي النذور والأيمان (1530)، موطأ مالك النذور والأيمان (1034).
(2)
صحيح البخاري المساقاة (2357)، صحيح مسلم الإيمان (138)، سنن الترمذي تفسير القرآن (2996)، سنن أبو داود الأيمان والنذور (3243)، سنن ابن ماجه الأحكام (2323)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 379).
(3)
سورة المائدة الآية 89
(4)
سورة البقرة الآية 226
(5)
صحيح مسلم المساقاة (1607)، سنن النسائي البيوع (4460)، سنن ابن ماجه التجارات (2209)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 297).
(6)
سورة المائدة الآية 89
(7)
سورة المائدة الآية 89
الوجه الثالث: إنه ليس بصريح ولا كناية ولا يقع به طلاق وإن نواه وهذا اختيار القفال في فتاويه، ووجهه أن الطلاق لا بد فيه من إضافته إلى المرأة كقوله: أنت طالق أو طلقتك، أو قد طلقتك أو يقول امرأتي طالق أو فلانة طالق ونحو هذا، ولم توجد هذه الإضافة في قوله: الطلاق يلزمني، ولهذا قال ابن عباس فيمن قال لامرأته طلقي نفسك فقالت: أنت طالق، فإنه لا يقع بذلك طلاقا، وقال عطاء: الله بوأها، وتبعه على ذلك الأئمة فإذا قال الطلاق يلزمني لم يكن لازما له إلا أن يضيفه إلى محله وإن لم يضفه فلا يقع، والموقعون يقولون: إذا التزمه فقد لزمه ومن ضرورة لزومه إضافته إلى المحل فجاءت الإضافة من ضرورة اللزوم، ولمن نصر قول القفال أن يقول إما أن يكون قائل هذا اللفظ قد التزم التطليق أو وقوع الطلاق الذي هو أثره، فإن كان الأول لم يلزمه، لأنه نذر أن يطلق ولا تطلق المرأة بذلك، وإن كان قد التزم الوقوع فالتزامه بدون سبب الوقوع ممتنع، وقوله: الطلاق يلزمني التزام لحكمه عند وقوع سببه، وهذا حق فأين في هذا اللفظ وجود سبب الطلاق، وقوله: الطلاق يلزمني لا يصلح أن يكون سببا إذا لم يضف فيه الطلاق إلى محله بوجه، ونظير هذا أن يقول له بعني أو أجرني فيقول البيع يلزمني، أو الإجارة تلزمني فإنه لا يكون بذلك موجبا لعقد البيع أو الإجارة حتى يضيفهما إلى محلهما، وكذلك لو قال الظهار يلزمني لم يكن بذلك مظاهرا حتى يضيفه إلى محله، كما لو قال العتق يلزمني، ولم يضف فيه العتق إلى محله، وهذا بخلاف ما لو قال الصوم يلزمني أو الحج، أو الصدقة، فإن محله الذمة، وقد أضافه إليها، فإن قيل وهاهنا محل الطلاق والعتاق الذمة؟ قيل هذا غلط بل محل الطلاق والعتاق نفس الزوجة والعبد وإنما الذمة محل وجوب ذلك وهو التطليق والإعتاق وحينئذ فيعود الالتزام إلى التطليق والإعتاق وذلك لا يوجب الوقوع، والذي يوضح هذا أنه لو قال أنا منك طالق لم تطلق بذلك لإضافة الطلاق إلى غير محله، وقيل تطلق إذا نوى طلاقها هي بذلك، تنزيلا لهذا اللفظ منزلة الكنايات فهذا كشف سر هذه المسألة، وممن ذكر هذه الأوجه الثلاثة أبو القاسم بن يونس في شرح التنبيه. انتهى المقصود.
وقال ابن القيم (1) أيضا: قد عرف أن الحلف بالطلاق له صيغتان إحداهما إن فعلت كذا وكذا فأنت طالق.
والثانية الطلاق يلزمني لا أفعل كذا، وأن الخلاف في الصيغتين قديما وحديثا.
16 -
قال السبكي ردا على استدلال شيخ الإسلام ابن تيمية قال: الفصل الثالث في الجواب عن استدلاله بالآيتين المذكورتين على وجه التفصيل:
(1) إعلام الموقعين 3/ 56
أما الآية الأولى فهي قوله تعالى {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} (1) وساق الآية إلى قوله: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (2) ثم قال - وإنما الاستدلال بها إذا تبين دخول يمين الطلاق في عموم قوله: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} (3) ولم يكن لذلك معارض يمنع دخولها فيه، والكلام على هذه الآية يلتفت على الكلام على الآية الأخرى في سورة البقرة قال الله تعالى {وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ} (4) وساق الآية إلى قوله تعالى {حَلِيمٌ} (5) ثم قال - وللمفسرين في معنى قوله تعالى {وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا} (6) قولان:
أحدهما: أن المراد لا تجعلوا اليمين بالله تعالى عرضة بينكم وبين أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس فتحلفوا لا تفعلوا فتبقى اليمين متعرضة بين الحالف وبين البر والتقوى فنهاهم الله عن اليمين على ذلك ثم شرع لهم الكفارة للتخلص من هذا المنع ليكون طريقا للحالف إلى الرجوع إلى البر والتقوى والإصلاح، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم «إني لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير (7)» ).
والقول الثاني أن المراد لا تجعلوا اسم الله عرضة لأيمانكم فتبتذلوه بالحلف به في كل شيء وقوله: {أَنْ تَبَرُّوا} (8) معناها إرادة أن تبروا يعني إذا لم تبتذلوا اسم الله في كل يمين قدرتم على البر، ثم شرع لهم الكفارة لتكون جابرة لما يحصل من انتهاك حرمة الاسم المعظم ولا شك أن اليمين بالله تعالى مراده في الآيتين وهي اليمين الشرعية، وهي التي شرعت الكفارة فيها أصلا فالحالف يعقد اليمين بالله على أن يفعل كذا أو أن لا يفعل كذا فإذا قال " والله لا أفعل أو الله لأفعلن فقد أكد عقده بهذا الاسم المعظم. . ولهذا نهي عن الحلف بغير الله عز وجل، ونقل ابن عبد البر إجماع العلماء أن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها لا يجوز لأحد الحلف بها.
ومن هاهنا قال أهل الظاهر لا كفارة إلا في اليمين بأسماء الله عز وجل وصفاته ولا تجب الكفارة في يمين غير ذلك، وممن قال بهذا القول الشعبي والحكم والحارث العكلي، وابن أبي ليلى ومحمد بن الحسن نقله ابن عبد البر، وقال هو الصواب عندنا والحمد لله.
وقال جمهور العلماء بوجوب الكفارة في أيمان غيرها لكن على سبيل الإلحاق بها لوجود علة وجوب الكفارة عندهم وعلى هذا الأصل جعل ابن تيمية الطلاق المعلق على شرط يمينا تلزم فيها الكفارة إذا قصد بالتعليق الحث على الفعل أو المنع منه. . الخ.، هذه أقوال المعتبرين من العلماء. . . . هذا مع اتفاق العلماء كلهم على أمرين:
(1) سورة المائدة الآية 89
(2)
سورة المائدة الآية 89
(3)
سورة المائدة الآية 89
(4)
سورة البقرة الآية 224
(5)
سورة البقرة الآية 225
(6)
سورة البقرة الآية 224
(7)
صحيح البخاري كفارات الأيمان (6718)، صحيح مسلم الأيمان (1649)، سنن ابن ماجه الكفارات (2107)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 401).
(8)
سورة البقرة الآية 224
أحدهما: أن يمين الطلاق لا كفارة فيها ولو قلنا هي يمين.
والثاني: أن عموم الآية مخصوص فلا تجب الكفارة في كل ما يطلق عليه اسم اليمين لغة، وإذا كانت الكفارة لا تجب في كل ما يسمى يمينا في اللغة لم تبق الآية الكريمة مجراة على عمومها، وحينئذ فالآية إما محمولة على اليمين الشرعية، أو على اليمين اللغوية، والحمل على الموضوع الشرعي أولى عند المحققين من العلماء فإذا كان للفظ معنى في اللغة ومعنى في الشرع إما يقاربه وإما يباينه ووجدنا ذلك اللفظ في خطاب الشارع حملناه على معناه في الشرع فإن تعذر حملناه على معناه في اللغة والعرف، وهاهنا في الآية زيادة وهي أن الحمل فيها على الموضوع اللغوي يوجب تخصيص عمومها والحمل على المعنى الشرعي قد لا يوجب ذلك، وما سلم من التخصيص أو كان أقل تخصيصا كان أولى فيتعين حمل الأيمان في الآية الكريمة على المعنى الشرعي، واليمين الشرعية هي ما شرع الحلف به، أو لم يكره ولم يحرم، وقد قال صلى الله عليه وسلم «من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله (1)» وكانت قريش تحلف بآبائها فقال «لا تحلفوا بآبائكم (2)» وفي سنن النسائي من رواية أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون (3)» فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كل يمين بغير الله عز وجل وما نهى عنه لم يكن شرعيا، ولا فرق بين اليمين باسم الله عز وجل أو غيره من الأسماء الحسنى والصفات العليا والكل شرعي ينعقد فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحلف فيقول «لا ومقلب القلوب (4)» وفي حديث صفة الجنة أن جبريل قال «وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها (5)» ولما حلف الصحابة بالكعبة قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم «قولوا ورب الكعبة (6)» فكل أيمان شرعية؛ لأن المعنى في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف تعظيم للمحلوف به على وجه لا يليق بغير الله عز وجل، فبأي اسم من أسماء الله عز وجل أو صفاته حلف لم يكن معظما لغير الله تعالى فإذا كانت اليمين الشرعية هي اليمين بالله عز وجل أو صفاته كانت الآية محمولة على ذلك فدلت الآية على أن كل يمين بالله أو باسم من أسمائه أو صفة من صفاته يوجب الكفارة عند الحنث؛ لأن اللفظ شرعي فيحمل على المعنى الشرعي وتكون الآية على عمومها في كل الأيمان الشرعية فلا تكون الآية دالة على إيجاب الكفارة في شيء من الأيمان سوى الأيمان الشرعية وهي الأيمان بالله وبأسمائه وصفاته ولا تدخل اليمين بالطلاق ولا غيرها في ذلك.
(1) صحيح البخاري المناقب (3836)، صحيح مسلم الأيمان (1646)، سنن الترمذي النذور والأيمان (1534)، سنن النسائي الأيمان والنذور (3766)، سنن أبو داود الأيمان والنذور (3249)، سنن ابن ماجه الكفارات (2094)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 142)، موطأ مالك النذور والأيمان (1037)، سنن الدارمي النذور والأيمان (2341).
(2)
صحيح البخاري المناقب (3836)، صحيح مسلم الأيمان (1646)، سنن الترمذي النذور والأيمان (1534)، سنن النسائي الأيمان والنذور (3766)، سنن أبو داود الأيمان والنذور (3249)، سنن ابن ماجه الكفارات (2094)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 142)، موطأ مالك النذور والأيمان (1037)، سنن الدارمي النذور والأيمان (2341).
(3)
صحيح البخاري المناقب (3836)، صحيح مسلم الأيمان (1646)، سنن الترمذي النذور والأيمان (1534)، سنن أبو داود الأيمان والنذور (3249)، سنن ابن ماجه الكفارات (2094)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 142)، موطأ مالك النذور والأيمان (1037)، سنن الدارمي النذور والأيمان (2341).
(4)
صحيح البخاري القدر (6617)، سنن الترمذي النذور والأيمان (1540)، سنن النسائي الأيمان والنذور (3761)، سنن أبو داود الأيمان والنذور (3263)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 68)، سنن الدارمي النذور والأيمان (2350).
(5)
سنن الترمذي صفة الجنة (2560)، سنن النسائي الأيمان والنذور (3763)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 333).
(6)
سنن النسائي الأيمان والنذور (3773)، مسند أحمد بن حنبل (6/ 372).
ثم إن العلماء رأوا أن بعض الأيمان ملحق باليمين بالله تعالى في إيجاب الكفارة فألحقوه بذلك لوجود المعنى الذي شرعت الكفارة لأجله، وعند هذا اختلف نظرهم فمنهم من يلحق أنواعا كثيرة ومنهم من يلحق أقل من ذلك على اختلاف نظرهم واجتهادهم ويوجد هذا الاختلاف بالصحابة والتابعين ومن بعدهم ومضى إلى أن قال: قد اجتمعت الأمة على أن يمين الطلاق ليست داخلة في أيمان الكفارة فلا معدل عن الإجماع بدليل غيره هذا أيضا لم يقله أحد من المسلمين ثم إن هذه الأيمان التي ذكرناها هل تسمى أيمانا قال ابن عبد البر وأما الحلف بالطلاق والعتق فليس بيمين عند أهل التحصيل والنظر وإنما هو طلاق بصفة أو عتق بصفة إذا أوقعه موقعا وقع على حسب ما يجب في ذلك عند العلماء كان على أصله وقول المتقدمين بين الأيمان بالطلاق والعتق إنما هو كلام خرج على الامتناع والمجاز والتقريب وأما الحقيقة فإنما هو طلاق على وصف وعتق على وصف ما ولا يمين في الحقيقة إلا بالله عز وجل فقد تبين خروج يمين الطلاق من الآية الكريمة وأما الآية الثانية وهي قوله تعالى {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} (1) فإن المستدل تعلق بها بناء على أن الكفارة وجبت في التحريم خاصة وأن الله سبحانه جعله يمينا وأجراه مجرى اليمين في الكفارة ونبه على دخوله في الآية المذكورة قبلها، وهذا ليس كذلك فإن هذه الواقعة قد قيل أنها في قصة مارية وقيل في قصة العسل، ومن العلماء من لم يذكر فيها يمينا بالله تعالى وجعل الكفارة للتحريم، وعلى هذا القول يخرج الجواب مما تقدم والنبي صلى الله عليه وسلم توقف عن الكفارة حتى قال الله سبحانه ما قال فلو كان الحرام يسمى حقيقة لعلم دخوله في الآية الأولى فلما احتاج إلى إعلام الله إياه دل على أنه لم يدخل في اليمين إلا في الحكم لا في الاسم الحقيقي، وفي مسألة التحريم أقوال كثيرة للعلماء وأكثرهم على أنه ليس بيمين على الإطلاق فلا يدخل في الآية الكريمة إلا في الحكم لا في الاسم الحقيقي هذا على قول من يوجب الكفارة لكونه تحريما.
(1) سورة التحريم الآية 2
وأما من لم يقل بذلك فيقول الكفارة ليمين بالله اقترنت بالتحريم وقد قال بعض من استدل بالآية على أن التحريم يمين (من قال بأن النبي صلى الله عليه وسلم حلف مع الكفارة فقد قال ما لم يقله أحد) وقد روي البيهقي بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: «آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه وحرم فجعل الحلال حراما وجعل في اليمين الكفارة (1)» .
وروي أبو داود مرسلا عن قتادة قال كان النبي صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة فدخلت فرأت معه فقالت في بيتي وفي يومي فقال «اسكتي فوالله لا أقربها وهي على حرام» وروي البيهقي مرسلا أيضا عن مسروق أنه قال «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلف لحفصة أن لا يقرب أمته وقال " هي على حرام» فنزلت الكفارة ليمينه وأمر أن لا يحرم ما أحل الله! (2).
وأما قصة العسل وهي أشهر في سبب نزول الآية فروى البيهقي أن عبيد بن عمير قال سمعت عائشة تخبر «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلا فتواصيت أنا وحفصة أيتنا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فلتقل إني أجد منك ريح مغافير أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما فقالت ذلك له فقال بل شربت عسلا عند زينب ولن أعود له فنزلت إلى لعائشة وحفصة؛ لقوله: بل شربت عسلا (6)» قال البيهقي رواه البخاري في الصحيح عن الحسن بن محمد ورواه مسلم عن محمد بن حاتم كلاهما عن حجاج قال البخاري وقال إبراهيم بن موسى عن هشام بن يوسف عن ابن جريج عن عطاء في هذا الحديث «ولن أعود له وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحدا (7)» قال ابن عبد البر: وقد روي «عن ابن عباس في تأويله قوله تعالى والله لا أشرب العسل بعدها، (9)» فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حلف بالله فالكفارة لليمين بالله، وهذا معنى قول عائشة فجعل الحلال حراما وجعل في اليمين الكفارة فلم تكن الكفارة إلا في اليمين بالله تعالى ولا يحتاج إلى الجواب عن الآية. انتهى المقصود.
(1) الاستدلال بهذا الحديث على اقتران التحريم في هذه القصة بيمين مردود لأمور: أ- أن الذي حرمه النبي صلى الله عليه وسلم في هذه القصة إما العسل، وإما مارية القبطية والذي في هذا الحديث أنه حرم نساءه، ومارية ليست من زوجاته ولا هي جماعة. ب- أن الواقعة التي آلى فيها من نسائه قد اعتزل فيها نساءه شهرا وأمضى ما حلف عليه وعلى هذا لم يكن فرضا عليه أن يتحلل من يمينه بكفارة. ج- أن هذا الحديث من رواية مسلمة بن علقمة المازني عن داود بن علي عن عامر الشعبي عن مسروق عن عائشة مرفوعا، وقد خالفه في ذلك على بن مسهر وغيره عن داود عن الشعبي مرسلا، وعلي بن مسهر ومن شاركه في رواية هذا الحديث عن داود أوثق فكان وصل مسلمة له شاذا، قال أبو عيسى الترمذي: حديث مسلمة بن علقمة عن داود - رواه علي بن مسهر وغيره عن داود عن الشعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، وليس فيه - عن مسروق عن عائشة - وهذا أصح من حديث مسلمة بن علقمة. د- مسلمة بن علقمة المازني ضعفه غير واحد، ذكره العقيلي في الضعفاء، وقال له عن داود - مناكير، وما لا يتابع عليه من حديثه كثير، وذكر له ابن عدي أحاديث، وقال: وله غير ما ذكرت مما لا يتابع عليه وبذلك يكون وصله لهذا الحديث منكرا لمخالفته من أرسله من الثقاة.
(2)
ما ذكره من مرسل قتادة ومسروق لا حجة فيهما لمطلوبه - لما فيهما من الإرسال.
(3)
صحيح البخاري الطلاق (5267)، سنن النسائي الأيمان والنذور (3795)، مسند أحمد بن حنبل (6/ 221).
(4)
سورة التحريم الآية 1 (3){لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك}
(5)
سورة التحريم الآية 4 (4){إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ}
(6)
سورة التحريم الآية 3 (5){وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا}
(7)
صحيح البخاري الأيمان والنذور (6691).
(8)
صحيح البخاري الأيمان والنذور (6691)، صحيح مسلم الطلاق (1474)، سنن النسائي الأيمان والنذور (3795)، سنن أبو داود الأشربة (3714)، مسند أحمد بن حنبل (6/ 221).
(9)
سورة التحريم الآية 1 (8){يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ}
يتخلص المقصود مما تقدم في أمور:
الأول: لاختلاف في ضابط ما يسمى حلفا بالطلاق، فقيل هو كل طلاق علق على شرط أيا كان هذا الشرط وقيل كل طلاق علق على شرط وقصد به الحث على الفعل أو المنع منه، أو قصد به تصديق خبر أو تكذيبه، مثل إذا دخلت الدار فأنت طالق، وإلا كان شرطا محضا، مثل إن طلعت الشمس فأنت طالق، والحلف بالطلاق على الأول أعم منه على الثاني، وذكر ابن تيمية أن الضابط الثاني أصح لغة وشرعا، وأما العرف فيختلف.
الثاني: أن الرجل إذا علق طلاق زوجته على شيء اعتبر تعليقه، ووقع الطلاق عند وجود المعلق عليه، ولو كان قاصدا الحث على فعل أو المنع منه أو تصديق خبر أو تكذيبه، ولا كفارة عليه في ذلك واستدل الإمام أحمد لذلك بما روي عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم من اعتبار التعليق ووقوع الطلاق عند حصول المعلق عليه، ورد ما زاده سليمان بن طرخان التيمي في روايته لقصة ليلى بنت العجماء من قوله: فيها (كل مملوك لها حر) لتفرده بهذه الزيادة، وعارضه بما رواه عبد الرزاق من طريق عثمان بن حاضر عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم، وعلى ذلك لا يتم لمن جعل الطلاق المعلق يمينا تلزم فيها الكفارة قياسه على ما جاء من الفتوى في قصة ليلى بنت العجماء في لزوم الكفارة دون وقوع الطلاق.
ونوقش بأن سليمان لم ينفرد بالزيادة، وبأنه على تقدير فهو ثقة، وزيادة الثقة مقبولة ما لم تعارض رواية من هو أوثق منه معارضة لا يمكن معها الجمع، ونوقشت المعارضة بإمكان الجمع وعلى تقدير عدم إمكانه فرواية سليمان أرجح من رواية عثمان بن حاضر لما سبق من النقل عن ابن تيمية وابن القيم من مبررات الترجيح.
الثالث - أن الرجل إذا علق طلاق أجنبية منه على زواجه بها كان تعليقه لغوا ولا تطلق بذلك إذا تزوجها إما لأنها أجنبية منه وقت التعليق كما علل به الشافعية، وإما لمقارنة وقوع الطلاق عقد الزواج كما علل به محمد بن الحسن من الحنفية.
وروي عن الإمام أحمد إنه يصح تعليق طلاق الأجنبية على الزواج بها، لأنه يصح تعليقه على الإخطار فيصح تعليقه على الملك كالوصية، وهذه الرواية موافقة لمذهب المالكية والحنفية سوى محمد بن الحسن.
هذا وجملة القول أنه لم يثبت نص صريح لا في كتاب ولا في السنة باعتبار الطلاق المعلق طلاقا عند الحنث وعدم اعتباره فكانت المسألة نظرية، للاجتهاد فيها مجال، من أجل هذا اختلف الآثار عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم في حكمها، فمن قائل إن تعليق الطلاق على شرط لغو، لأنه حلف خالف ما جاءت به الأحاديث من النهي عن الحلف بغير أسماء الله تعالى وصفاته، ومن قائل: إنه معتبر ويقع به الطلاق عند حصول
المعلق عليه؛ لقوله تعالى {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (1) ولحديث «المسلمون عند شروطهم» وللآثار الواردة في اعتباره طلاقا بل ادعى أنه مجمع عليه وقد سبقت مناقشته ومن قائل إنه داخل في جنس الأيمان إن قصد به الحث أو المنع أو تصديق خبر أو تكذيبه دون إيقاع الطلاق فتلزم فيه الكفارة عند الحنث كما تلزم في سائر الأيمان واستندوا إلى القياس على ما ورد في قصة ليلى بنت العجماء، ورأوا أن الإلزام بالكفارة فيه جمع بين ما ورد عن السلف من الآثار المختلفة، فكان أولى من إلغائه أو اعتباره طلاقا، إلى آخر ما تقدم من الاستدلال ومناقشة كل فريق لمخالفه. هذا ما تيسر جمعه، والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم. . . .
عضو
…
عضو
…
نائب الرئيس
…
رئيس اللجنة
عبد الله بن سليمان بن منيع
…
عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان
…
عبد الرزاق عفيفي
…
إبراهيم بن محمد آل الشيخ
(1) سورة المائدة الآية 1