الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
البلاغة النبوية وأثرها في النفوس
- الدكتور حسن جاد: (1).
انتقلت لغة العرب بعد الإسلام من حال إلى حال، وتبدلت أوضاعها وسماتها من مظهر إلى مظهر، فلبست ثوبا قشيبا نفذت به من الأسماع إلى القلوب، واستطاعت أن تمازج الأفئدة فتؤثر فيها تأثيرا عجيبا. وذلك بفضل ما أفاضه عليها القرآن من طرائق التعبير، وروائع الأسلوب، وإعجاز الصياغة، وبراعة القصد إلى الهدف. حتى صارت تدخل على القلوب والعقول والأحاسيس دخول المأنوس به، المرغوب فيه. . ثم بما اكتسبته من أسلوب الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وبيانه الساحر، وحكمه البالغة، وبلاغته المؤثرة، وقدرته الفائقة على الاختراع والتشقيق لضروب الكلام، وتصوير المعاني بأروع الصور، وابتداع الأخيلة التي لم تعرف في كلام العرب، وظلت بعده من الحسنات التي لم ينسج الناس على منوالها، ويدبجوا كلامهم على مثالها، دون أن يقتربوا من حدها.
أجل كانت بلاغة الرسول الكريم مضرب المثل، وموضع الدهش، ومحل الإعجاب من كل من سمعه، وأنصت إلى ألفاظه تقطر رقة، وتفيض عذوبة، وأصغى إلى معانيه تطل منها أروع الحكم، وتنبجس خلالها أصدق الأمثال، حتى لقد عجب من ذلك البليغ المنطيق: «علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، نحن بنو أب واحد، ونراك تكلم وفود العرب بما لا نعرفه، فمن علمك؟
(1) الدكتور حسن جاد عميد كلية اللغة العربية جامعة الأزهر القاهرة
فقال صلوات الله وسلامه عليه-: أدبني ربي فأحسن تأديبي».
«وقال له صفيه وصديقه أبو بكر رضي الله عنه: لقد طفت في العرب وسمعت فصحاءهم، فما سمعت أفصح منك» .
وكان عليه الصلاة والسلام يعتز بما منحه الله من نقاء الفطرة، وصفاء القريحة، وخلابة المنطق، ورجاحة الفكر، وسجاحة الأسلوب، فيقول:«أنا أفصح العرب بيد أني من قريش ونشأت في سعد بن بكر» .
ولا غرو، فسفارة بين الخالق والمخلوق تعتمد على المنطق الخلاب، والبيان الجذاب، والحجة المقنعة، والحكمة البالغة، والكلام الذي يملك النفوس، ويأسر الألباب.
وإذا كان العرب أمة البلاغة، وأئمة الفصاحة؛ تعنو لهم أزمة القول، وتنقاد أعنة الكلام، ويهتفون بروائع الخيال، فينصاع لهم عصيه، ويذل لهم أبيه، وينقاد شامسه. وإذا كان الكلام صناعتهم التي بها يباهون ويتشدقون؛ فلا بد أن يكون الرسول الذي يبلغهم عن ربهم، ويهدم عقائدهم الباطلة، ومذاهبهم الزائفة؛ ويغير ما ألفوا من عادات، وما ورثوا من تقاليد. . لا بد أن يكون بيانه أسمى من بيانهم، ومنطقه أبلغ من منطقهم. ومن هنا كان تأييد الله سبحانه له بمعجزة القرآن، وحجة البيان.
ومن هنا كان بيانه- عليه السلام السحر الحلال، والنبع الدافق، والمشرع العذب الذي يتفجر من طبع مهذب مصقول، وفطرة عريقة أصيلة، تساندت في صقلها أقوى العوامل، وتعاونت على إذكائها أبلغ المؤثرات، إذ نشأ وتقلب في أفصح القبائل وأصحها لهجة، وأخلصها منطقا، وأعذبها بيانا، وأرهفها جنانا، وأقومها سليقة.
كان مولده في بني هاشم، وهم ذروة قريش، سلاسة لسان، وفصاحة كلام، وسماحة بيان؛ وأخواله من بني زهرة، ورضاعه في سعد بن بكر، ونشأته في قريش، وتزوج خديجة وهي من بني أسد، وكل هذه قبائل خصها الله بعرق في الفصاحة عريق، وسبب من البلاغة وثيق. . وكان ذلك كله إعدادا من الله لنبيه، لينهض بأتم دعوة، وأكمل رسالة. . وكذلك كان فصيح المنطق، سلس الأسلوب، مونق العبارة، رائع الحكمة، قوي الحجة، بليغ التأثير في النفوس، يحس المرء لكلامه حلاوة العسل، ويستشعر اللذة الفنية التي تهز النفوس، وتثير الأحاسيس، وتأخذ بمجامع القلوب. إذا تكلم خشعت القلوب من جلال العظة، وإذا خطب انقطعت الشبه لبلاغة الحجة، وامتلأت النفوس اقتناعا بالحقيقة، ورضا برأيه، وامتثالا لأمره.
يقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله: لقد رأينا هذه البلاغة النبوية قائمة على أن كل لفظ هو لفظ الحقيقة لا لفظ اللغة، فالعناية فيها بالحقائق، ثم هي تختار ألفاظها اللغوية على منازلها، وبذلك يأتي الكلام كأنه نطق للحقيقة المعبر عنها. ومعلوم أنه- صلى الله عليه وسلم لا يتكلف. ولا يتعمل. . ومع هذا لا تجد في بلاغته موضعا يقبل التنقيح، أو تعرف له رقة من الشأن، كأنما بين الألفاظ ومعانيها في كل بلاغته مقياس وميزان.
ومن هنا نرى أن بلاغة الرسول الكريم وأسلوبه وقوة بيانه وشدة إتقانه وعلو شأنه في اللغة، هي المنح التي يهبها خالق الإنسانية لمن يختاره للسفارة إلى الإنسانية.
وكما عصمه الله من لدن طفولته من الرجس والدنس، وحفظه من شرور الجاهلية وآثامها، كذلك عدل لسانه، وقوم بيانه، وأرهف منطقه، وأفاض عليه من لدنه قوة بيان يستطيع بها أن يناضل عن دعوته، وينافح دون رسالته.
وبعد فهذه صورة رائعة مشرقة من صور بلاغة الهدى النبوي، تمثل لنا ما منحه الله لرسوله من فصاحة القول، وإعجاز البيان، وإصابة الرأي، وقوة الحجة، وبراعة الحجاج، والقدرة القادرة على النفاذ إلى القلوب، والإحاطة بدخائل النفوس، لاستلال ما يخامرها من ريب، أو يداخلها من خوف، حتى يعود لها صفاء الإيمان، وسكينة الرضا، وبرد اليقين:
خطب النبي- صلى الله عليه وسلم في الأنصار عقب غزوة حنين، حينما بلغه أنهم ساخطون على قلة نصيبهم من الغنائم، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه.
«يا معشر الأنصار: ما قالة بلغتني عنكم، وجدة وجدتموها في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف بين قلوبكم؟
قالوا: بلى، الله ورسوله أمن وأفضل،
ثم قال: " ألا تجيبونني يا معشر الأنصار؟
قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ورسوله المن والفضل.
قال صلى الله عليه وسلم: أما والله لو شئتم لقلتم، فلصدقتم ولصدقتم، أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم؟
(1) الحظ المراد به النصيب
(2)
قالة: مقالة يعني كلاما (1)
(3)
جدة بكسر الجيم من الموجدة يعني السخط والغضب (2)
(4)
يعني الفقراء (3)
(5)
بلى: جواب بمعنى نعم في جوانب الاستفهام المنفي (4)
(6)
أمن: من المن وهو إظهار الفضل فهو صاحب النعم وله أن يمن بها وكذلك رسوله (5)
(7)
عائلا: فقيرا محتاجا، آسيناك بمعنى ساعدناك (6)
(8)
اللعاعة بضم اللام النبات الضعيف الصغير والمراد الشيء اليسير، وفي لعاعة أي بسبب لعاعة (7)
ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار ".
فبكى الأنصار حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا (4)».
كان الأنصار من أهم أسباب نصر المسلمين يوم حنين، فقد انهزم المسلمون في بداية الموقعة، ولكن شجاعة الأنصار وسرعة التفافهم حول النبي صلى الله عليه وسلم أعادت إلى المسلمين تماسكهم وإقدامهم فتحقق النصر الكامل لهم. وبعد انتهاء المعركة قسم النبي الغنائم بين المسلمين، فإذا الأنصار أقل الناس نصيبا في حين أنهم كانوا يتوقعون أن يكونوا أعظم المسلمين حظا لما أبلوه وما حققوه من نصر، وعندئذ أخذت تسري همهمة قوية من الفتن والإشاعات بين الأنصار، كان مصدرها ثلاثة أمور:
1 -
شباب الأنصار الذين لا يعرفون حكمة الرسول صلى الله عليه وسلم وأهدافه على حقيقتها فالنبي صلى الله عليه وسلم كان في كل الغنائم والهبات، يراعي أن المال ليس هدفا لذاته، وإنما هو وسيلة يستميل بها النفوس، ويتألف بها القلوب التي لم تعمر بالإيمان بعد، فكان يفيض من العطاء على ضعاف الإيمان، وعلى الذين دخلوا في الإسلام حديثا ليزيد قلوبهم ارتباطا بالدين، أما من يثق بإيمانهم فلم يكن يهتم بعطائهم قل أو كثر.
فراح هؤلاء الشباب يرددون فيما بينهم أنهم لم يأخذوا حقهم من الغنائم.
2 -
كان الأنصار يفزعون لمجرد تصورهم أن النبي صلى الله عليه وسلم سيترك الإقامة في المدينة، وينتقل إلى موطنه الأصلي في مكة حينما يفتحها، وكان النبي- صلى الله عليه وسلم حينئذ قد فتح مكة، واتجه إلى الطائف حيث دارت معركة حنين، والمفروض أنه سيعود إلى مكة، فكان الأنصار يخشون كل الخشية أن يقيم فيها ولا يعود إلى المدينة، فحينما وجدوا نصيبهم من الغنائم قليلا قوي هذا الخوف في نفوسهم.
(1) وكلتكم: تركتكم (8)
(2)
الشعب بكسر الشين الطريق في الجبل (1)
(3)
أخضلوا يعني بللوا بالدموع (2)
(4)
القسم بفتح القاف وسكون السين العطاء ولا جمع له (3)
3 -
كان بين المسلمين منافقون يندسون في خفاء، ومن مصلحتهم دائما إثارة الفتن بين المسلمين، والأوقات العصبية كالحروب هي أنسب الأوقات لنشر الفتن، وبث الإشاعات، حيث تكون النفوس قلقة غير مستقرة، يسهل أن تتقبل أي شيء فانتهز المنافقون هذه الفرصة، وأخذوا يشيعون بين الأنصار هذه الوساوس من تفضيل النبي لقبائل كثيرة محدثة في الإسلام على الأنصار، ومن أنه سيترك المدينة ويقيم بين أهله في مكة، ونحو ذلك مما ملأ نفوس كثير من الأنصار بالمخاوف والوساوس، وعندما أحس النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الفتنة أمر أن يجتمع الأنصار فاجتمعوا وألقى فيهم هذه الخطبة.
من الواضح في الخطبة أنها مقسمة إلى عناصر محددة متميزة، وهذه العناصر تتدرج إلى الغرض المنشود في ترتيب وتنسيق واضحين، ونستطيع الإلمام السريع بهذه العناصر كما يلي:
1 -
في المستوى العالي من الخطابة لا بد للخطيب من (مقدمة) يجعلها منطلقا ومدخلا إلى موضوعه، وتختلف هذه المقدمة من خطبة إلى خطبة باختلاف الموضوع والمناسبة والظروف، ولكن لا بد من أن تكون مثيرة للانتباه، وموضع تسليم السامعين، بحيث يترتب على ذلك أن تكون أساسا لمتابعة موضوع الخطبة حتى النهاية. ومقدرة الخطيب وبلاغته هي التي تحدد طابع هذا التمهيد ونوعه، ولكن التمهيد يكون في أغلب الأحيان مقياسا أو سببا أساسيا لمدى نجاح الخطبة أو فشلها.
والنبي- صلى الله عليه وسلم بدأ خطبته بهذا التمهيد الموجز المركز، الذي يملأ نفوس السامعين اقتناعا وتسليما، فهو يذكرهم في صورة سؤال «ألم آتكم ضلالا فهداكم الله؟ (1)» وليس أحد من الأنصار أو غير الأنصار من المسلمين يشك في أن الرسول هو سبب هدايتهم إلى الله، ولولاه لم يكونوا مسلمين. فهذه حقيقة لا نزاع فيها بين أحد منهم. وكذلك كونهم فقراء فأصبحوا بالغنائم وموارد الإسلام أغنياء، حقيقة أخرى لا ينازعون فيها، وكذلك كونهم كانوا أعداء دائمي التصارع والتقاتل أمر لا يتنازعون فيه لأنه كان واضحا ومعروفا لهم ولغيرهم وكون الرسول- صلى الله عليه وسلم كان سببا في تآلفهم وتآخيهم أمر واضح ومسلم من الجميع.
وإذن فهذه حقائق مسلمة، يذكرهم بها الرسول، ليلفت نظرهم مقدما إلى أنهم مهما كان من جهدهم وتضحيتهم في سبيل الإسلام، فإن فضله عليهم أعظم وأسبق، وحيث كانوا يسلمون بذلك ولا ينازعون فيه، فإن نفوسهم تكون بهذا التمهيد قد بدأت النظر للموضوع نظرة تختلف عن نظرتها قبله، وبهذا يكون من أهم العوامل في تغيير مجرى تفكيرهم، وفي جذبهم إلى موضوع الخطبة بعقل مقتنع مقدما بأن الذي يخاطبهم صاحب أفضال بالغة العظم، ولا يقلل من عظم هذه الأفضال ما يقدمونه له وللإسلام.
(1) صحيح البخاري المغازي (4330)، صحيح مسلم الزكاة (1061)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 42).
فهذا التمهيد ليس من باب المن والتفضل، وإنما هو سرد حقائق واضحة دعت إليها ضرورة التخاصم أو التجادل، وبدون هذا التمهيد يصعب الوصول إلى إقناع بعض السامعين، خاصة في هذا الوقت المضطرب الذي يموج بالفتنة، ومعظمهم حينئذ كان يربط بين نصيبه من الغنيمة ومنزلته في الإسلام وفي نفس الرسول.
2 -
وحتى يقتلع النبي صلى الله عليه وسلم كل جذور الفتنة، وحتى يسد كل منابع الوساوس والهواجس في نفوس الأنصار فقد آثر أن ينهج معهم من حيث الشكل المظهري منهج الخصومة. فقد صورهم في صورة الخصم الذي يدافع عن حقه وعن وجهة نظره، ولكن حكمة الرسول البالغة السمو تجعله ينوب عنهم في هذه الخصومة، مدافعا عنهم، وعارضا وجهة نظرهم كاملة، مع أن المفروض أنها خصومة ضده هو. وذلك ليقتلع من نفوسهم كل الوساوس والشكوك. فصورهم في صورة الخصم الذي يشحذ كل فكره ليستجمع حججه وأسلحته في الخصومة وأخذ هو يعرض هذه الحجج على طريقة العرب في المفاخرة والمنافرة.
وقد آثر النبي صلى الله عليه وسلم أن يخاطبهم بالمألوف والمتداول في المجتمع، حتى يعطيهم حقهم كاملا في الخصومة، وحتى يشعروا بأنهم أدلوا بكل ما لديهم من حجج.
وهذا الوضع هو الذي يريح نفوسهم، ويستل كل ما فيها. ولذلك بعد أن عرض النبي فضله عليهم فيما ساقه من التمهيد، كأنه انتظر أن ينوب عنهم شخص يوضح موقفهم في الخصومة، بأن يعرض فضلهم على الرسول وعلى الإسلام. ولما لم يتقدم أحد، قال صلى الله عليه وسلم:«ألا تجيبوني يا معشر الأنصار (1)» يعني ألا تردون علي كما يرد الخصم على خصمه؟ ولكن الأنصار أبوا أن يقفوا من النبي موقف الخصم، وإذا كل ردهم «بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ورسوله المن والفضل (2)» ولكن حكمة الرسول ونفاذ بصيرته تعلم أن هذه إجابة الإيمان، وإجابة العقل والمنطق، ثم تبقى بعد ذلك في النفس الأمارة بالسوء وساوسها. فلا بد أن يبرز هذه الوساوس على السطح، وذلك بإبراز العوامل أو الأسباب التي تستند إليها.
ولذلك ناب هو عنهم بأبلغ ما كان يمكن أن يتمثلوا به هم، فقال لهم ما مضمونه: إنكم تستطيعون أن تقولوا وأنتم صادقون: إن أهلك وقومك وأقرب الناس منك كذبوك فصدقناك نحن، وأتيتنا مستضعفا مغلوبا فنصرناك، وأتيتنا طريدا فآويناك وأسبغنا عليك الأمن والقوة، وجئتنا فقيرا محتاجا فساعدناك ومسحنا عنك الفقر والفاقة.
ولنا أن نتصور الأنصار وقد أخذت منهم الدهشة، وبلغ منهم الذهول، فهم لو وقفوا من الرسول موقف الخصومة، ومهما حشدوا من حجة، فلن يأتوا بمثل هذه الحجج أو لن يزيدوا عليها في أقصى الفروض.
(1) صحيح البخاري المغازي (4330)، صحيح مسلم الزكاة (1061)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 42).
(2)
مسند أحمد بن حنبل (3/ 77).
وهناك فوق ذلك أمر يملأ نفوسهم عجبا، ويأخذ على قلوبهم وعقولهم كل أقطارها إعجابا بخلق الرسول وحبا له، وهو أن الرسول يشعر بأن الأنصار لهم كل هذه الأفضال والأنعم عليه، فأقصى ما قد يشعر به الأنصار أنهم أحسنوا إلى الرسول وإلى الإسلام، أما هذا الفيض العظيم الذي يعدده الرسول من أفضالهم عليه فهذا ما لم تتحدث به ألسنتهم وإن كان أقصى أمانيهم أن يكون في نفس الرسول شعور بأن لهم هذا الفضل. ومن الواضح حينئذ أن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا العنصر قد جعل نفوس الأنصار وقلوبهم في أقصى حالات التهيؤ والانشراح لكل ما يقول، فقد أذهب كل ما فيها من موجدة. وإذا كان هناك بقية من وساوس فإن أي قول يصدر منه بعد ذلك في معالجة هذه الوساوس سيكون مقبولا. وهذا هو عنصر (التهيؤ).
3 -
وتأتي بعد ذلك مناقشة الموضوع الأساسي للخطبة، وقد أصبحت نفوسهم بالعنصر السابق مستعدة كل الاستعداد لكل ما يقوله الرسول حول هذا الموضوع وأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد جعل المناقشة شاملة على إيجازها، ومستوعبة للموضوع من كل جوانبه كما يلي:
أ- غضب الأنصار لقلة نصيبهم من الغنائم، وتوهمهم أن ذلك قد يصغر من شأنهم بين الناس، وقد ناقش النبي هذا الجانب بعرضه في صورة أدبية تجسده في النفوس، حيث شبه كل هذه الغنائم والأموال التي يتزاحمون عليها بشيء من النبات الضعيف الصغير وهو اللعاعة بضم اللام، مشيرا إلى أن متاع الدنيا كله تافه يسير لا ينبغي أن يكون موضع التزاحم والتخاصم. ثم بين الحكمة في إيثار بعض القبائل الأخرى على الأنصار في أنصبة الغنائم، وهي " تألفت بها قوما ليسلموا " أما الأنصار فهو واثق من إسلامهم، ولذلك لم يكونوا في حاجة إلى أن يعطيهم ما يستميلهم به، ولذلك يقول لهم:" ووكلتكم إلى إسلامكم " فقد ساق لهم النبي في هذه الفقرة ثلاثة معان: أحدها تفاهة متاع الدنيا مهما كثر، والثاني أن كثرة العطاء ليست دليلا على علو الشأن، بل على العكس دليل على عدم الثقة في إيمان معطاها. الثالث أن النبي مطمئن إلى إسلام الأنصار، ولذلك لم يكن في حاجة إلى أن يتألف قلوبهم.
ب- خوف الأنصار من أن يتركهم النبي ويقيم في مكة موطنه الأصلي. فقد سرى الهمس، وتزايدت وساوس الأنصار ومخاوفهم من أن النبي وقد فتح مكة قد يترك المدينة ويعود إليها حيث منبته وأهله ومرتع صباه وشبابه. وهذا المعنى جانب أساسي من الموضوع الذي تعالجه الخطبة.
وهي تحسم هذا المعنى بأسلوب لا تعرف الخطابة أشد منه وقعا في النفوس وأبلغ منه تغلغلا في
المشاعر، فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يكتفي بأن يقول لهم: إنه سيرجع معهم إلى المدينة، وإنما يقارن كسب الأنصار في رجوعه معهم بكسب غيرهم من شياه الغنائم وإبلها، حيث يقول في صورة السؤال الذي يجسد هذا المعنى في نفوسهم:«ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ (1)» .
وبهذا تكون الخطبة قد حسمت الموضوع بصورة تقلب كيان تفكير الأنصار كله، حيث بينت لهم من حيث الغنائم أن أنصبة الغنائم لعاعة تسخر لخدمة الإسلام، فلا ينبغي للمؤمن أن يجعلها هدفا وغاية لجهاده في سبيل الله ومن حيث الإقامة بينت لهم الخطبة عظم نصيبهم إذا قارنوا استئثارهم بشخص النبي في إقامته بينهم بنصيب غيرهم من الإبل والغنم.
ج- وهو لا يكتفي باقتناعهم بأنهم كانوا مخطئين في ظنونهم وهواجسهم، وأنهم من تلقاء أنفسهم سيعودون إلى ما كانوا عليه من حبهم للنبي وتفانيهم في هذا الحب بل يخشى أن يظن الأنصار أن موقفهم هذا قد يغير قليلا أو كثيرا من حب النبي وإيثاره لهم فيؤكد لهم بأكثر من صورة أنه لم يغير رأيه فيهم، ولا موقفه منهم، بل يكشف لهم عن جوانب من حبه لهم لعله لم يكشفها لهم قبل اليوم بهذه الصورة أو بهذه الدرجة من الوضوح، فيقول لهم:«فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا، وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار (2)» فماذا يتمنى الأنصار أبعد من هذا، وأي حلم يراود أمانيهم أعظم من أن الرسول يتمنى أن يكون واحدا منهم لولا أن الهجرة في سبيل الله منزلة رفعها الله وهو فيها، فلا يملك خفض شيء رفعه الله. وأي خيال في الأماني والأحلام راود نفوسهم أعظم من أنهم لو كانوا في طريق والناس جميعا في طريق آخر، فالنبي يترك طريق الناس جميعا ويختار طريقهم؟
د- بل إن الخطبة تراعي أبعد جوانب الموقف واحتمالاته فقد يتوهم بعضهم أن هذا الرضا من جانب النبي منصب على الرجال الكبار من الأنصار الذين تربطهم بالنبي صلة مباشرة وثيقة، وأن الشباب والصغار قد لا يكونون في حسبان النبي أو فيمن يعنيهم بهذه الخطبة، فيبين لهم النبي ضمنا أنهم أيضا في حسبانه وفيمن يعنيهم، بل تذهب الخطبة إلى أبعد الاحتمالات في كسب القلوب، حيث تراعي جيلا قادما من الأنصار لم يوجد بعد. هذا الجيل سينقل إليه هذا الموقف من أجداده الأنصار، وقد يقولون أو يقال لهم لعل النبي وجد في نفسه شيئا من موقف آبائكم أو أن موقف أجدادكم كان كذا وكذا، فالخطبة قد تشير إلى مراعاة هذا المدى البعيد بالإضافة إلى كسب قلوب الأنصار أنفسهم بالدعاء لأبنائهم وأبناء أبنائهم، فيقول لهم صلى الله عليه وسلم:«اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار (3)» .
(1) صحيح البخاري المغازي (4333)، صحيح مسلم الزكاة (1059)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 246).
(2)
صحيح البخاري التمني (7244)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 419).
(3)
مسند أحمد بن حنبل (3/ 77).
هـ - ولهذا كان أبلغ ما أجاب به الأنصار النبي هو دموعهم الغزيرة التي تدفقت من قلوب ملأها الحب والإيمان، وهزها الندم والتأثر، وإذا هذه الدموع تظل تنسكب حتى تبلل اللحى، ثم يقولون:(رضينا برسول الله قسما وحظا).
لاحظ أن الخطبة اشتملت على سمات يحتاجها الأسلوب الخطابي، ويمتاز به من غيره من الأساليب، وقد بلغت الخطبة من هذه السمات الخطابية ذروة واضحة وإذا ذهبنا نتبين أبرز هذه السمات، نجدها كما يلي:
1 -
تخصيص الخطاب: ومما تعتمد عليه الخطبة اعتمادا أساسيا التخصيص في الخطاب، فليس الكلام موجها إلى كل سامع، وإنما هو موجه إلى الأنصار بالذات، بحيث يشعرون أن هذا الكلام خاص بهم، وموجه إليهم، وهذا أساس هام من الأسس التي يمتاز بها أسلوب الخطابة عن غيره من أساليب الأدب، فالأسلوب العادي يكفي فيه أن يكون الكلام موجها إلى أي سامع؛ أما الخطابة فلكي تكون مؤثرة ينبغي أن يشعر السامع أنه معني بهذا الكلام بصفة خاصة، وأن ما يقال موجه إليه دون غيره، أو قبل غيره على الأقل فهذا الشعور يملأ نفس السامع اهتماما وإصغاء. والخطبة تحفل بتذكير الأنصار بأنهم هم المخاطبون فابتدأت بعبارة " يا معشر الأنصار " ثم تكرر هذا التعبير. وتكرر ذكر الأنصار مرات عديدة، وكأن الخطبة تراعي أنهم كلما استغرقوا في تعميق المعاني ومتابعة الخطبة، أعادهم هذا النداء " يا معشر الأنصار " إلى التنبه والتيقظ، فضلا عن إشعارهم بأنهم المخاطبون والمعنيون.
2 -
الأسئلة: ومما تعتمد عليه الخطبة أيضا تكرار توجيه السؤال إلى المخاطبين فإن توجيه الأسئلة إلى السامعين يحقق للخطيب عدة أهداف، منها أن المسئول دائما في موقف أضعف من موقف السائل، من حيث إن السؤال يتطلب جوابا، وليس من المؤكد أن يحسن المسئول كل الإحسان في الإجابة، وإذا أحسن في بعضها فقد يسيء أو يقصر في بعض آخر، وضعف موقف المسئول في ظروف الخطابة يهيئ نفسه للاستجابة، بل إلى الانقياد إذا أحسن الخطيب القياد، ومما تحققه الأسئلة من أهداف أنها توقظ عقول السامعين، وتثير حماسهم واهتمامهم للبحث عن إجابة فيما بينهم وبين أنفسهم، وهذه اليقظة يحتاجها الخطيب ليعوا كلامه وأهدافه، والواقع أن الخطيب لا ينتظر من السامعين الإجابة ولا يتوقعها بل هو الذي سيجيب عن أسئلته، لأنها أسئلة هادفة، صاغها بطريقة معينة في تسلسل وترتيب يؤدي بها عادة إلى إجابة تلقائية يريدها الخطيب.
والخطبة حافلة بالأسئلة العديدة المتنوعة، بل تكاد الأسئلة تكون أبرز ما فيها فقد استهلها النبي - صلى
الله عليه وسلم -: «ما قالة بلغتني عنكم؟ (1)» ثم يواصل الأسئلة: «ألم آتكم ضلالا فهداكم الله؟ " ثم: " ألا تجيبونني يا معشر الأنصار (2)» ؟ " وهكذا.
3 -
التفريغ النفسي: ومما تعتمد عليه الخطبة تفريغ نفوس المخاطبين مما يثقلها فيما يتعلق بالموقف والموضوع، وذلك بموافقة المخاطبين في أهم ما يثير نفوسهم، فالخطبة لا تعارض المخاطبين ولا تخالفهم على طول الخط، فضلا عن أن تخطئهم من كل وجه أو تسفه موقفهم، ولو عمدت أي خطبة إلى هذا المسلك، لما وجدت طريقا واحدا مفتوحا إلى قلوب السامعين. فليس من الحكمة أن يلتزم أي خطيب أسلوب التعارض أو العداء مع المخاطبين، وإلا لأوصد قلوبهم وعقولهم دون كلامه، وإنما الحكمة أن يكتسب عواطفهم أولا بأي صورة، ثم يقودهم إلى الفكرة أو الاتجاه الذي يريد وقد يصل كسب عواطفهم إلى درجة مجاراة السامعين ولو في الخطأ، من باب الافتراض أو الجدل ثم يدور بهم الخطيب المحاور إلى الطريق المنشود، بل إن إبراهيم عليه السلام بلغ من الحكمة إلى درجة أن جارى سامعيه في الكفر شوطا، ليعود بهم إلى طريق الإيمان، لأنه لو عارضهم بادئ ذي بدء فسينفرون منه أما مجاراتهم هذا الشوط فإنها تؤلف بينه وبينهم حيث أصبحوا جميعا في طريق واحد، هو طريق الكفر في بدايته، وقد صور القرآن الكريم هذا الموقف من إبراهيم فيما ساقته سورة الأنعام من قوله تعالى:{فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} (3).
حيث يوافقهم أولا على أن هذا الكوكب هو الإله، ليمضي بهم من هذه النقطة الكافرة إلى طريق الإيمان وهكذا.
وهذه الخطبة التي معنا تمتص كل ما في نفوس المخاطبين من غضب وموجدة، وتفرغ هذه النفوس من كل ما تضيق به بالنسبة لهذا الموقف، حتى لا يبقى جانب أو هاجس يوسوس فيها مع الخطبة أو بعدها، فيسلم لهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم أصحاب فضل عليه وعلى المسلمين ويعدد لهم كل ما في نفوسهم أو أكثر مما في نفوسهم من هذا الفضل، ويسلم لهم ضمنا بأنه أعطى أكثر مما أعطاهم لمن هم دونهم إسلاما وفضلا، ويسلم لهم ضمنا بغير هذا أيضا، وهذه الأمور التي يسلم لهم بها ويوافقهم عليها هي ما تشغل نفوسهم، وتثير مشاعرهم، ولكن هذا التسليم يطفئ كل ما في نفوسهم من حرارة وتوتر، ويجرهم إلى قياده، ولو بقي أمر ذو أهمية يقتنعون به ويخالفهم فيه الخطيب من أساسه دون إقناعهم لظلت نفوسهم في هواجسها، ولكن الخطبة تفرغ كل ما في النفوس، مسلمة به من حيث المبدأ ولكنها تقودهم مع ذلك إلى الطريق المنشود، وكأنه بقوله لهم: أنا مسلم بما تقولون فلست مكذبا لكم، ولا منكرا عليكم هذا، وإنما أنكر
(1) مسند أحمد بن حنبل (3/ 77).
(2)
مسند أحمد بن حنبل (3/ 77).
(3)
سورة الأنعام الآية 76
عليكم ألا تحاولوا فهم الحكمة من وراء ما أفعل.
4 -
الشمول: ومما يعتمد عليه نجاح أي خطبة شمولها واستيعابها لجوانب الموضوع، وموقف كموقف الأنصار الذي تعددت فيه العوامل والهواجس، يحتاج فيه السامعون إلى إجابة عن عدة أسئلة ماثلة في النفوس ولو بقي سؤال واحد لم تعالجه الخطبة لبقيت في النفوس بعض الهواجس والوساوس.
ومن هذه الأسئلة الماثلة في نفوس الأنصار أو نفوس كثير منهم:
لماذا أعطى الرسول أغلبية الناس من الغنائم أكثر مما أعطى الأنصار؟
وهل سيعود الرسول مع الأنصار إلى المدينة أم يستقر في مكة؟
وهل هناك علاقة بين الأنصبة والإيمان، بمعنى أن كثرة النصيب تدل على الإيمان والعكس بالعكس، أم لا توجد بينهما علاقة؟
وهل غضب الأنصار من أجل الغنائم سيترك أثرا في نفس الرسول صلى الله عليه وسلم أم سيظل راضيا عنهم، محبا لهم؟
وقد رأينا فيما سبق كيف أن الخطبة استوعبت كل هذه الجوانب، فأجابت عنها إجابة شاملة مقنعة، ملأت نفوس الأنصار راحة واطمئنانا ورضا، حتى بلغوا من تأثرهم أن تبللت لحاهم بالدموع، ولو بقي شيء من هذه التساؤلات دون أن تناقشه الخطبة أو تجيب عنه لبقيت نفوسهم مهومة بعض التهويم في آفاق التردد والتساؤل.
5 -
الإقناع: ومما يعتمد عليه نجاح الخطبة الإقناع، بمعنى أن يكون منطق الخطيب مقنعا، قوي الحجة، فمن الواضح أن عدم اقتناعهم يفقد الخطبة تأثيرها وقيمتها، حيث لا يتحقق للخطيب ما يهدف إليه من استجابة السامعين.
وفي هذه الخطبة نجد الإقناع يبلغ قمة ما يرجى منه، حيث لا يترك مجالا للتردد أو التساؤل، فضلا عن الخلاف والمعارضة، ويمكن أن نلتمس أبرز جوانب الإقناع فيما يأتي.
1 -
اعتمدت الخطبة على المعاني والجوانب العامة التي يسلم بها الأنصار جميعا مهما تفاوتوا في التفكير أو السن أو حتى درجة التدين، دون الدخول في التفاصيل التي تحتمل الجدل والنقاش.
2 -
أغلق النبي صلى الله عليه وسلم باب الجدل والخلاف حين سلم للأنصار تسليما كاملا، بأهم نقطة اعتمد عليها موقفهم كله، وهي فضلهم في الإسلام، وأياديهم الطولى على المسلمين، فقد كان هذا الشعور في نفوس الأنصار هو مثار الفتنة، حيث حسبوا أن أفضليتهم في الإسلام تقتضي زيادة أنصبتهم من الغنائم، فاعترف لهم النبي بأفضليتهم في صورة لعلها أكبر بكثير مما راود نفوسهم، ولكنه علمهم أن الإيمان شيء، ومتاع الدنيا شيء آخر.
ومع أن كثيرا مما سبق يعتبر في حقيقته مزايا أدبية، إلا أننا نشير هنا إلى الطابع الأدبي الواضح في أسلوب الخطبة من حيث إنه كلام أدبي بصرف النظر عن كونه خطبة أو غير خطبة. ومن هذه المزايا الأدبية:
1 -
الإيجاز: فمن الواضح في الخطبة هذا الإيجاز المستوعب، فإننا لو تأملنا لوجدناها تعرض مجملا لتاريخ الإسلام في مكة، وفي المدينة خلال حياة النبي صلى الله عليه وسلم ثم جوانب من الخلق العظيم الذي تحلى به صلوات الله عليه، ومن آثاره هذا الوفاء العظيم الذي يحمله للأنصار، وكل ذلك تعرضه الخطبة واضحا مفصلا في هذا الإيجاز البليغ.
2 -
تحديد العناصر: ومن الواضح في الخطبة تحديد عناصرها، وعدم تداخل هذه العناصر أو تكرار شيء منها، وهذا التمايز بين العناصر يعين السامع على حسن الاستيعاب، ويجعل المعاني واضحة بارزة مؤثرة.
3 -
تجسيد المعاني: ومن أهم ما يتميز به الطابع الأدبي للخطبة تصويرها للمعاني في قوالب تجعلها مجسدة في ذهن السامع، وكأنها حينئذ ليست معاني فحسب، وإنما هي شخوص ماثلة أو مناظر محددة مرئية، ومن ذلك حديثه عن الغنائم التي أثارت الموجدة في نفوسهم فلم يذكرها قط حينئذ بأنها غنائم أو مال أو نحو ذلك، وإنما كان كل حديثه عنها بأنها «لعاعة من الدنيا (1)» والسامعون يعرفون أن اللعاعة بضم اللام نبات ضعيف صغير، فتمحى من أذهانهم صورة الغنائم ببريقها وإغرائها، ولا يبقى فيها إلا صورة هذا النبات الضعيف الذي لا يستحق التنافس عليه.
(1) مسند أحمد بن حنبل (3/ 77).
ومن تجسيد المعاني في الخطبة هذه المقارنة بين نصيب الأنصار وغيرهم من سائر الناس، والمقارنة حقيقية وواقعية، ولكن الطريف المثير هو تصويرها، فقد صور النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار في جانب والناس في جانب، وقد أخذوا جميعا نصيبهم فأما الأنصار فكان نصيبهم شخص النبي نفسه. فأخذوه ورجعوا به إلى رحالهم، وأما أنصبة الناس فكانت شياها وبعرانا، هذا يعود إلى رحله بشاة، وذلك يعود ببعير، ولنتأمل أي روعة بيانية، وأي تأثير عاطفي، تثيره هذه المقارنة في نفوس الأنصار حين يتصورون مجرد تصوير، هذه المقابلة بين نصيبهم العظيم، وتفاهة أي نصيب آخر حينئذ مهما عظم.
ومن هذا التجسيد للمعاني تعبيره صلى الله عليه وسلم عن ميله للأنصار وإيثاره لصحبتهم على صحبة سائر الناس، فقد جسدت الخطبة صورة أخرى من صور المقارنة بين الأنصار وغيرهم افتراضا. فالأنصار وحدهم في طريق، والناس جميعا يسلكون طريقا آخر، وإذا النبي يؤثر طريق الأنصار على كل طريق آخر وهذه مقابلة أخرى ترتسم مجسمة في نفوس الأنصار، حين يتمثلون أنفسهم في طريق خاصة بهم، وقد انحاز إليهم النبي صلى الله عليه وسلم والناس جميعا محرومون مما حظي به الأنصار.
والخطبة بعد ذلك مليئة بالأساليب البلاغية والصور الفنية الرائعة.
لاحظ الاستفهام في " ألم آتكم ضلالا إلخ " وغرضه التقريري:
ولاحظ التوافق الموسيقي في تقسيم الجمل، وما فيها من مقابلات «ألم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله (1)» . . إلخ.
وكيف أسند الهداية والغنى وتأليف القلوب إلى الله، مع أنه يبين موقفه منهم: إنه يشير بهذا إلى أن ذلك فضل الله، وأنه بشر مثلهم، ولكنه يتصرف بإلهام منه، واستهداف لرضاه.
وفي الخطبة من أساليب التأكيد اللازمة للإقناع مثل " أما والله- فوالذي نفس محمد بيده. . إلخ ". وفي التعبير بلفظ " معشر " في " يا معشر الأنصار " استمالة لهم وإشعار بأنهم معشره وهو منهم.
وفي " والذي نفس محمد بيده " كناية عن الله سبحانه.
هكذا نرى الهدي النبوي في أروع صوره، ونتمثل بلاغته في قمة إعجازها، ونستجلي حكمته البالغة في المثل الصائب، والحجة المقنعة، والكياسة الرشيدة، والقيادة الحكيمة لأزمة النفوس الشاردة، وأعنة القلوب الجامحة. . . صلى الله عليك يا خاتم الأنبياء، وأفصح الفصحاء.
(1) مسند أحمد بن حنبل (3/ 77).
رواه مسلم
اسم أبي دجانة: سماك بن خرشة. قوله أحجم القوم":
أي توقفوا. وفلق به": أي شق " هام المشركين" أي رءوسهم.
(1) صحيح مسلم فضائل الصحابة (2470)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 123).