الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بينهما جماعة من أهل العلم فجعلوا لرمي جمرة العقبة وقتين وقت فضيلة ووقت جواز وحملوا حديث ابن عباس على وقت الفضيلة وحديث عائشة على وقت الجواز وله وجه من النظر.
أما الذكور الأقوياء فلم يرد في الكتاب ولا السنة دليل يدل على جواز رميهم جمرة العقبة قبل طلوع الشمس لأن جميع الأحاديث الواردة في الترخيص في ذلك كلها في الضعفة وليس شيء منها في الأقوياء الذكور. انتهى المقصود.
المسألة الثانية: حكم
رمي جمرة العقبة ليلة النفر
، في هذه المسألة مذهبان
المذهب الأول
إن غربت الشمس يوم النحر وهو لم يرم جمرة العقبة فإنه يرميها
قال (1) الطحاوي وقال أبو حنيفة: إن ترك رجل رمي جمرة العقبة في يوم النحر ثم رماها في الليلة التي بعده فلا شيء عليه، وإن لم يرمها حتى أصبح من غده رماها وعليه دم لتأخيره إياها إلى خروج وقتها وهو طلوع الفجر من يومئذ انتهى.
وقال (2) الكاساني: فإن لم يرم حتى غربت الشمس فيرمي قبل طلوع الفجر من اليوم الثاني أجزأ، ولا شيء عليه في قول أصحابنا انتهى.
هذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه.
وأما مذهب مالك فقد جاء في المدونة (3) هذا النص: ما قول مالك فيمن ترك رمي جمرة العقبة يوم النحر حتى الليل؟ قال مالك: من أصابه مثل ما أصاب صفية حين احتبست على ابنة أخيها فأتت بعدما غابت الشمس فرمت ولم يبلغنا أن ابن عمر أمرهما في ذلك بشيء. قال مالك: وأما أنا فأرى على من كان في مثل حال صفية ولم يرم حتى غابت الشمس أن عليه الدم، قال مالك: من ترك رمي جمرة العقبة حتى تغيب الشمس فعليه دم. . .
قلت: أرأيت إن ترك بعض رمي جمرة العقبة من يوم النحر ترك حصاة أو حصاتين حتى غابت الشمس؟ قال: قال مالك: يرمي ما ترك من رميه ولا يستأنف جميع الرمي ولكن يرمي ما نسي من عدد الحصا. قلت: فهل عليه دم؟ قال ابن القاسم: قد اختلف قوله في هذا، وأحب إلي أن يكون عليه دم.
قلت: فيرمي ليلا في قول مالك هذا الذي ترك من رمي جمرة العقبة شيئا أو ترك الجمرة كلها؟ قال: نعم يرميها في قول مالك ليلا. قلت: فيكون عليه الدم قال: كان مالك مرة يرى ذلك عليه، ومرة لا يرى ذلك عليه. انتهى.
وأما المذهب الشافعي فقد نص (4) الشافعي على أنه يرمي ليلا ولا شيء عليه وقال (5) النووي لو ترك رمي
(1) شرح معاني الآثار 1/ 415
(2)
بدائع الصنائع 2/ 137
(3)
المدونة 1/ 323
(4)
الأم للشافعي 2/ 181
(5)
الإيضاح / 406
جمرة العقبة فالأصح أنه يتداركه
في الليل وفي أيام التشريق ويشترط فيه الترتيب فيقدمه على أيام التشريق ويكون أداء على الأصح وإذا قلنا بالأصح: إن المتدارك أداء لا قضاء كان تعجيل كل يوم للمقدار المأمور به وقت اختيار وفضيلة كأوقات الاختيار للصلاة. انتهى.
هذا ما تيسر تفصيله للمذاهب الثلاثة فهم متفقون على رميها لكن هل هو قضاء أو أداء وهل فيه دم أو لا شيء فيه؟ بينهم خلاف كما سبق.
* واستدل لقولهم بجواز رميها بعد غروب الشمس بأدلة:
الأول عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل يوم النحر بمنى فيقول: لا حرج، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح. قال: " اذبح ولا حرج" فقال: رميت بعدما أمسيت. فقال: " لا حرج" (1)» . رواه البخاري. وقد بسط (2) الشيخ محمد الأمين الشنقيطي الكلام على هذا الدليل فنسوق المقصود من كلامه. فقالوا: قد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بأن من رمى بعدما أمسى لا حرج عليه واسم المساء يصدق بجزء من الليل.
ورد هذا الاستدلال بأن مراد السائل بقوله: بعدما أمسيت يعني به بعد زوال الشمس في آخر النهار قبل الليل.
* قالوا: والدليل الواضح على ذلك أن حديث ابن عباس المذكور «كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل يوم النحر بمنى (3)» . الحديث.
فتصريحه بقوله يوم النحر. يدل على أن السؤال وقع في النهار والرمي بعد الإمساء يطلق لغة على ما بعد وقت الظهر إلى الليل.
قال ابن حجر في فتح الباري في شرح الحديث المذكور قال: رميت بعدما أمسيت أي بعد دخول المساء وهو يطلق على ما بعد الزوال إلى أن يشتد الظلام فلم يتعين لكون الرمي المذكور كان بالليل. انتهى.
* وقال ابن منظور في لسان العرب: المساء بعد الظهر إلى صلاة المغرب وقال بعضهم إلى نصف الليل.
* قالوا فالحديث صريح في أن المراد بالمساء فيه آخر النهار بعد الزوال لا الليل وإذا فلا حجة فيه للرمي ليلا.
* وأجاب القائلون بجواز الرمي ليلا عن هذا بأجوبة:
الأول منها قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا حرج " بعد قول السائل: رميت بعدما أمسيت. يشمل لفظه نفي الحرج عمن رمى بعدما أمسى وخصوص سببه بالنهار لا عبرة به لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، ولفظ المساء عام لجزء من النهار وجزء من الليل وسبب ورود الحديث المذكور خاص بالنهار.
(1) صحيح البخاري الحج (1735)، صحيح مسلم الحج (1307)، سنن النسائي مناسك الحج (3067)، سنن أبو داود المناسك (1983)، سنن ابن ماجه المناسك (3050)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 291).
(2)
أضواء البيان 5/ 281 - 285
(3)
صحيح البخاري الحج (1735)، صحيح مسلم الحج (1307)، سنن النسائي مناسك الحج (3067)، سنن أبو داود المناسك (1983)، سنن ابن ماجه المناسك (3050)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 291).
الجواب الثاني أنه ثبت في بعض روايات حديث ابن عباس رضي الله عنهما المذكور ما هو أعم من يوم النحر وهو صادق قطعا بحسب الوضع اللغوي ببعض أيام التشريق، ومعلوم أن الرمي فيه لا يكون إلا بعد الزوال فقول السائل في بعض أيام التشريق ": رميت بعدما أمسيت" لا ينصرف إلا إلى الليل لأن الرمي فيها بعد الزوال معلوم فلا يسأل عنه صحابي.
قال أبو عبد الرحمن النسائي في سننه أخبرنا محمد بن عبد الله بن بزيع قال: حدثنا يزيد هو ابن زريق قال حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أيام منى فيقول " لا حرج" فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح. قال " لا حرج" فقال رجل: رميت بعدما أمسيت. قال " لا حرج (1)» وهذا الحديث صحيح الإسناد كما ترى لأن طبقته الأولى محمد بن عبد الله بن بزيع وهو ثقة معروف وهو من رجال مسلم في صحيحه وبقية إسناده هي بعينها إسناد البخاري الذي ذكرناه آنفا وقوله في هذا الحديث صحيح أيام منى بصيغة الجمع صادق بأكثر من يوم واحد فهو صادق بحسب وضع اللغة ببعض أيام التشريق والسؤال عن الرمي بعد المساء فيها لا ينصرف إلا إلى الليل فإن قيل: صيغة الجمع في رواية النسائي تخصص بيوم النحر الوارد في رواية البخاري فيحمل ذلك الجمع على المفرد نظرا لتخصصه به ويؤيد ذلك أن في رواية أبي داود وابن ماجه لحديث ابن عباس المذكور يوم منى بالإفراد.
فالجواب أن المقرر في الأصول أن ذكر بعض أفراد العام لا يخصصه على مذهب الجمهور خلافا لأبي ثور (2) سواء كان العام وبعض أفراده المذكور بحكمه في نص واحد أو نصين. . .
وللمخالفين القائلين لا يجوز الرمي ليلا أن يردوا هذا الاستدلال فيقولوا: رواية النسائي العامة في أيام منى فيها «أنه كان يسأل فيها فيقول " لا حرج (3)» وأنه «سأله رجل فقال: رميت بعدما أمسيت. فقال: لا حرج (4)» ولم يعين اليوم الذي قال فيه: رميت بعدما أمسيت وعموم أيام منى صادق بيوم النحر وقد بينت رواية البخاري أن ذلك السؤال وقع في خصوص يوم النحر أيام منى ولا ينافي ذلك أنه قال " لا حرج" في أشياء أخر في بقية أيام منى وغاية ذلك أن أيام منى عام، ورواية البخاري عينت اليوم الذي قال فيه: رميت بعدما أمسيت.
الجواب الثالث هو ما قدمناه في الموطأ عن ابن عمر من أنه أمر زوجته صفية بنت أبي عبيد وابنة أخيها برمي الجمرة بعد الغروب، ورأى أنهما لا شيء عليهما في ذلك، وذلك يدل على أنه علم من النبي صلى الله عليه وسلم أن الرمي جائز ليلا. انتهى.
وقد يقال: إن صفية وابنة أخيها كان لهما عذران لأن ابنة أخيها عذرها النفاس ليلة المزدلفة وهي عذرها معاونة ابنة أخيها (5). انتهى المقصود.
(1) صحيح البخاري الحج (1735)، صحيح مسلم الحج (1307)، سنن النسائي مناسك الحج (3067)، سنن أبو داود المناسك (1983)، سنن ابن ماجه المناسك (3050)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 291).
(2)
يريد بذلك أنه لا يخصصه إذا كان متفقا معه في حكمه
(3)
صحيح البخاري الحج (1735)، صحيح مسلم الحج (1307)، سنن النسائي مناسك الحج (3067)، سنن أبو داود المناسك (1983)، سنن ابن ماجه المناسك (3050)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 291).
(4)
صحيح البخاري الحج (1735)، صحيح مسلم الحج (1307)، سنن النسائي مناسك الحج (3067)، سنن أبو داود المناسك (1983)، سنن ابن ماجه المناسك (3050)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 291).
(5)
أضواء البيان 5/ 288 / 285
الدليل الثاني عن أبي بكر بن نافع عن أبيه أن ابنة أخ لصفية بنت أبي عبيد نفست بالمزدلفة فتخلفت هي وصفية حتى أتتا منى بعد أن غربت الشمس من يوم النحر فأمرهما عبد الله بن عمر أن ترميا الجمرة حين أتتا ولم ير عليهما شيئا. رواه مالك في الموطأ، وابن أبي شيبة في المصنف وقد سبق بيان وجه الاستدلال منه.
الدليل الثالث عن ابن جريج عن عمرو قال: أخبرني من رأى بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ترمي غربت أو لم تغرب رواه أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف.
الدليل الرابع ما رواه الثوري عن رجل عن نافع قال: قال ابن عمر: إذا نسيت رمي الجمرة يوم النحر إلى الليل فارمها بالليل، وإذا كان من الغد فنسيت الجمار حتى الليل فلا ترمه حتى يكون من الغد عند زوال الشمس ارم الأول فالأول، ورواه عبيد الله عن نافع عن عمر مختصرا بلفظ " من نسي أيام الجمار وقال رمي الجمار إلى الليل فلا يرم حتى تزول الشمس من الغد رواه البيهقي في السنن الكبرى.
الدليل الخامس عن عطاء بن أبي رباح قال سمعت ابن عباس يقول: قال رسول صلى الله عليه وسلم: «الراعي يرمي بالليل ويرعى بالنهار» رواه البيهقي في السنن والطحاوي في شرح معاني الآثار (1) وأورد على هذا الاستدلال بأنه رخص لهم للعذر (2).
وأجيب بأنه ما كان لهم عذر لأنه كان يمكن أن يستنيب بعضهم بعضا فيأتي بالنهار فيرمي فثبت أن الإباحة كانت لغير عذر فيدل على الجواز مطلقا.
(1) المنتقى 3/ 51
(2)
بدائع الصنائع 2/ 137
المذهب الثاني
إذا غربت الشمس من يوم النحر وهو لم يرم جمرة العقبة فلا يرميها إلا من الغد بعد الزوال، وهذا مذهب أحمد والرواية الثانية عن الشافعي.
واستدل لهذا بأن ابن عمر رضي الله عنه قال: من فاته الرمي حتى تغيب الشمس فلا يرم حتى تزول الشمس من الغد. وقد سبق أنه رواه البيهقي، وهذا الأثر معارض بما تقدم ذكره عن ابن عمر ففيه فرق بين رمي جمرة العقبة يوم النحر، ورمي غيرها وهو الدليل الرابع من أدلة القائلين بجواز رميها في ليلة القر.