الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأما من بعد هذين العصرين فمذاهبهم معروفة مشهورة كلها تشهد بصحة هذا القول كأبي حنيفة وسفيان الثوري ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور وابن المنذر وابن جرير الطبري وهذه مذاهبهم منقولة بين يدينا ولم يختلفوا في هذه المسألة.
يتبين مما تقدم أمران:
الأول أن الرجل إذا علق طلاق زوجته على شيء فتعليقه معتبر ويقع طلاقه عند وجود ما علق به، سواء قصد بذلك إيقاع الطلاق أم قصد اليمين حثا أو منعا أو تصديقا لخبر أو تكذيبا له، واستدلوا على ذلك بأدلة منها حديث «المؤمنون عند شروطهم» ومنها قياس الطلاق على العتق بجامع ما لكل منهما من قوة وسراية، ومنها اعتبار الكتاب والسنة للتعليقات مطلقا من القطع بحصول المشروط فيها عند وجود شرطه، ومنها ما نقله الأئمة من إجماع الأمة على إيقاع الطلاق المعلق عند وجود المعلق عليه سواء كان التعليق على وجه اليمين أم لا. إلى آخر الوجوه التي ذكرها تقي الدين السبكي في الاستدلال على ما تقدم، ويناقش ذلك بما يأتي نقله عن ابن تيمية وابن القيم.
الأمر الثاني أن الرجل إذا علق طلاق أجنبية منه على نكاحها فتعليقه لغو، ولا يقع طلاقه عند زواجه بها، بناء على أنها أجنبية منه وقت التعليق، وأن التعليق إيقاع لا يمين كما تقدم بيانه نقلا عن ابن الهمام عند ذكر مذهب الحنفية. . وما وراء هذا من اقتضاء صيغ التعليق للفور أو التكرار وعدم اقتضائها لذلك ومن وقوع المعلق على نفي الفعل عند اليأس منه أو عند مضي زمن يمكن فيه الفعل فلا تعلق له بأصل البحث المطلوب إعداده.
د-
المذهب الحنبلي
1 -
قال (1) شيخ الإسلام: قال إسماعيل بن سعيد الشالنجي: سألت أحمد بن حنبل عن الرجل يقول لابنه: " إن كلمتك فامرأتي طالق، وعبدي حر ". قال: لا يقوم هذا مقام اليمين ويلزمه ذلك في الغضب والرضا.
2 -
وقال (2) أيضا: وما وجدت أحدا من العلماء المشاهير بلغه في هذه المسألة من العلم المأثور عن الصحابة ما بلغ أحمد، فقال المروزي، قال أبو عبد الله: إذا قال: كل مملوك له حر فيعتق عليه إذا حنث لأن
(1) القواعد النورانية / 236
(2)
القواعد النورانية / 237
الطلاق والعتق ليس فيهما كفارة وقال: ليس يقول: كل مملوك لها حر- في حديث ليلى بنت العجماء حديث أبي رافع، أنها سألت ابن عمر وحفصة وزينب وذكرت العتق فأمروها بالكفارة إلا التيمي، وأما حميد وغيره فلم يذكروا العتق، قال: سألت أبا عبد الله عن حديث أبي رافع - قصة حلف مولاته ليفارقن امرأته وأنها سألت ابن عمر وحفصة فأمروها بكفارة يمين قلت: فيها شيء؟ قال: نعم، أذهب إلى أن فيه كفارة يمين، قال أبو عبد الله ليس يقول فيه:" كل مملوك" إلا التيمي قلت: فإذا حلف بعتق مملوكه فحنث، قال: يعتق، كذا يروى عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا: الجارية تعتق، ثم قال: سمعناه إلا من عبد الرزاق إسماعيل بن أمية وأيوب بن موسى وهما مكيان، وقد فرقا بين الحلف بالطلاق والعتق، والحلف بالنذر لأنهما لا يكفران واتبع ما بلغه في ذلك عن ابن عمر وحفصة وزينب مع انفراد التيمي بهذه الزيادة، وقال صالح بن أحمد قال أبي: وإذا قال: جاريتي حرة إن كان كذا وكذا، قال: قال ابن عمر وابن عباس تعتق، وإذا قال: كل مالي في المساكين لم يدخل فيه جاريته فإن هذا لا يشبه هذا، ألا ترى أن ابن عمر فرق بينهما العتق والطلاق لا يكفران.
3 -
وقال (1) أيضا: وأما قول القائل إن العتق انفرد به التيمي فعنده جوابان:
أحدهما: أنه لم ينفرد به بل تابعه عليه أشعث، وجسر بن الحسن، وأحمد ذكر أنه لم يبلغه العتق إلا من طريق التيمي وقد بلغ غيره من طريق أخرى ثانية، ومن طريق ثالثة أيضا شاهدة وعاضدة.
الثاني: أن التيمي أجل من روى هذا الأثر عن بكر وأفقههم فانفراده به لا يقدح فيه، ألا ترى أن منهم من ذكر فيه ما لم يذكره الآخرون ومنهم من بسطه ومنهم من استوفاه، وقد روى عن التيمي مثل يحيى بن سعيد القطان، ومثل ابنة المعتمر وغيرهما، واتفقوا عنه على لفظ واحد فدل على ضبطه وإتقانه.
4 -
وقال (2) أيضا: وأما أحمد فبلغه أثر في الحلف بالعتق في حديث ليلى بنت العجماء لكن لم يبلغه إلا من وجه واحد، فظن أن التيمي انفرد به، فكان ذلك علة فيه عنده، وعارضه بأثر آخر روي عن ابن عمر وابن عباس. . وقد ذكرت في غير هذا الموضع حديث ليلى بنت العجماء، وأنه روي من ثلاثة أوجه وأنه على شرط الصحيحين، وممن رواه أبو بكر الأثرم في مسائله عن أحمد. . . الخ.
5 -
وقال (3) أيضا وأما معارضة ذلك بما روي عن ابن عمر وابن عباس فعنه أجوبة، هذا ملخصها:
(1) نظرية العقد / 136
(2)
نظرية العقد / 118
(3)
نظرية العقد / 137
أحدها: أن ذلك المنقول ليس فيه حجة فإن فيه أنها حلفت بالعتق وأيمان أخرى فأفتيت في الجميع باللزوم ليس فيه أن ابن عمر وابن عباس أفتيا بالفرق بين العتق وبين غيره من الأيمان بل فيه أنهم سووا بين ذلك وفي بعض طرقه أنه كان معهم ابن الزبير. . إلخ.
الثاني: أن هذا الحديث هو الذي ذكره الهندواني من الحنفية أن لزوم نذر اللجاج والغضب هو قول العبادلة ابن عمر وابن عباس وابن الزبير، وأنكر الناس ذلك عليه، وطعنوا في ذلك، فإن كان هذا الحديث صحيحا ثبت ما نقله الهندواني وإن لم يكن صحيحا لم يكن لأحد أن يحتج به.
الثالث: أنه بتقدير ثبوته - يكون الصحابة متنازعين في جنس هذه التعليقات التي هي من جنس نذر اللجاج والغضب. . إلخ.
الرابع: أن هؤلاء الذين نقل عنهم في هذا الجواب أنهم ألزموا الحالف ما حلف به قد ثبت عنهم نقيض ذلك، فثبت عن ابن عباس من غير وجه أنه أفتى بكفارة يمين في هذه الأيمان، وكذلك ابن عمر فغاية الأمر أن يكون عنهما روايتان، وأما عائشة وحفصة وزينب وعمر بن الخطاب فلم ينقل عنهم إلا أنها أيمان مكفرة، فمن اختلف عنه سقط قوله، ويبقى الذين لم يختلف عنهم.
الخامس: أن هذا الحديث لا تقوم به حجة لأن راويه لم يعلم أنه حافظ وإنما كان قاصا، وإذا لم يثبت حفظ الناقل لم يؤمن غلطه، فلا يقبل ما ينفرد به، لا سيما إذا خالف الثقات.
السادس: أنه قد ثبت عن هؤلاء الصحابة بنقل الثقات من الطرق المتعددة ما يخالف نقل عثمان بن حاضر فدل ذلك على أنه غلط فيما رواه.
السابع: أن غاية هذا أنه نقل عن بعض الصحابة الفرق بين العتق وغيره، وقد نقل عن هذا وعن غيره التسوية بينهما، فلو كان النقلان ثابتين لكان مسألة نزاع بين الصحابة، فكيف إذا كان هذا النقل أثبت والصحابة الذين فيه أكثر وأفضل والذين في ذلك هم في هذا وزيادة.
الثامن: أن فيه من الخطأ ما يدل على أنه لم يحفظ فلفظ حديث عبد الرزاق - وساقه إلى آخره وقال بعد ذلك - وهذا اللفظ فيه أنهما أفتيا بلزوم ما حلفت به فأوقعا العتق وقالا في المال بإجزاء زكاته لا بكفارة يمين، وهذا القول لا يعرف عن أحد قبل ربيعة بن أبي عبد الرحمن، بل أهل العلم بأقوال العلماء كالمتفقين على أنه لم يقله أحد قبل ربيعة، وقد ثبت بالنقول الصحيحة عن ابن عباس أنه كان يأمر في ذلك بكفارة يمين وكذلك عن ابن عمر.
6 -
قال (1) ابن قدامة: اختلف أصحابنا في الحلف بالطلاق، فقال القاضي في الجامع وأبو الخطاب " هو تعليقه على شرط أي شرط كان، إلا قوله: إذا شئت فأنت طالق ونحوه فإنه تمليك، وإذا حضت فأنت طالق فإنه طلاق بدعة وإذا طهرت فأنت طالق فإنه طلاق سنة، وهذا قول أبي حنيفة؛ لأن ذلك يسمى حلفا عرفا فيتعلق به الحكم، كما لو قال إن دخلت الدار فأنت طالق، ولأن في الشرط معنى القسم من حيث كونه جملة غير مستقلة دون الجواب فأشبه قوله: والله وبالله وتالله، وقال القاضي في المجرد: هو تعليقه على شرط يقصد به الحث على الفعل أو المنع منه كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق، أو إن لم تدخلي فأنت طالق أو على تصديق خبره مثل قوله: أنت طالق قدم زيد أو لم يقدم، فأما التعليق على غير ذلك كقوله: أنت طالق إن طلعت الشمس أو قدم الحاج أو إن لم يقدم السلطان فهو شرط محض ليس بحلف؛ لأن حقيقة الحلف القسم وإنما سمي تعليق الطلاق على شرط حلفا تجوزا لمشاركته الحلف في المعنى المشهور وهو الحث أو المنع أو تأكيد الخبر نحو قوله: والله لأفعلن أو لا أفعل أو قد فعلت أو لم أفعل وما لم يوجد فيه هذا المعنى لا يصح تسميته حلفا وهذا مذهب الشافعي فإذا قال لزوجته إذا حلفت بطلاقك فأنت طالق ثم قال إذا طلعت الشمس فأنت طالق لم تطلق في الحال على القول الثاني لأنه ليس بحلف، وتطلق على الأول لأنه حلف وإن قال كلما كلمت أباك فأنت طالق طلقت على القولين جميعا لأنه علق طلاقها على شرط يمكن فعله وتركه فكان حلفا كما لو قال إن دخلت الدار فأنت طالق، وإن قال: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق ثم أعاد ذلك طلقت واحدة كلما أعاد مرة طلقت حتى تكمل الثلاث؛ لأن كل مرة يوجد بها شرط الطلاق وينعقد شرط طلقة أخرى، وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي.
وقال أبو ثور: ليس ذلك بحلف ولا يقع الطلاق بتكراره لأنه تكرار للكلام فيكون تأكيدا لا حلفا. . ولنا أنه تعليق للطلاق على شرط يمكن فعله وتركه فكان حلفا كما لو قال إن دخلت الدار فأنت طالق. وقوله: إنه تكرار للكلام حجة عليه، فإن تكرار الشيء عبارة عن وجوده مرة أخرى فإذا كان في الأول حلفا فوجد مرة أخرى فقد وجد الحلف مرة أخرى، وأما التأكيد فإنما يحمل عليه الكلام المكرر إذا قصده وهاهنا إن قصد إفهامها لم يقع بالثاني شيء كما لو قال أنت طالق أنت طالق يعني بالثانية إفهامها فأما إن كرر ذلك لغير مدخول بها بانت بطلقة ولم يقع أكثر منها فإذا قال لها ذلك ثلاثا بانت بالمرة الثانية ولم تطلق بالثالثة فإن جدد نكاحها ثم أعاد ذلك لها أو قال لها: إن تكلمت فأنت طالق أو نحو ذلك لم تطلق بذلك؛ لأن شرط طلاقها إنما كان بعد بينونتها.
7 -
وقال أيضا باب تعليق الطلاق بالشروط: يصح ذلك من الزوج ولا يصح من الأجنبي فلو قال إن تزوجت فلانة أو إن تزوجت امرأة فهي طالق لم تطلق إذا تزوجها وعنه تطلق وإن قال لأجنبية إن قمت فأنت طالق فتزوجها ثم قامت لم تطلق رواية واحدة.
8 -
ومن (2) حاشية المقنع ما نصه: قوله: ولا يصح من الأجنبي فلو قال إلخ، اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله تعالى في هذه المسألة فالمشهور عنه أنه لا يقع وهو المذهب وهو قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن
(1) المغني ومعه الشرح 8/ 334
(2)
المقنع وحاشيته بخط الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب 3/ 177
سعيد بن المسيب وبه قال عطاء والحسن وعروة وجابر بن زيد وسوار القاضي والشافعي وأبو ثور وابن المنذر، ورواه الترمذي عن علي رضي الله عنه وجابر بن عبد الله وسعيد بن جبير وعلي بن الحسين وشريح، وروي عن أحمد ما يدل على وقوع الطلاق، قال في الفروع وعنه صحة قوله لزوجته من تزوجت عليك فهي طالق أو قوله لعتيقته إن تزوجتك فأنت طالق أو قال لرجعيته إن راجعتك فأنت طالق ثلاثا أراد التغليظ عليها وهذا قول الثوري وأصحاب الرأي لأنه يصح تعليقه على الأخطار فصح تعليقه على حدوث الملك كالوصية، والأول أصح لقوله: عليه الصلاة والسلام «لا طلاق ولا عتاق لابن آدم فيما لا يملك (1)» رواه أحمد وأبو داود والترمذي بإسناد جيد من حديث عمرو بن شعيب، قال الترمذي حديث حسن وهو أحسن شيء في الباب، ورواه الدارقطني وغيره من حديث عائشة رضي الله عنها وزاد وإن عينها، وعن المسور مرفوعا قال:«لا طلاق قبل نكاح ولا عتق قبل ملك (2)» رواه ابن ماجه بإسناد حسن قال أحمد رحمه الله تعالى هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم وعدة من أصحابه.
9 -
وقال (3) علي بن سليمان المرداوي على قول الموفق: " ولا يصح من الأجنبي إلخ " قال هذا المذهب وعليه الأصحاب ونص عليه - ثم ساق ما يدل على الوقوع -.
10 -
وقال (4) عبد الله بن محمد بن مفلح " يصح مع تقدم الشرط " و " كعتق على وجه النذر " ع " أولا، وكذا إن تأخر وعنه يتنجز. ونقله ابن هانئ في العتق قال شيخنا وتأخر القسم، كأنت طالق لأفعلن كالشرط، وأولى بأن لا يلحق، وذكر ابن عقيل في أنت طالق وكرره أربعا ثم قال عقب الرابعة إن قمت طلقت ثلاثا؛ لأنه لا يجوز تعليق ما لم يملك بشرط، ويصح بصريحه وبكنايته، مع قصده من زوج، وتعليقه من أجنبي كتعليقه عتقا بملك، والمذهب لا يصح مطلقا قاله القاضي وغيره، وعنه صحة قوله لزوجته من تزوجت عليك فهي طالق أو لعتيقته إن تزوجتك فأنت طالق أو لرجعيته إن راجعتك فأنت طالق ثلاثا وأراد التغليظ عليها وجزم به في الرعاية وغيرها في الأوليين قال أحمد في العتيقة قد وطئها: والمطلق قبل الملك لم يطأ. وظاهر أكثر كلام أصحابه التسوية، ويقع بوجود شرطه نص عليه، وقال الطلاق والعتاق ليسا من الأيمان واحتج بابن عمر وابن عباس، وأن حديث ليلى بنت العجماء حديث أبي رافع لم يقل فيه وكل مملوك لها حر، وأنهم أمروها بكفارة يمين، إلا سليمان التيمي انفرد به واحتج في رواية أبي طالب بهذا الأثر على أن من حلف إلى بيت الله الحرام وهو محرم بحجة وهو يهدي وماله في المساكين صدقة يكفر واحدة وأن فيه أعتقي جاريتك، ولا أعلم أحدا قال فيه يجزئ عنه في العتق والطلاق كفارة يمين ورواه أيضا الأثرم من حديث أشعث الحمراني بإسناد صحيح، وذكر ابن عبد البر أنهما تفردا به، وذكر ابن حزم أنه صحيح فيه، وذكر البيهقي وغيره أنه روي عنهما فيه أما الجارية فتعتق فكأن الراوي اختصره، واختار شيخنا إن أراد الجزاء بتعليقه كره الشرط أولا، وكذا عنده الحلف به وبعتق وظهار وتحريم، وإن عليه دل كلام أحمد، وقال: نقل حرب أنه توقف عن وقوع العتق، وما توقف فيه يخرجه أصحابه على وجهين
(1) سنن الترمذي الطلاق (1181)، سنن النسائي الأيمان والنذور (3792)، سنن أبو داود الطلاق (2190)، سنن ابن ماجه الطلاق (2047)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 190).
(2)
سنن ابن ماجه الطلاق (2048).
(3)
الإنصاف 9/ 59
(4)
الفروع 5/ 424 وما بعدها
قال ومنهم من يجعله رواية، قال شيخنا: كما سلم الجمهور أن الحالف بالنذر ليس ناذرا، ولأنه لو علق إسلامه أو كفره لم يلزمه وإن قصد الكفر تنجز وما لزم منجز مع تعليقه أبلغ، فإذا كان هذا إذا قصد اليمين به معلقا لا يلزم فذاك أولى، فعلى هذا إذا حنث فإنه في العتق إن لم يختره لزمه كفارة يمين، وفي غيره مبني على نذره فيكفر وإلا التزم ذلك بما يحدثه من قول أو فعل يكون موفيا لموجب عقده، ولا يجيء التخيير بينه وبين الكفارة عند من يوجب الكفارة عينا في الحلف بنذر الطاعة، وأما أنه لا شيء عليه ولا تطلق قبله (1) ذهب أحمد إلى قول أبي ذر: أنت حر إلى الحول، وعنه: بلى مع تيقن وجوده وخصها شيخنا بالثلاث لأنه الذي يصير كمتعة ونقل مهنا في هذه الصورة تطلق إذن، قيل له فتتزوج في: قبل موتي بشهر؟ قال: لا، ولكن يمسك عن الوطء حتى يموت وذكر في الرعاية تحريمه وجها. انتهى المقصود.
11 -
قال (2) شيخ الإسلام: وأما صيغة القسم، فهو أن يقول الطلاق يلزمني لأفعلن كذا، ولا أفعل، فيحلف به على حض لنفسه أو لغيره أو منع لنفسه أو لغيره، أو على تصديق خبر أو تكذيبه فهذا يدخل في مسائل الطلاق والأيمان، فإن هذا يمين باتفاق أهل اللغة فإنها صيغة قسم، وهو يمين أيضا في عرف الفقهاء، لم يتنازعوا في أنها تسمى يمينا ولكن تنازعوا في حكمها، فمن الفقهاء من غلب عليها جانب الطلاق فأوقع به الطلاق إذا حنث، ومنهم من غلب عليها جانب اليمين فلم يوقع به الطلاق بل قال: عليه كفارة يمين أو قال: لا شيء عليه بحال.
12 -
وقال (3) أيضا: والثالث صيغة تعليق كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق ويسمى هذا طلاقا بصفة، فإما أن يكون قصد صاحبه الحلف وهو يكره وقوع الطلاق إذا وجدت الصفة، وأما أن يكون قصده إيقاع الطلاق عند تحقق الصفة، فالأول حكمه حكم الحلف بالطلاق باتفاق الفقهاء، ولو قال: إن حلفت يمينا فعلي عتق رقبة وحلف بالطلاق حنث بلا نزاع نعلمه بين العلماء المشهورين، وكذلك ما يعلق بالشرط لقصد اليمين كقوله: إن فعلت كذا فعلي عتق رقبة، أو فعبيدي أحرار، أو فعلي الحج، أو علي صوم شهر أو فمالي صدقة، أو هدي ونحو ذلك، فإن هذا بمنزلة أن يقول: العتق يلزمني لأفعل كذا، أو علي الحج لا أفعل كذا، أو نحو ذلك، لكن المؤخر في صيغة الشرط مقدم في صيغة القسم، والمنفي في هذه الصيغة مثبت في هذه الصيغة.
وقال أيضا: والثاني وهو أن يكون قصد إيقاع الطلاق عند الصفة فهذا يقع به الطلاق إذا وجدت الصفة كما يقع المنجز عند عامة السلف والخلف، وكذلك إذا وقت الطلاق بوقت كقوله: أنت طالق عند رأس الشهر، وقد ذكر غير واحد الإجماع على وقوع هذا الطلاق المعلق ولم يعلم فيه خلاف قديم، لكن ابن حزم زعم أنه لا يقع به الطلاق وهو قول الإمامية مع أن ابن حزم ذكر في كتاب الإجماع إجماع العلماء على أنه يقع به الطلاق، وذكر أن الخلاف إنما هو فيما إذا أخرجه مخرج اليمين، هل يقع الطلاق أو لا يقع أو لا شيء عليه؟ أو
(1) في الهامش بعد قوله: " قبله " في مخطوط الدار " وإن قال "
(2)
مجموع الفتاوى 33/ 45
(3)
مجموع الفتاوى 33/ 45
يكون يمينا مكفرة على ثلاثة أقوال كما أن نظائر ذلك من الأيمان فيها هذه الأقوال الثلاثة، وهذا الضرب وهو الطلاق المعلق بصفة يقصد إيقاع الطلاق عندها وليس فيها معنى الحض أو المنع كقوله: إن طلعت الشمس فأنت طالق هل هو يمين؟ فيه قولان، أحدهما: هو يمين كقول " أبي حنيفة " وأحد القولين في مذهب " أحمد " والثاني أنه ليس بيمين كقول " الشافعي " والقول الآخر في مذهب أحمد وهذا القول أصح شرعا ولغة، وأما العرف فيختلف.
ثم ذكر (1) أنواع الأيمان جملة وتكلم على نوع منها تفصيلا قال: والثاني أن يكون مقصوده الحض أو المنع، أو التصديق أو التكذيب فهذا هو الحلف بالنذر والطلاق والعتاق والظهار والحرام كقوله: إن فعلت كذا فعلي الحج وصوم سنة ومالي صدقة وعبيدي أحرار ونسائي طوالق، فهذا الصنف يدخل في مسائل الأيمان، ويدخل في مسائل الطلاق والعتاق والنذر والظهار، وللعلماء فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يلزمه ما حلف به إذا حنث، لأنه التزم الجزاء عند وجود الشرط وقد وجد الشرط فيلزمه كنذر التبرر المعلق بالشرط.
والقول الثاني: هذه يمين غير منعقدة فلا شيء فيها إذا حنث لا كفارة ولا وقوع؛ لأن هذا حلف بغير الله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليسكت (2)» وفي رواية في الصحيح «لا تحلفوا إلا بالله (3)» .
والقول الثالث: إن هذا أيمان مكفرة إذا حنث فيها كغيرها من الأيمان.
ومن العلماء من فرق بين ما عقده لله من الوجوب وهو الحلف بالنذر وما عقده لله من تحريم وهو الحلف بالطلاق والعتاق فقالوا في الأول عليه كفارة يمين إذا حنث، وقالوا في الثاني يلزمه ما علقه وهو الذي حلف به إذا حنث؛ لأن الملتزم في الأول فعل واجب فلا يبرأ إلا بفعله فيمكنه التكفير قبل ذلك، والملتزم في الثاني وقوع حرمة وهذا يحصل بالشرط فلا يرتفع بالكفارة.
والقول الثالث هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار وعليه تدل أقوال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجملة كما بسط ذلك في موضعه، وذلك أن الله تعالى قال في كتابه:{وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} (4) إلى قوله: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} (5) وقال تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} (6)
(1) مجموع لفتاوى 33/ 49 وما بعدها
(2)
صحيح البخاري الشهادات (2679)، صحيح مسلم الأيمان (1646)، سنن الترمذي النذور والأيمان (1534)، سنن النسائي الأيمان والنذور (3766)، سنن أبو داود الأيمان والنذور (3249)، سنن ابن ماجه الكفارات (2094)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 142)، موطأ مالك النذور والأيمان (1037)، سنن الدارمي النذور والأيمان (2341).
(3)
صحيح البخاري المناقب (3836)، صحيح مسلم الأيمان (1646)، سنن الترمذي النذور والأيمان (1534)، سنن أبو داود الأيمان والنذور (3249)، سنن ابن ماجه الكفارات (2094)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 142)، موطأ مالك النذور والأيمان (1037)، سنن الدارمي النذور والأيمان (2341).
(4)
سورة المائدة الآية 89
(5)
سورة المائدة الآية 89
(6)
سورة التحريم الآية 2
وثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه (1)» . وهذا يتناول جميع أيمان المسلمين لفظا ومعنى، أما اللفظ فلقوله:{قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} (2) وقوله: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ} (3) وهذا خطاب للمؤمنين فكل ما كان من أيمانهم فهو داخل في هذا. والحلف بالمخلوقات شرك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من حلف بغير الله فقد أشرك (4)» رواه أهل السنن أبو داود وغيره، فلا تدخل هذه في أيمان المسلمين، وأما ما عقده بالله والله فهو من أيمان المسلمين فيدخل في ذلك، ولهذا لو قال: أيمان المسلمين أو أيمان البيعة تلزمني ونوى دخول الطلاق والعتاق دخل في ذلك كما ذكر ذلك الفقهاء، ولا أعلم فيها نزاعا، ولا يدخل في ذلك الحلف بالكعبة وغيرها من المخلوقات، وإذا كانت من أيمان المسلمين تناولها الخطاب. وأما من جهة المعنى فهو أن الله فرض الكفارة في أيمان المسلمين لئلا تكون اليمين موجبة عليهم ومحرمة عليهم، لا مخرج لهم كما كانوا عليه في أول الإسلام قبل أن تشرع الكفارة لم يكن للحالف مخرج إلا الوفاء باليمين فلو كان من الأيمان ما لا كفارة فيه كانت المفسدة موجودة.
وأيضا فقد قال تعالى: {وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ} (5) نهاهم الله أن يجعلوا الحلف بالله مانعا لهم من فعل ما أمر به لئلا يمتنعوا عن طاعته باليمين التي حلفوها فلو كان في الأيمان ما ينعقد ولا كفارة فيه لكان ذلك مانعا لهم من طاعة الله إذا حلفوا به.
وأيضا فقد قال تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (6){وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ} (7)" والإيلاء " هو الحلف والقسم، والمراد بالإيلاء هنا أن يحلف الرجل أن لا يطأ امرأته، وهو إذا حلف بما عقده بالله كان موليا، وإن حلف بما عقد لله كالحلف بالنذر والظهار والطلاق والعتاق كان موليا عند جماهير العلماء كأبي حنيفة ومالك والشافعي في قوله: الجديد وأحمد.
ومن العلماء من لم يذكر في هذه المسألة نزاعا كابن المنذر وغيره، وذكر عن ابن عباس أنه قال: كل يمين منعت جماعا فهي إيلاء، والله سبحانه وتعالى قد جعل المولي بين خيرتين إما أن يفيء وإما أن يطلق، والفيئة هي الوطء خير بين الإمساك بمعروف والتسريح بإحسان، فإن فاء فوطئها حصل
(1) صحيح مسلم الأيمان (1650)، سنن الترمذي النذور والأيمان (1530)، موطأ مالك النذور والأيمان (1034).
(2)
سورة التحريم الآية 2
(3)
سورة المائدة الآية 89
(4)
سنن الترمذي النذور والأيمان (1534)، سنن أبو داود الأيمان والنذور (3251)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 69).
(5)
سورة البقرة الآية 224
(6)
سورة البقرة الآية 226
(7)
سورة البقرة الآية 227
مقصودها، وقد أمسك بمعروف، وقد قال تعالى:{فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (1) ومغفرته ورحمته للمولي توجب رفع الإثم عنه وإبقاء امرأته، ولا تسقط الكفارة، كما في قوله:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (2){قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} (3) فبين أنه غفور رحيم بما فرضه من تحلة الأيمان، حيث رحم عباده بما فرضه لهم من الكفارة، وغفر لهم بذلك نقضهم لليمين التي عقدها فإن موجب العقد الوفاء لولا ما فرضه من التحلة التي جعلها تحل عقدة اليمين وإن كان المولي لا يفيء، بل قد عزم على الطلاق فإن الله سميع عليم فحكم المولي في كتاب الله أنه إما أن يفيء وإما أن يعزم الطلاق فإن فاء فإن الله غفور رحيم لا يقع به الطلاق، وهذا متفق عليه في اليمين بالله تعالى.
وأما اليمين بالطلاق فمن قال: إنه يقع به الطلاق فلا يكفر، فإنه يقول إن المولي بالطلاق وقع به الطلاق، وإن عزم الطلاق فأوقعه وقع به الطلاق، فالطلاق على قوله: لازم سواء أمسك بمعروف أو سرح بإحسان، والقرآن يدل على أن المولي مخير: إما أن يفيء وإما أن يطلق فإذا فاء لم يلزمه الطلاق، بل عليه كفارة الحنث إذا قيل بأن الحلف بالطلاق فيه الكفارة، فإن المولي بالحلف بالله إذا فاء لزمته كفارة الحنث عند جمهور العلماء، وفيه قول شاذ أنه لا شيء عليه بحال، وقول الجمهور أصح، فإن الله بين في كتابه كفارة اليمين في سورة المائدة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير ويكفر عن يمينه (4)» .
فإن قيل: المولي بالطلاق إذا فاء غفر الله ما تقدم من تأخير الوطء للزوجة وإن وقع به الطلاق ورحمه بذلك.
قيل: هذا لا يصح فإن أحد قولي العلماء القائلين بهذا الأصل أن الحالف بالطلاق ثلاثا أن لا يطأ امرأته لا يجوز له وطؤها بحال، فإنه إذا أولج حنث، وكان النزع في أجنبية، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد وأحد القولين في مذهب مالك.
والثاني يجوز له وطأة واحدة ينزع عقبها وتحرم بها عليه امرأته، ومعلوم أن الإيلاء إنما كان لحق المرأة في الوطء، والمرأة لا تختار وطأة يقع بها الطلاق الثلاث عقبها إلا إذا كانت كارهة له فلا يحصل مقصودها بهذه الفيئة.
وأيضا فإنه على هذا التقدير لا فائدة في التأجيل، بل تعجيل الطلاق أحب إليها لتقضي العدة لتباح لغيره، فإن كان لا بد لها من الطلاق على التقديرين كان التأجيل ضررا محضا لها، وهذا خلاف مقصود الإيلاء الذي شرع لنفع المرأة لا لضرها.
(1) سورة البقرة الآية 226
(2)
سورة التحريم الآية 1
(3)
سورة التحريم الآية 2
(4)
صحيح مسلم الأيمان (1650)، سنن الترمذي النذور والأيمان (1530)، موطأ مالك النذور والأيمان (1034).
وما ذكرته من النصوص قد استدل به الصحابة وغيرهم من العلماء في هذا الجنس فأفتوا من حلف فقال: إن فعلت كذا فمالي هدي، وعبيدي أحرار، ونحو ذلك بأن يكفر عن يمينه، فجعلوا هذا يمينا مكفرة، وكذلك غير واحد من علماء السلف والخلف جعلوا هذا متناولا للحلف بالطلاق والعتاق وغير ذلك من الأيمان، وجعلوا كل يمين يحلف بها الحالف ففيها كفارة يمين وإن عظمت، وقد ظن طائفة من العلماء أن هذا الضرب فيه شبه من النذر والطلاق والعتاق وشبه من الأيمان وليس كذلك بل هذه أيمان محضة.
وأئمة الفقهاء الذين اتبعوا الصحابة بينوا أن هذه أيمان محضة كما قرر الشافعي وأحمد وغيرهما في الحلف بالنذر، لكن هي أيمان علق الحنث فيها على شيئين:
أحدهما: فعل المحلوف عليه.
والثاني: عدم إيقاع المحلوف به.
فقول القائل: إن فعلت كذا فعلي الحج هذا العام بمنزلة قوله: والله إن فعلت كذا لأحجن هذا العام، وهو لو قال ذلك لم يلزمه كفارة إلا إذا فعل ولم يحج ذلك العام، كذلك إذا قال: إن فعلت كذا فعلي أن أحج هذا العام إنما تلزمه الكفارة إذا فعله ولم يحج ذلك العام، وكذلك إذا قال: إن فعلت كذا فعلي أن أعتق عبيدي أو أطلق امرأتي فإنه لا تلزمه الكفارة إلا إذا فعله ولم يطلق ولم يعتق، ولو قال: والله إن فعلت كذا فوالله لأطلقن امرأتي ولأعتقن عبيدي، وكذلك إذا قال إن فعلت كذا فامرأتي طالق وعبدي حر وهو بمنزلة قوله: والله إن فعلت كذا ليقعن بي الطلاق والعتاق، ولأوقعن الطلاق والعتاق وهو إذا فعله لم تلزمه الكفارة إلا إذا لم يقع به الطلاق والعتاق وإذا لم يوقعه لم يقع؛ لأنه لم يوجد شرط الحنث؛ لأن الحنث معلق بشرطين والمعلق بالشرط قد يكون وجوبا، وقد يكون وقوعا، فإذا قال: إن فعلت كذا فعلي صوم شهر فالمعلق وجوب الصوم، وإذا قال فعبدي حر وامرأتي طالق فالمعلق وقوع العتاق والطلاق وقد تقدم أن الرجل المعلق إن كان قصده وقوع الجزاء عند الشرط وقع، كما إذا كان قصده أن يطلقها إذا برأته من الصداق فقال إن أبرأتيني من صداقك فأنت طالق فهاهنا إذا وجدت الصفة وقع الطلاق.
وأما إذا كان قصده الحلف وهو يكره وقوع الجزاء عند الشرط فهذا حالف كما لو قال: الطلاق يلزمني لأفعلن كذا.
وأما قول القائل: إنه التزم الطلاق عند الشرط فيلزمه فهذا باطل من أوجه:
أحدها: أن الحالف بالكفر والإسلام كقوله: - إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني، وقول الذمي إن فعلت كذا فأنا مسلم - هو التزام للكفر والإسلام عند الشرط، ولا يلزمه ذلك بالاتفاق لأنه لم يقصد وقوعه عند الشرط، بل قصد الحلف به، وهذا المعنى موجود في سائر أنواع الحلف بصيغة التعليق.