الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القرض الذي لا يقف التماثل فيه عند تساوي المقادير، بل يشمل جودة المال ومقداره جميعا.
د- ولا ينتفي ربا الفضل إلا بتحقيق المتعاقدين من تساوي البدلين وزنا، إن كانا من النقدين، أو كيلا، إن كانا من مواد الطعام، فإن وجدت زيادة، أو احتمل وجودها، لعدم وزن أحد البدلين أو كليهما، كان ربا فضل، يستوي في أمره صاحب البدل الأكبر الذي زاد ومن قدم البدل الأصغر الذي ازداد، فكل منهما كما جاء بالنص، قد أربى، ولا يجوز لمن زاد إبراء صاحبه من الزيادة، لأن الحظر هو لمحض حق الله تعالى، يكفل به مصالح الجماعة، وليس الحظر متعلقا بشيء من حق المتعاقد.
كما لا يلتزم من أخذ زيادة الوزن أو الكيل أن يردها، ويصح الصرف أو المقايضة، خلافا للقرض إن اشترط فيه الربا، إذ يبطل شرط الربا لفساده ويبقى القرض صحيحا، وليس كذلك الصرف والمقايضة الربويان، فإن فساد العقد في أصل محله، وليس فيه شرط خارج عنه، فلا ينتهي الحظر إلا بنقض العاقد ذاته. ثم نجد القرض، وإن حظر شرط الزيادة فيه أو جر المنفعة منه خلال تأجيله، لا يحظر على المقترض، إذا شاء أن يزيد فيما يرده إلى من أقرضه من باب حسن القضاء، كما جاء الحديث القدسي بفضل الدائن السمح الذي يتجوز عن الموسر بقبول ما فيه نقص يسير من الوفاء، وفي معجم الفقه الحنبلي أنه يجوز وفاء القرض بخير منه في القدر أو الصفة، أو بما هو دونه بتراضي طرفي العقد.
هـ - وفي ربا الفضل، بما يفرضه من تساوي المقادير وإهدار التفاوت بين قيمها، ما يوصد بعضا من أبواب المقايضة، وهي وسيلة بدائية للتداول، ويفتح بها أبوابا من البيع بالنقود، وهي أضبط في تقويم الأشياء وأخفها حملا وأيسرها ادخارا، وفي فرض البيع بها تكثير التجار وازدهار الأسواق، بما يدفع التداول في اقتصاد الأمة الإسلامية على طريق التقدم. أما ربا الدين فيدور في صعيد الائتمان، الذي لا يتصل ببيع يعقد أو تجارة حاضرة تدار، وتختلف لذلك حكمة حظره عن الحكمة في حظر التفاضل في تلك البيوع.
الفرق بين ربا الدين والنسيئة
وكذلك يختلف ربا النسيئة، أو ما يسمى ربا النساء أو ربا اليد، عن ربا الدين. فربا النسيئة حظرت به السنة التأجيل في بعض البيوع الخاصة، أو التأخير في تنفيذها، فيجب لصحة العقد أن يكون كل من البدلين فيه حاضرا، وتسليمها ناجزا، ولا يجوز أن يدخل الائتمان في تلك العقود، في جانب أحد من المتعاقدين، أو كليهما. ونجد لهذا الربا الخصائص الآتية:
1 -
يسري ربا النسيئة حيث يطبق ربا الفضل دائما، ففي بيع الذهب بالذهب، كما تحرم الزيادة في وزن أحد
البدلين، يحرم أن يكون أحدهما غائبا عن مجلس العقد، وكذلك في مقايضة التمر بالتمر، لا يصح العقد، إذا اشترط تأجيل أحد البدلين، أو لم يتم أداؤه في مجلس التعاقد.
ويتسع ربا النسيئة عن ربا الفضل، فيطبق على صرف الذهب بالفضة، وعلى مقايضة القمح بالتمر، ويجب تسليم البدلين عند التعاقد، ما داما من مجموعة واحدة من مجموعتي الأصناف الربوية، وهما النقدان والمطعومات، فلا ينطبق ربا النسيئة على بيع قمح آجل بفضة معجلة، بينما يحظر بيع مصوغات الذهب نسيئة ولو بثمن من فضة.
ت- ربا النسيئة، فيما حظر من تأجيل أنواع من الصرف والمقايضة، هو استثناء مما أباحته الشريعة الغراء من التجارة المؤجلة والقروض، وبينت أحكام توثيقها بالكتابة والشهادة أطول آية في القرآن، في سورة البقرة، (رقم 282)، التي استهلت بقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} (1) وفرضت الآية 283 من بعدها أداء الدين المؤجل، وإن لم يوثق بكتابة ولا برهن، وألزمت التقوى في شأنه، بقوله تعالى:{فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} (2) وقد فرق الإسلام بين القرض، حيث يتأجل الدين رفقا بالمدين وتصدقا بمنفعته عليه، والبيع المؤجل، حيث يستثمر التاجر ماله في النسيئة أو السلم، ويصيب من يحتاج السلعة في بيع النسيئة، أو رأس المال في السلم، حاجته العاجلة، بعوض يؤديه مؤجلا.
وانماز القرض ونحوه من الإرفاق بتحريم الربا، ولم يحظر الإسلام الزيادة في الثمن المؤجل للمبيع نسيئة كما لم يحرم النقص في الثمن إذ يعجل للمبيع سلما. وقد بين القرآن الكريم اعتراض الذين يأكلون الربا على ما شرع الإسلام من إباحة بيع النسيئة وتحريم الربا، في قوله تعالى:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (3) وثم وجه لتأويل الآية بأن هذا القول صادر من المشركين الذين لا يعترفون بمشروعية أصل البيع كما جاء به القرآن (4).
وكأنهم قالوا: إن البيع والربا متماثلان عقلا، ولا توجد علة ظاهرة للتفرقة بين ربح التأجيل في كل منهما، ليحل البيع ويبقى الربا محرما مما يقتضي عندهم أن يحل الربا كما أحل ربح النسيئة.
وهذا القول أشبه بما قد يحتج به اليهود حين يخاطبون بحكم القرآن وقد أحل بعض ما حرم عليهم من المرابحة ولم يحل الربا في الدين، وإن كان جمهور المفسرين على أن القائلين بالشبهة يعتقدون حل بيع النسيئة ويقيسون عليه ربا الدين، ويقولون: كما أنه يجوز أن يبيع الثوب الذي يساوي عشرة دراهم في الحال، بأحد عشر إلى شهر، فكذلك إذا أقرض العشرة دراهم بأحد عشر إلى شهر، يجب أن يجوز (5).
وما دامت الزيادة في الأثمان المؤجلة الأصل فيها الإباحة، فلا يكون القصد من تحريم التأجيل في الصرف والمقايضة هو سد الذريعة إلى ربا الدين، الذي يحظر الاعتياض عن التأجيل (6).
(1) سورة البقرة الآية 282
(2)
سورة البقرة الآية 283
(3)
سورة البقرة الآية 275
(4)
تفسير ابن كثير، ج1 ص327
(5)
مفاتيح الغيب، للفخر الرازي ج2 ص354 وسائر المفسرين في زكي بدوي ص61 هـ1
(6)
قارن إعلام الموقعين، لابن القيم، ج1 ص200 - 204 وزكي بدوي، ص 130 - 134
ج- وفيما حرمته السنة من بيع الكالئ بالكالئ، ما يبين منه أن حظر بيع الدين المؤجل بمؤجل مثله، وإن كان الدينان متماثلين نوعا ومقدارا وأجلا، كصرف ذهب بذهب مؤجلين إلى سنة ومتساويين وزنا وقيمة، مما لا يذر زيادة من فرق بينهما في القيمة أو الحلول تصلح لربط هذا الربا بربا الدين.
د- وينبغي لكل أولئك أن يعدل عن محاولة رد أنواع الربا المختلفة إلى أصل واحد يجمعها، وأن يبحث كل نوع من الربا بأحكامه ومقاصده مستقلا عن غيره من الربوات حتى لا تبغي دراسة بعضها على بعض، ويعود ربا النسيئة بحقيقته الشرعية إلى موضعه الصحيح بعد إذ اختفى من أقسام الربا عند بعض المفسرين والفقهاء، ومن أخذ عنهم من المستشرقين في معاجمهم، (1) إذ أقحموا ربا الدين على تقسيم الفقه الإسلامي لربوي البيوع اللذين حظرتهما أحاديث الفضل والنسيئة، وجاوزوا المصطلح الشرعي فجعلوا لربا الدين اسم ربا النسيئة، فصرفوا لفظ الربا إلى معنى الزيادة بدلا من معنى الحرمة المقصودة فيما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتفت المقابلة في التقسيم، إذ خلطوا ربا الدين بربا الفضل، وقد بينا اختلافهما كما أخطئوا الفرق بين ربا النسيئة الذي يحرم التأجيل في عقود محدودة، وربا الدين الذي لا يعرض بتحريم لتأجيل الديون، وإنما يقتصر التحريم فيه على أخذ عوض عن الأجل زيادة على رأس مال الدين.
هـ - والذي يبين من أحكام ربا النسيئة أن الإسلام إذ أباح ربح التجارة الآجلة، قد حرص على ألا تجاوز ما تقتضيه مصالح الأفراد والأمة جميعا منها، فحظر جميع البيوع التي يتأجل فيها البدلان معا، إذ لا تظهر مصلحة قائمة لأحد من المبتاعين فيها، وهي ليست من صنيع التجار العاملين بالأسواق عادة، ولا تحقق الخدمات التي تبتغى من النشاط التجاري، بل هي كثيرا ما تضر بانتظامه، وذلك في حظر بيع الدين بالدين، وفي ربا النسيئة بمعناه الدقيق يحظر الصرف أو المقايضة إذا كان أحد البدلين غائبا أو مؤجلا تسليمه، فمنع من ليس بيده ذهب ولا فضة أن يصيب من طريق الصرف نقدا حاضرا، وإذا كان النقدان هما رءوس أموال التجارة، فإن ربا النسيئة لا يذر في حلبتها إلا المتمول من التجار، أو ذا الثقة، الذي يتيسر له أن يجد من يمده بالمال، مضاربة تبتغي المشاركة فيما يفيء من التجارة، وإما قرضا حسنا يضمن المقترض رده، كما أن في حظر بيع المصوغات من الذهب والفضة نسيئة، ما يحد من اكتناز الأفراد للمعدنين الثمينين، وإبعادهما عن مجالات الاستثمار التي تتحقق من خلالها التنمية الاقتصادية للأمة (2). وكذلك في مقايضة مواد الطعام ونحوها بعضها ببعض، حيث يحظر ربا النسيئة تأجيل بدل منها، يقتضي المتبايعين أن يجريا التصرف من طريق بيع النسيئة أو ما يشرع من السلم، فينأى بتلك المعاملات عن المقايضة ببدائيتها التي تتعقد مع الأجل، ويحد من بقاء تلك المواد دولة بين منتجيها، ليطلقها في مجالات التداول على اتساعها بالبيوع الآجلة بالنقود التي يتحقق بها الانضباط ويتحدد فيها مقابل التأجيل، حتى إذا طرأ ما يقتضي التعجيل تيسر لمن يحط من المقابل حساب ما يخصم منه. ويكون من حكمة ربا النسيئة، دعم التنمية الاقتصادية وحفظ مقومات التجارة وتقويم سبل الائتمان فيها، بإغلاق أبواب المعاملات الآجلة التي من شأنها الإخلال بتحقيق
(1) معجم هيوز، المرجع السابق ص544 IN ARABIC ENGISH AXICON BY E. W. ANE 1968 PART 3.P. 1023
(2)
التنمية الاقتصادية، للدكتور محمد زكي شافعي، ص51.