المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الحوار الإسلامي المسيحيووجهة نظرإسلامية - مجلة البحوث الإسلامية - جـ ٥

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌المحتويات

- ‌الافتتاحية

- ‌تجارةوتجارة أخرى لن تبور. .!فضيلة الشيخعثمان الصالح

- ‌رمي الجمرة قبل طلوع الشمس

- ‌القول الثانيلا يجوز رميها قبل طلوع الفجر

- ‌ رمي جمرة العقبة ليلة النفر

- ‌ تقديم رمي الجمار قبل الزوال في أيام التشريق

- ‌المذهب الأوللا يجوز تقديم رمي الجمار قبل الزوال

- ‌المذهب الثالثمذهب أبي حنيفة وفيه تفصيل

- ‌ رمي الجمار في ليلتي اليوم الثاني عشر والثالث عشر عن اليوم الذي قبلها

- ‌المذهب الأولالجواز وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية

- ‌ أدلة الترخيص للرعاة في الرمي

- ‌المشقة تجلب التيسير

- ‌أقسام المشقة

- ‌موضع اعتبار الحرج والمشقة

- ‌مصادر البحث وملحقاته

- ‌الطلاق المعلق

- ‌أولا ما ورد عن الصحابة والتابعين من الآثار:

- ‌ثانيا: أقوال فقهاء المذاهب الأربعة

- ‌ مذهب الحنفية

- ‌ مذهب المالكية

- ‌ مذهب الشافعية

- ‌ المذهب الحنبلي

- ‌ التفريق بين التعليق الذي يقصد به الإيقاع والتعليق الذي يقصد به اليمين

- ‌تأجيل دراسة موضوع الطلاق المعلق

- ‌وجهة نظر

- ‌تحديد المهور

- ‌ثانيا: من عرف مهرها من سائر زوجات أصحابه رضي الله عنهم

- ‌ثالثا: هل وجد في نصوص الشريعة حد للمهور

- ‌رابعا: قصة عمر مع من أنكرت عليه حديثه في تقليل المهور

- ‌خامسا: ما الفرق بين تحديد أسعار الأعيان والمنافع وتحديد المهور

- ‌سادسا: مبررات التحديد ومضار عدمه

- ‌قرار رقم 52 وتاريخ 4/ 4 / 1397ه

- ‌تحديد النسل

- ‌ الفرق بين منع الحمل وتنظيمه وتحديد النسل

- ‌بواعث منع الحمل وتحديد النسل مع المناقشة

- ‌ وسائل تحديد النسل وبيان مضارها

- ‌الفلسفة

- ‌ الجو الذي نشأت فيه الفلسفة

- ‌ السمات العامة للفلسفة

- ‌اليهود والفلسفة

- ‌البلاغة النبوية وأثرها في النفوس

- ‌أقباس من العسكرية الإسلامية في القرآن الكريم

- ‌التدريب الفردي

- ‌الحوافز المادية

- ‌معادلة الحرب النفسية

- ‌حرب عادلة

- ‌مبتكر علم الجبرمحمد بن موسى الخوارزمي

- ‌الجذور عند الخوارزمي

- ‌المعادلات ذا الدرجة الأولى والثانية

- ‌طريقة التقريب لجذر المعادلة

- ‌الطريقة البيانية لإيجاد جذر المعادلة

- ‌إيجاد المساحة

- ‌اختلاف ربا الدين في الإسلامعنربا اليهود

- ‌ مزاعم المستشرقين

- ‌ القول بوحدة الربا والاختلاف في أصله

- ‌ نصوص تحريم الربا عند اليهود

- ‌ خصائص الربا عند اليهود

- ‌الخاصية الأولىالربا في القرض والبيع

- ‌الخاصية الثانيةالربا مقابل الأجل

- ‌الخاصية الثالثة الربا ظلم للمدين

- ‌الخاصية الرابعةالحظر القضائي للربا مختلف فيه

- ‌أنواع الربا في القرآن

- ‌أنواع الربا في السنة

- ‌استقلال ربا الدين عن ربوي الفضل والنسيئة

- ‌الفرق بين ربا الدين والنسيئة

- ‌خصائص ربا الدين في الإسلام

- ‌ الربا في الدين وحده ولا ينطبق على البيع

- ‌الربا مقابل الأجل

- ‌الربا محظور على الدائن والمدين معا

- ‌للربا حكمته المتميزة على ظلم المدين

- ‌ المساواة بين المسلم وغير المسلم في الربا

- ‌من نتائج اختلاف الربوين الإسلامي واليهودي

- ‌جهاز تعيين اتجاه القبلة

- ‌استعمال الجهاز

- ‌نظرية الجهاز

- ‌النموذج "م1

- ‌وصف الجهاز

- ‌طريقة الاستعمال

- ‌النموذج "م2

- ‌وصف الجهاز

- ‌النموذج "م3

- ‌المؤتمرات

- ‌المؤتمر العالمي بلندنعنحياة المسيح عليه السلام

- ‌الحوار الإسلامي المسيحيووجهة نظرإسلامية

- ‌إيضاحات وتنبيهات

- ‌حكم الاحتفال بالموالد

- ‌وجوب إنكار المعاملات الربوية

- ‌حرمة تأخير تزويج البنات والأخوات

- ‌تهنئة لحكومة الباكستان لإعلانها تطبيقالشريعة الإسلامية

- ‌التنبيه على خبر باطل في أخبار مكة

- ‌حول ما سمي بمسجد الخندق بالمدينة المنورة

- ‌أهداف معهد اللغة العربية - جامعة الرياضالمملكة العربية السعودية

- ‌الصلاة في الطائرة. . وإمامة الصلاة في الجمعة. . وزكاة الحلي

- ‌حكم الصلاة على السجاد المحلى بالصور

- ‌«من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة

- ‌ما حكم تارك الصلاة

- ‌الشرط - قضاء الفريضة

- ‌فيالوضوء - الصلاة - الإمامة - الطواف

- ‌كيفية تحديد مواقيت الصلاة

- ‌ترك الصلاة طيلة وجوده في الجامعة

- ‌حادث المسجد الحراموأمرالمهدي المنتظر

- ‌بيان من هيئة كبار العلماءبشأن الاعتداء علىالمسجد الحرام

- ‌حديث شريف

الفصل: ‌الحوار الإسلامي المسيحيووجهة نظرإسلامية

‌الحوار الإسلامي المسيحي

ووجهة نظر

إسلامية

السيد متولي الدرش

(1)

.

بسم الله الرحمن الرحيم

السادة الفضلاء ممثلي الديانتين الإسلامية والمسيحية

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

1 -

فيسعدني أن أحمل لكم من المركز الثقافي الإسلامي والعاملين به ومن الجماعة الإسلامية المقيمة في هذه الديار أطيب تحياتهم وتمنياتهم المخلصة أن يبارك الله في جهودكم هذه التي تبذلونها من أجل خدمة قضية الإيمان التي بدأت منذ بدأ التقدم العلمي والتقني تتعرض للنقد والتجريح، حتى بلغ مد هذه الحملة العاتية أن وجد أطفال أبرياء في السابعة والثامنة في المدارس الإنجليزية ينكرون فكرة إله خالق قادر حكيم مدير ويجادل هؤلاء الأطفال الذين نعني آباءهم استجابة لصوت ضميرهم المستمد من نور الإيمان في قلوبهم، في أن يورثوهم هذا النور، يجادلونهم في هذه الحقيقة الإيمانية التي بدونها تفقد البشرية الهدف السامي من وجودها على هذه البسيطة.

(1) الدكتور السيد متولي الدرش: إمام المسجد الجامع بلندن

ص: 245

2 -

الإيمان

إن قضية الإيمان هي الأساس والمنطلق. وهي القاعدة التي ينبني عليها غيرها من القضايا الاجتماعية والأخلاقية والتربوية، ومتى تمكن مجتمع من المجتمعات من إرسائها صلبة قوية، استطاع أن يرد بها موجات التحلل والانهيار التي تنتاب الكثير من المجتمعات البشرية، إن في ماضيها العتيق، وإن في حاضرها الراهن الذي يمثل في أذهان الجماهير العديدة التي شاهدت هذا التفكك قمة ما وصلت إليه البشرية، مجردة من الإيمان، من عدوان الإنسان على الإنسان بطريقة اتصفت بالتنكيل والإبادة والهمجية حتى أصبح وصفها بأنها وحشية سخرية بالدوافع الفطرية الطبيعية التي تدفع الوحش للدفاع عن نفسه.

3 -

الحوار كظاهرة عامة

السادة الأفاضل إن موجة الحوار أيا كانت طبيعته بدأت تنتشر في كل المجالات من دينية واجتماعية وسياسية على جميع المستويات، الفردي منها والقومي والدولي. ولا شك أنها بادرة طيبة، لأنها تقوم على الإدراك الواعي المستنير بأن الانغلاق والتقوقع في أي مظهر من مظاهره لا يخدم قضية التعايش السلمي، ولا يخدم الرفاهية والإخاء الإنساني، وهما الأسس الضرورية لبقاء النوع الإنساني بقاء قائما على المودة والإخاء والتعارف الذي نادت به رسالات السماء، ونادى به الإسلام منذ اللحظة الأولى التي أشرقت فيها شمس النبوة الإسلامية {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (1) آية 13 سورة الحجرات. . وهكذا يضع الإسلام المعيار الإنساني العام القائم على أخوة الخلق ووحدة الرب دون تفرقة بين دين أو جنس، فإن النداء في هذه الآية الكريمة نداء للإنسانية جمعاء. . . وصدق رسول الإسلام - صلوات الله وسلامه عليه- إذ يقول «لا فضل لعربي على أعجمي، ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى، كلكم لآدم وآدم من تراب (2)» .

4 -

دور الفكر الديني

ورجال الدين والفكر الديني، والقيم المستمدة من وحي السماء هي الدعامة الحقيقية لكل حوار إنساني؛ ذلك لأن الدين يستمد مصدره من السماء فهو منزه عن الغرض والشهوة والقومية، وتقف الإنسانية بالنسبة إليه موقف المساواة التامة دون تحيز أو تمييز. ولأن رجال الدين متى قاموا برسالتهم حق القيام فإن خلق الرحمة والمحبة والعدل والإخاء وهي قواعد أصيلة في كل دين حق تستلزم استلزاما ضروريا أن يكون الدعاة إليها أول من يتحلى بها؛ حتى يضربوا بمثلهم الكريمة النماذج الحية لمن يتبعونهم في إظهار هذه الصفات الطيبة فيما بينهم أولا، وبالذات مما يؤكد عراقة هذه الأخلاق في النفس فتفيض على من حولها ممن لا يتمذهب ولا يدين بنفس الدين ولكنه أخ من أخوة الإنسانية بمفهومها الواسع الذي لا يقف عند الحواجز الدينية. والدين فكرا ودعاة أحق الناس بها لأنهم اتهموا على

(1) سورة الحجرات الآية 13

(2)

مسند أحمد بن حنبل (5/ 411).

ص: 246

مدى التاريخ - إن حقا وإن باطلا - بأنهم كانوا وراء كل عدوان وقع على جماعة من الجماعات، فقد تناسى المتهمون الأسباب السياسية والاجتماعية والمطامع القومية وحب التوسع، وتذكروا الدين ورجاله فاتهموهم بالوقوف وراء هذه الحروب التى اجتاحت كثيرا من بلدان العالم. ولهذا فإن التسامح والتواصل ووحدة الصف ألزم ما تكون للدعاة الدينيين الذين يريدون أن تعود كلمة الله العليا، الصادقة العادلة إلى السيادة والاحتكام ليبرهنوا لهؤلاء المتشككين المشككين أن الدين في صدق الدلالة وإخلاص الكلمة وشدة الحرص على تحقق العدل والإخاء الإنساني أبعد ما يكون عن التعصب والتقاطع والتدابر، وأنه متى فهم حق فهمه وطبق حق تطبيقه أسعد الإنسانية وأخرجها مما تتردى فيه من تناحر وتنابز.

إن الفكر الديني ورجاله مدعوون لمقابلة هذا التحدي الذي تواجههم به الفلسفات المادية الملحدة والفلسفات التي تنبع من الفكر البشري في حدوده الضيقة، ومن واجبهم أن يبينوا للناس ولا ينكرونه أن الدين هو الأساس، ولا أساس غيره لبشرية متفاهمة متوادة متعاطفة ترتبط فيما بينها بهذا الرباط المقدس الذي بدوره يربطها بمنبع وجودها.

5 -

الموقف التاريخي للإسلام والمسلمين

أولا: القرآن:

وقد كان هذا الفهم العميق للدين ورسالته في إسعاد البشرية في هذه الحياة والحياة الأخرى هو منطلق القرآن الكريم كلمة الله الخالدة التي أوحى الله بها إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم فقال: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (1) تأسيسا لقواعد أصيلة، وتقريرا لواقع شاء الله أن يمتحن به عباده. فهناك شرائع شرعها الله هي التي يجب أن تكون المرجع في حياة من أوحى إليهم بها، وتقريرا لواقع اختلاف المناهج ورد ذلك إلى مشيئة الخالق، فلا حق لأحد أن يكره الآخر أن يدين بما يدين به {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} (2) الآية 99 من سورة يونس. . {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} (3) الآية 256 من سورة البقرة. . {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} (4) الآية 118 من سورة هود. . هذا الاختلاف والتعدد الذي شاءه الله وأراد أن يقع في سلطانه ومملكته لا يصح أن يكون سببا للبغي والعدوان، ولكن هناك القاعدة الأساسية التي تبنى عليها أخلاقيات الدين {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} (5) تسارعوا في العمل الخير وإسعاد البشرية وتقريبها خطوة أخرى نحو خالقها، هذا هو مجال التنافس والتسابق.

(1) سورة المائدة الآية 48

(2)

سورة يونس الآية 99

(3)

سورة البقرة الآية 256

(4)

سورة هود الآية 118

(5)

سورة البقرة الآية 148

ص: 247

ثانيا: حياة الرسول: وقد انعكس هذا الفهم على رسول الإسلام - صلوات الله وسلامه عليه - فكان يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادل بالتي هي أحسن، فإما اقتناع قائم على الفهم والتقبل والرضا، وإما إخاء إنساني قائم على التعاهد والتناصر ورد البغي.

ص: 247

ثالثا: الحكم والفكر الإسلامي: وتجلى هذا التيار الإنساني القائم على التوجيه الرباني في الحكم الإسلامي على مدى العصور، كما تجلى في الدراسات الإسلامية الموضوعية التي قام بها رجال الدين من مفكري الإسلام. وهل هناك دراسة أكثر موضوعية من الدراسات الدينية التي قام بها الشهرستاني في كتابه (الملل والنحل) أو البيروني في كتابه عن الهند.

6 -

الغرب والإسلام

ولم يتغير هذا التيار الديني من التفاهم والتواصل حتى حدثت الغارة على العالم الإسلامي في شكل حروب تشنها وتحرض عليها الكنيسة، لما لم تحرز شيئا مما كانت تستهدفه، وانعكست الثقافة والحضارة الإسلامية على هؤلاء الذين وطئت أقدامهم أرض الإسلام انحسر التيار المادي العسكري وتحول النزاع إلى المجال الفكري فبدأت أقسام الدراسات الشرقية تخرج العديد من الكتب والمجلات والحوليات كلها عداء صريح ومقاومة فكرية للأسس الإسلامية كدين ثم للحضارة المنبعثة عنه ولا يزال هذا التيار الفكري سائدا في مجال الدراسات الإسلامية على الرغم مما نسمعه من حيدة وأمانة علمية.

7 -

ما نراه أساسا للحوار

ليس معنى هذا أننا نحن المسلمين نغلق بأيدينا أبواب الحوار والتفاهم، فهذا ليس من شأننا ولا من طبيعة ديننا، وقيام هذا المؤتمر وما سبقه دليل على هذا، ولكن نحب أن يكون التفاهم والحوار في هذا المؤتمر وما يمكن أن ينبثق عنه من مقررات، وما يتلوه من مؤتمرات، قائما على الفهم والإدراك وتقدير الإسلام في ذاته كدين، والاعتراف بالمكانة الصحيحة التي يتبوأها محمد صلى الله عليه وسلم كرسول أتى برسالة أدت إلى قيام مجتمع تنبثق قيمه وتعاليمه ونظم حياته وأخلاقياته كلها من الرسالة، ومن شخصية الرسول الذي كان القدوة العملية والتطبيق الفعلي له. نريد اعترافا وتقريرا للمصادر الإسلامية الصحيحة كما يفهمها المسلم الحق، لا كما يتصورها المستشرق الذي تحيز لوجهة نظر معينة مسبقة ثم أخذ بعد ذلك يشرح الإسلام على ضوئها، فإن هذا الموقف الذي ساد في مجال الدراسات الإسلامية هو الذي يبعث المخاوف في نفوسنا نحن المسلمين ويدفعنا دائما للتساؤل عن الدوافع من هذه اللقاءات.

وإذا كنت هنا أقصر مخاوفي على الدراسات الإسلامية؛ ذلك لأن المجال فيها دائما يلبس ثوب النزاهة العلمية والموضوعية في الدرس والتقييم، ومن هنا كان سوء الفهم له آثاره البعيدة المدى. وهي في الوقت نفسه الدائرة التي تؤخذ على أنها تمثل وجهة النظر الرسمية في الغرب فيما يختص بالإسلام وبلاده، وهي الجهة التي تخطط الحكومات الغربية سياستها تجاه الإسلام والمسلمين على أساس من توجيهها.

بقي هناك طرفان آخران في هذا المجال هما: الكتابات التي تنبعث عن روح التبشير المحضة، وهذه لا مجال للحديث عنها لأنها تفتح جراحا نحاول أن نعمل جميعا على التئامها، وهي لا تخدم قضية التفاهم في قليل أو كثير، ولعل إخواننا رجال الدين المسيحي

ص: 248

يستفيدون من درس التاريخ ومن النقد الذاتي الذي بدأوا هم أنفسهم بممارسته إزاء المحاولات الجافية والتصورات المستفزة، والآراء الخاطئة والتشويه المتعمد الذي ملئوا به كتاباتهم في الماضي، لعلهم يستفيدون من كل هذا في اتخاذ مواقف إيجابية تعمل على تلافي هذه المساوئ والتخلي عن الأفكار العتيقة البالية التي كان يبثها زعماء التبشير في القديم جلبا للتأييد المادي لرسالتهم المشبوهة. فليس كافيا أن يعلنوا أسفهم على مساوئ الماضي دون أن يصححوا هذه المساوئ.

أما الطرف الأخير، فهو الإنسان العادي الذي تربى في الحضارة الغربية ولم تتح له فرصة كافية للتعرف على الإسلام والمسلمين تعرفا كاملا قائما على التصور الصحيح، وهذا هو السند الكبير في قضية الفهم المتبادل؛ فإن اللقاءات العديدة التي تحدث بين العاملين في مجال الدعوة الإسلامية في الغرب وبين هؤلاء الناس لا أقول إنها لقاءات بقصد التبشير بالإسلام، ولكنها لقاءات بقصد التعريف بالمسلم وطريقة حياته ومنطلق تفكيره وإيضاح بعض التصرفات التي تبدو غريبة لهذا الإنسان العادي، هذه اللقاءات تقوم على التفاهم والطرف الآخر فيها غالبا لا يحمل معه حزازات أو سوء نية أو تعصب ما. ومن هنا يكون التفاهم ويكون التعاطف والإدراك.

وإن الاستجابة التي يلمسها الداعية المسلم من هذا الجمهور مدهشة حقا، إنهم يكتشفون- لشدة دهشتهم وعجبهم- أن هذا الدين يمثل منطلقا فكريا حضاريا يضمن للإنسانية السعادة والطمأنينة والسلام.

ص: 249

8 -

عثرات يجب تجنبها

قلنا: إن الإسلام يرحب بهذه اللقاءات ويفتح صدره لها، لأنه لا يخشى منها على كيانه ولا على جماعته، ولكن تجربة المسلمين المريرة في الماضي القريب وفي الحاضر الراهن تجعلنا نفتح أعيننا وأعين الإخوة الذين نتفاهم معهم إلى بعض المزالق التي يجب أن نتجنبها حتى يكون الحوار مثمرا وقائما على المفاتحة والمصارحة، وبعيدا عن جو المجاملة. ومن هذه المزالق التي ننبه عليها: أولا: الدعوات التي تنادي بفصل الدين عن واقع الحياة:

لقد مر العالم الغربي بفترة كان فيها الصراع على أشده بين المؤسسات الدينية المسيحية وغيرها من المؤسسات الأخرى، سياسية كانت أو اجتماعية أو تعليمية. وبدون دخول في الأسباب والبواعث لهذا التطاحن، فإنه قد أدى في النهاية إلى أن يكون الدين ذا دور معين في الحياة، مع استقلال المنظمات الأخرى عن السيطرة المباشرة للتصورات الدينية. وقد قبلت السلطات الدينية المسيحية هذا الوضع، بل رحب به بعض زعمائها باعتباره مزيجا لأعباء ثقيلة كانت الكنيسة ترزح تحتها، وأنها أصبحت حرة لممارسة نشاطها الذي تأهلت له. وقد يتساءل بعض القائمين على النشاط الديني - وهذا التساؤل كثيرا ما نتعرض له في الحوار الذي يجري بيننا وبين الإخوة من رجال

ص: 249

الكنيسة في إنجلترا - أليس من مصلحة الإسلام أن يحذو حذو الكنيسة فيتفرغ للدعوة الدينية في مجالها المحدود؟ بل إن بعض الكتاب قد أوصى بطرق عديدة أن هذا هو الطريق المفتوح أمام الإسلام في عالم اليوم، ويريد بذلك أن يغرس هذه الفكرة في أذهان الكتاب المسلمين.

وهنا نقول: إننا نحن المسلمين الذين يعتزون بإسلامهم كما يعتز المسيحيون بدينهم - لا نقبل هذا التصور ولا نوافق عليه. لأن طبيعة الدين الإسلامي الذي هو في نفس الوقت نظام متكامل لكل شئون الحياة، لا تقبل هذا المفهوم ولا تجد له مكانا في تصوراتها.

إننا ننظر لكل من يدعون إلى هذه الدعوة بعين الريبة والشك والحذر؛ لأنها تمثل اعتداء على التوجيهات والتنظيمات الإسلامية الخاصة بهذا المجال من حياة المسلم والذي لا يكمل إيمانه إلا بتحقيقها. ومن هنا فإنا نأمل من كل حوار أن يتجنب الإشارة من قريب أو بعيد إلى هذه القضية، قضية فصل الدين عن السياسة لأنها تمثل في ذهن كل مسلم - خاصة في ظروفه الراهنة التي يمر بها مجتمعه - اغتصابا لحق أساسي من حقوقه كمسلم يؤمن برسالة الإسلام أساسا لتنظيم جميع شئون حياته الاجتماعية والتعليمية والإدارية. وما المجتمع وما الحكم وما السياسة إلا هذه، فمتى خرجت عن التصور الإسلامي فقد المجتمع المسلم أساس وجوده.

ثانيا: التجديد

كثيرا ما يجد بعض من يريد الانسلاخ من الدين أن الفصل بينه وبين الحياة في المجتمع الإسلامي أمر صعب، فيلجأ إلى الدعوة إلى التجديد في مجالات معينة، نظام الأسرة مثلا، النظام الاقتصادي، وهلم جرا. ونجد كثيرا من الموجهين للدراسات الإسلامية يوحون بشئ كهذا للكتاب في العالم الإسلامي، وهنا - مرة أخرى - يجد التيار الإسلامي نفسه في صراع مع هذا النوع من التفكير. فالإسلام بقيمه ومثله وتصوراته مستمد من قواعد معينة، وهي مع مرونتها وقدرتها على التواؤم مع احتياجات المجتمع لا يمكن التغاضي عنها أو التخلص منها، هناك عادات وأعراف تصلح للتغير ولكن القواعد الأساسية للتصور الاجتماعي أو الاقتصادي يجب أن يحافظ عليها المجتمع الإسلامي في كل تغيير تتطلبه ظروف معينة؛ ومن هنا فإن المطالبة بالتجديد في مثل هذه المجالات ودعوة العالم الإسلامي للأخذ بهذا التجديد أمر لا يريح المفكر المسلم ولا يطمئنه.

وعلى سبيل المثال: المطالبة بالمساواة بين الذكر والأنثى، وإتاحة الفرصة التعليمية والوظيفية لهما. وهذه من النقاط الحساسة والتى تثار من وقت لآخر، وقد وردت في إحدى مذكرات مجلس الكنائس العالمي في الحوار الإسلامي المسيحي في غانا.

فخروج الحوار عن الإطار العام الذي يقصد به أولا خلق جو الثقة والاطمئنان إلى جزئيات معينة كمساواة المرأة وحقوقها، واعتبار هذه المساواة ومنح المرأة حق شغل المناصب الدينية، وأن هذا من المسائل التي تستحق العناية السريعة- يجعلنا نتساءل عن الباعث لهذا، فالإسلام قد منح المرأة الحق الكامل في التعليم وأعطاها شخصية

ص: 250

كاملة مستقلة لا تتميع في شخصية الرجل، ولم يفرق في الأجر ولا في الوظيفة متى كانت متناسبة مع طبيعتها، ولم يمنعها أن تكون مدرسة للعلوم الدينية، وقول هذه المذكرة بضرورة تسجيل السيدات في المؤسسات الدينية التعليمية بقصد أن يشغلن مناصب دينية- دعوة غير مقبولة، حتى في العالم المسيحي فإن القانون الإنجليزي الأخير الذي صدر في ديسمبر سنة 1975 وأعطى المرأة المساواة في الأجر والعمل استثنى من ذلك المناصب الدينية ومناجم الفحم.

ومن هنا كانت مثل هذه الدعوة من الأمور التى يجب أن يتجنبها أي حوار بيننا.

وأخيرا فإني أرى أن يتم الحوار بين المتدينين من رجال الديانتين وليس بين مسيحي أيا كان ولا مسلم أيا كان، فإن الحوار متى بدأ على مستوىذوي الدين والخلق والشخصية المستقيمة كان كل منهما معبرا بإخلاص وأمانة وصدق عما يدور في نفسه، وليس متزلفا، أو متدينا اسميا، يريد أن يبين مدى نظرته التقدميه بالتفريط في نواح أساسية في دينه إرضاء لهذا أو لذاك. إن أمثال هؤلاء يجب أن يقصوا عن مجال الحوار لأنهم يسيئون إليه ويبعثون إلى الشك في جديته وصدق هدفه.

وختاما فإني أهيب بالإخوة المجتمعين أن يتخذوا من القرارات ما هو أقرب إلى التحقيق على المستوىالمتخصص والمستوىالعام.

ولهذا أقترح:

1 -

أن تنشأ سكرتارية شبه دائمة تعمل على الاتصال المستمر بين الأعضاء المشاركين بجهودهم في هذا المجال للوقوف على مدى ما حققوه من نتائج ناشئة عن الحوار.

2 -

الدعوة إلى التخفيف من حملات التجريح والتشويه في المؤسسات الدينية تجاه الدين الآخر.

3 -

الكف عن تشجيع العناصر المعادية للتفكير الديني، وعدم تشجيع المنشقين في تراث ديني أو تأييد الشخصيات التي لا تحظى بالاحترام والتقدير بين أبناء الدين الذي تنتمي إليه هذه الشخصيات.

4 -

تشجيع التفاهم بين الجاليات الإسلامية المهاجرة وبين البيئات التي هاجروا إليها ومساعدتهم على ممارسة حقوقهم وشعائرهم الدينية. .

وأخيرا أختم بقول الله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (1)

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

(1) سورة التوبة الآية 105

ص: 251

(1) صحيح البخاري المناقب (3603)، صحيح مسلم الإمارة (1843)، سنن الترمذي الفتن (2190)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 433).

ص: 252