الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القول الحق في نسك الحج الذي أحرم به خير الخلق صلى الله عليه وسلم
مع بيان أنواع نسك الحج الأخرى
دراسة فقهية مقارنة
للدكتور / عبد السلام بن سالم السحيمي (1)
المقدمة:
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (2). {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} (3). {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} (4){يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} (5).
أما بعد: فهذا بحث سميته (القول الحق في نسك الحج الذي
(1) أستاذ مساعد بقسم الفقه بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
(2)
سورة آل عمران الآية 102
(3)
سورة النساء الآية 1
(4)
سورة الأحزاب الآية 70
(5)
سورة الأحزاب الآية 71
أحرم به خير الخلق صلى الله عليه وسلم، مع بيان أنواع نسك الحج الأخرى، دراسة فقهية مقارنة). وقد دعاني إلى تأليفه عدة أمور منها:
1 -
أنه من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما حج حجة واحدة هي حجة الوداع والتي قال فيها صلى الله عليه وسلم: «لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه (1)» رواه مسلم ومع كونه صلى الله عليه وسلم إنما حج حجة واحدة فقد اختلفت أقوال العلماء واضطربت في تعيين النسك الذي أحرم به النبي صلى الله عليه وسلم بحسب المذاهب.
وبالتالي اختلفت أقوالهم في الجمع بين الأحاديث المروية في ذلك، كما اختلفوا في تعيين أي الأنساك الثلاثة أفضل. وسبب الخلاف في ذلك كله يرجع إلى اختلافهم فيما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك، وذلك أنه روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان مفردا، وروي أنه كان متمتعا، وروي أنه كان قارنا؛ وكله في الصحيح، وهي قصة واحدة، فيجب تأويل جميعها ببعضها والجمع بينها.
(1) مسلم بشرح النووي 9/ 44، 45 قال النووي- رحمه الله: اللام لام أمر ومعناه: خذوا مناسككم، وتقديره هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي من الأقوال والأفعال والهيئات هي أمور الحج وصفته وهي مناسككم فخذوها عني واقبلوها واحفظوها واعملوا بها وعلموها الناس. وهذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج وهو نحو قوله صلى الله عليه وسلم في الصلاة:" صلوا كما رأيتموني أصلي ". شرح النووي 9/ 45.
2 -
وأنه قد طعن جماعة من الجهال، ونفر من الملحدين، طعنوا في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي أهل الرواية والنقل من أئمة الحديث، وقالوا: لم يحج النبي صلى الله عليه وسلم بعد قيام الإسلام إلا حجة واحدة، فكيف يجوز أن يكون في تلك الحجة مفردا، وقارنا، ومتمتعا، وأفعال نسكها مختلفة، وأحكامها غير متفقة؛ وأسانيدها عند أهل الرواية ونقلة الأخبار جياد صحاح؛ ثم قد وجد فيها هذا التناقض والاختلاف.
ذكر ذلك الخطابي في معالم السنن، وقال: يريدون بذلك توهين الحديث والإزراء به وتصغير شأنه وضعف أمر حملته ورواته، ولو يسروا للتوفيق وأعينوا بحسن المعرفة لم ينكروا ذلك ولم يدفعوه.
قلت: وقد وفق الله العلماء المحققين أمثال شيخ الإسلام ابن
تيمية، وتلميذه ابن القيم إلي بيان أن الأدلة الصحيحة الصريحة تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا.
وجمعوا بين الأحاديث المروية في ذلك جمعا حسنا، وأن هذه الأحاديث متفقة ليست مختلفة إلا اختلافا يسيرا، يقع مثله في غير ذلك، وأن من تأمل ألفاظ الصحابة، وجمع الأحاديث بعضها إلى بعض، واعتبر بعضها ببعض، وفهم لغة الصحابة أسفر له صبح الصواب، وانقشعت عنه ظلمة الاختلاف والاضطراب (1).
3 -
جمع شتات هذا الموضوع، حيث إن الكلام عليه جاء مفرقا في كتب الفقه، وكتب شروح الأحاديث، فجمعه في مؤلف واحد يعين على فهمه والاستفادة منه.
لهذه الأمور رأيت من المناسب جمع كلام أهل العلم في هذا الباب؛ لأهميته ودراسته دراسة فقهية مقارنة بذكر الأقوال والأدلة مع مناقشة ما يحتاج إلى مناقشة، وما يحتاج منها إلى اعتراض أو جواب للوصول إلى الحق بدليله والعمل به، إذ الواجب على طالب العلم أن يعرف الحق بدليله، فيعمل به ويدعو الناس إليه.
وقد اعتمدت كثيرا في هذا البحث على كلام شيخي الإسلام: ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله، لما في كلامهما من التحقيق المبني على الفهم الدقيق للنصوص الشرعية (2)، لا سيما في هذا الموضوع على وجه الخصوص.
(1) من كلام ابن القيم- رحمه الله في الزاد (2/ 121).
(2)
ومن يحرم الاطلاع على كتبهما للاستفادة منها فقد حرم خيرا كثيرا.
وقد قسمت هذا البحث إلى مقدمة وتمهيد وستة مباحث وخاتمة.
أما المقدمة: فقد بدأتها بالحمد لله والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وذكرت فيها أسباب بحثي لهذا الموضوع، وخطتي لهذا البحث، ومنهجي في ذلك.
وأما التمهيد: فذكرت فيه تعريف الحج، وحكمه، وفضله، وشروط وجوبه.
وأما المبحث الأول: ففي أنواع نسك الحج.
والمبحث الثاني: في حكم التخيير بين الأنساك الثلاثة.
والمبحث الثالث: في حكم فسخ الحج إلى عمرة.
والمبحث الرابع: في تحقيق النسك الذي أحرم به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أطول المباحث.
والمبحث الخامس: في طريق الجمع بين الأحاديث الصحيحة المروية في ذلك.
والمبحث السادس: في أي الأنساك أفضل.
وأما الخاتمة: فتضمنت أهم النتائج التي توصلت إليها من هذا البحث.
وأما منهجي في البحث فأجمله في النقاط التالية:
1 -
ذكرت أقوال الأئمة الأربعة في المسائل التي بحثتها وقد أذكر غيرهم.
2 -
وثقت هذه الأقوال من مصادرها الأصلية.
3 -
ذكرت الأدلة بالتفصيل لكل قول مع المناقشة والترجيح على ضوء الدليل.