الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الملحق (أ) الأحابيش
لم يدعم هـ. لامانس H.Lammens وجهة نظره الساخرة فى مقاله عن «الأحابيش) والتنظيم العسكرى فى مكة
…
» «1» بالمصادر.
فقد رأى لامانس أن أهل مكة المناوئين لمحمد صلى الله عليه وسلم قد كفوا عن ولعهم بحربه، وأنهم كانوا فى شئونهم العسكرية يعتمدون بصفة رئيسية على قوات الأحابيش المكونة من عبيد من الحبشة ومن الزنوج، أما العمود الفقرى لهذه القوات فمن بدو يحملون رماحا كانوا أفضل قليلا من قطاع الطرق.
وهناك الكثير مما هو صحيح فى أقوال لامانس، خاصة تأكيده على أن الأحابيش لم يكونوا مجرد «حلفاء «Confederates» «كما ذهب الى ذلك فلهوزن.Wellhausen وعلى أية حال، فقد غالى لامانس لسوء الحظ- فى الاتجاه المناقض لما ذهب اليه فلهوزن، وكانت معالجته للمصادر معالجة غير علمية، فقد رفضها ورضى أن ينساق وراء أفكاره وأحكامه المسبقة ولم يخضع للمبادئ الموضوعية. ففى عبارة «أحابيش وعبيد أهل مكة» تعتبر (الواو) بين (الأحابيش والعبيد) واوا شارحة
(1)
Les Ahabis et lorganisation militaire de la Macque، au siecle dhegire.Arabe، pp.237- 94، journal Asiatique، 1916، pp.423- 82.
وليست واو اضافة (واو عطف) ، أى أن الأحابيش مرادفة للعبيد، بينما فى عبارة «الأحابيش ومن أطاعهم من قبائل كنانة وأهل تهامة» - والضمير فى أطاعهم عائد لقريش- فان (الواو) فى عبارة «الأحابيش ومن أطاعهم» تضع لنا فاصلا حادا، (أى تعد واو عطف) . لكن لماذا؟ السبب هو أن لامانس يفترض صدق النظرية التى يحاول اثباتها.
ولكى نصل الى نظرة أكثر حيادا، سيكون من المفيد أن نتعرض أولا للمصادر التى تناولت الأحابيش (ابن هشام والواقدى والطبرى) .
(أ) ففى سياق خروج أبى بكر الصديق من مكة وطلبه الحماية من ابن الدغنة (أو ابن الدغينة) يقال ان ابن الدغنة الذى كان من بنى الحارث بن عبد مناة بن كنانة، كان فى ذلك الوقت هو «سيد الأحابيش
…
والأحابيش هم بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة والهون ابن خزيمة بن مدركة وبنو المصطلق بن خزاعة» «2» . أما سبب تسميتهم بالأحابيش، فهو أنهم «تحالفوا» فى واد اسمه وادى أحبش. «3» Ahbash
(ب) .. وعندما فعل أبو سفيان وشركاؤه فى القافلة ذلك (دفعوا مالا) وافقت قريش أن تحارب رسول الله بأحابيشهم ومن أطاعهم- أى أطاع قريشا- من قبائل كنانة وأهل تهامة «4» . وفى كتاب المغازى للواقدى، ص 199 «ومن تبعنا من الأحابيش» ، وفى المرجع نفسه، ص 201 أن واحدا من الثلاثة كانوا «من بين الأحابيش» .. وكل هذا فى سياق الحديث عن غزوة أحد.
(ج) وفى غزوة أحد «لما التقى الناس كان أول من لقيهم أبو عامر فى الأحابيش وعبدان أهل مكة» «5» .
(د) «كان الحليس بن زبان) Zabban فى الطبعة التى بين أيدينا- مكتبة الايمان بالأزهر: زيان بالياء) أخو بنى عبد الحارث بن
(2) ابن هشام، 245.
(3)
ابن هشام، 246 وهناك قراات أخرى لاسم هذا الوادى.
(4)
ابن هشام، ص 556 والطبرى، 1384.
(5)
نفسه، 561.
عبد مناة وهو يومئذ سيد الأحابيش قد مر بأبى سفيان، وهو يضرب فى شدق حمزة بن عبد المطلب
…
» «6» .
(هـ) من قصيدة لحسان بن ثابت فى غزوة أحد:
جمعتموها أحابيشا بلا حسب
…
أئمة الكفر غرتم طواغيها
وفى قراءة «بلا عدد» بدلا من «بلا حسب» وفسرت كلمة «حسب» هنا بمعنى «شرف» . والنص على أية حال غير مؤكد، والتفسير أيضا غير مؤكد، ومن هنا فلا قيمة كبيرة يمكن أن نخلص بها من طريقة استخدام الكلمة «7» .
(و) وفى قصيدة كعب بن مالك:
فجئنا الى موج من البحر وسطه
…
أحابيش منهم حاسر ومقنع
ثلاثة الاف ونحن نصية
…
ثلاث مئين ان كثرنا وأربع «8»
والنصية هم خيار القوم.
(ز) وفى سياق الحديث عن غزوة الخندق (حصار المدينة المنورة) نقرأ: «ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجمع الأسيال من رومه بين الجرف وزغابه فى عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من كنانة وأهل تهامة..» «9» .
(ح) وفى الحديبية كان الحليس بن علقمة (أو ابن زبان) هو سيد الأحابيش، وهو من بنى الحارث بن عبد مناة بن كنانة فلما راه
(6) ابن هشام، 582.
(7)
نفسه، 613.
(8)
ابن هشام، 614.
(9)
ابن هشام، 673.
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ان هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدى فى وجهه حتى يراه
…
» ، وقد تأثر الحليس بمنظر «الهدى الذى ساقه الرسول» فهدد قريشا بالانضمام الى محمد صلى الله عليه وسلم بمن معه من الأحابيش، اذا لم يسمح أهل مكة لمحمد بزيارة «10» البيت الحرام.
(ط) وفى قصيدة الأخزر بن لعط الدؤلى (فى الطبعة التى بين أيدينا من السيرة: «الدعلى» ) نقرأ:
ألا هل أتى قصوى الأحابيش أننا
…
رددنا بنى كعب بأفوق ناصل
حبسناهم فى دارة البعد رافع
…
وعند بديل محبسا غير طائل
ويفهم من القصيدة أنه لا حرب لأن الأحابيش بعيدون. والقصوى:
أنثى الأقصى وهو البعيد. بأفوق ناصل: من قول العرب بأفوق ناصل أى رددته خائبا، والأصل فيه أن الأفوق هو السهم الذى انكسر فوقه أى طرفه الذى يكون من ناحية الوتر، والناصل
الذى ذهب نصله أى حديده الذى يكون فيه. ودارة العبد: الدار، والدارة بمعنى واحد «11» .
(ى) الأحابيش الذين كانوا فى مكة عندما فتحها محمد صلى الله عليه وسلم كانوا من بين القليلين الذين قاوموا قوات المسلمين «12» .
وبالاضافة لما ذكرناه انفا، يمكن أن نضيف المراجع الاتية للوقائع السابقة على الهجرة.
(ك) بعد الوقائع التى أدت لحرب الفجار (بكسر الفاء)، فان قريشا وقبائل أخرى من كنانة وأسد بن خزيمة ومن لحق بهم من الأحابيش وهم قبائل: الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وعضل والقارة
(10) ابن هشام، 743، الطبرى 153 وما بعدها، الواقدى، 252 وما بعدها.
(11)
ابن هشام، 804.
(12)
المرجع السابق نفسه.
ودش والمصطلق من خزاعة- بسبب حلفهم مع بنى الحارث بن عبد مناة- ظلوا مستعدين تماما لهذا الصراع «13» .
(ل) قبل حربى الفجار، كان حرب بن أمية زعيم قريش فى الحرب مع بكر بن عبد مناة بن كنانة. وكان الأحابيش أثناء هذه الحرب مع بكر الانف ذكره وعقدوا حلفهم هذا على جبل يقال له الحبشى (بحاء مضمومة) ، ضد قريش وترجع تسميتهم بالأحابيش نسبة لهذا الجبل «14» .
من خلال ما اقتبسناه انفا من المصادر- وهى مختلفة كثيرا عن المصادر التى رجع اليها لامانس- تبدو النتائج التالية مؤكدة بدرجة معقولة:
1-
ليس هناك ما يدعونا للافتراض بأن الأحابيش لم يكونوا عربا، بل ان هناك ما يؤكد أنهم عرب بالفعل. انظر ما أوردناه انفا فى الفقرة (ى) على نحو خاص. واستنتاج لامانس قائم أساسا على أصل الكلمة، لكن القول انها مشتقة من الحبش أو الأحباش نسبة الى الحبشة، ليس هو الاحتمال الوحيد. وهناك الاشتقاق الذى أورده ابن هشام، فقد تكون الأحابيش هى جمع أحبوش أو أحبوشة وتعنى مجموعة رجال ليسوا من قبيلة واحدة. (Lane) وحتى اذا كانت مشتقة من (حبش) ، فان هذا لا يعنى أن الأحابيش كانوا زنوجا فقد يكونون عربا من ناحية ابائهم، مع احتمال أن تكون أمهاتهم زنجيات، ومن هنا كانت بشرتهم داكنة. وعلى هذا فليست هناك أسباب ملزمة للاعتقاد بأن الأحابيش كانوا عبيدا من الحبشة، فهناك أدلة كثيرة لرفض ذلك.
2-
لقد كان الأحابيش- بشكل واضح- تنظيما قبليا، فكلمة (سيد) تطلق عادة على زعيم قبلى «15» . وعلى أية حال، فان بعض
(13) الطبقات الكبرى لابن سعد، ج 1، 81، ج 8، 11.
(14)
الأزرقى، (تحقيق فستنفلد) ، 71، 14.
Lammans ،Berceau ،208. (15)
العبارات المستخدمة تشير الى أن الأحابيش لم يكونوا قبيلة بالمفهوم المعتاد أو مجموعة قبائل، كعبارة «أحابيشهم» «16» . فالكلمة فى هذه العبارة تتفق مع المعنى الذى أورده لين Lane للأحبوشة، واذا كان الأمر كذلك فقد يكون الأحابيش مكونين أساسا من رجال غير قبليين أصبحوا متحالفين مع القبائل الوارد ذكرها فى الفقرة (أ) . فهذه القبائل يمكن- بالكاد- أن تعتبر هى الحلفاء المعتادين لقبيلة قريش والتى ربما حاربت جنبا الى جنب مع الاسرات (القبائل) التى ارتبطوا بها.
وكان بعض الحلفاء أشخاصا ذوى أهمية فى مكة، مثل الأخنس بن شريق الذى طلب محمد صلى الله عليه وسلم حمايته فى موقف من المواقف. أما عبارة (بلا نسب)«17» - ان كانت صحيحة- فهى تعنى ببساطة- تواضع الأصل (ذوو أصل متواضع) . وحقيقة أن ظهورهم للمرة الأولى كمناوئين لقريش (انظر الفقرة ل) تجعلنا نميل الى التأكيد أنهم كانوا مجموعة ضعيفة تشكل ما يشبه التنظيم القبلى، فى المناطق المجاورة لمكة.
3-
وأفعال ابن الدغنة يمكن أن تشير الى وضع خاص له فى مكة، لكن أهميته مغالى فيها فهو لم يكن فى الحقيقة مستعدا للعمل ضد قريش. وفى الفقرتين:(د) و (ح) نجد الحليس يتصرف كزعيم مستقل يتعامل مع قريش على قدم المساواة ومثل هذا التصرف قد يكون كافيا لتوضيح ما اذا كانت العلاقة بين الأحابيش وقريش- مثلا- مثل علاقتها ببنى بكر بن عبد مناة.
4-
لقد كان لدى أهل مكة عبيد سود- ربما كان عددهم كبيرا- وقد اشترك هؤلاء العبيد فى المعارك، ويبدو أن بعضهم كانوا يحاربون عن سادتهم (أو فى صف سادتهم) ؛ لكن الفقرة (ج) تشير الى وجود تشكيل عسكرى خاص بهم فى معركة أحد، وهو تنظيم منفصل عن تنظيم الأحابيش. فالعبيد يعيشون فى مكة كما هو مفترض، أما الأحابيش فيعيشون على بعد رحلة قوامها يومان من مكة (الفقرة أ) .
(16) الواقدى، 225 فهناك اشارة الى (أحابيش) سفيان الهذلى.
(17)
انظر الفقرة (هـ) انفا.
5-
ولا بد أن نتذكر امكانية الخلط فى بعض الفقرات بين معنى (الاثيوبيين- الأحباش) وهم رجال ليسوا من قبيلة واحدة، و «رجال الأحباش، men or Ahbash «فمثل هذه الاشتقاقات المزعومة، يفترض أنها مرتبطة بمؤرخين حوليين متأخرين- أتوا فى زمن لاحق.
6-
مهما يكن أمر الأحابيش، ومهما كان الغموض الدائر حولهم، فلم يكونوا ذوى أهمية كبيرة فى المعارك المذكورة، رغم أن عددهم قد يكون أضاف شيئا للصعوبات التى واجهها المسلمون. فالافتراض الضار (غير الصحيح Wicked (الذى ذهب اليه لامانس بأن قوة مكة كانت قائمة على جيش من العبيد- افتراض لا حقيقة له. فلم يكن تجار مكة الكبار مولعين بالحرب بل لقد كانوا يحاولون تحاشيها، وان كان هذا لا يمنع من اتخاذهم الحيطة لأنفسهم عند الضرورة.