الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والثانية الى الحبشة) بعضهم عاد الى مكة ومنها هاجروا للمدينة، وبعضهم لم يعد حتى سنة 7 هـ عندما التحقوا بالرسول صلى الله عليه وسلم فى خيبر.
(ب) شرح قائمتى المهاجرين الى الحبشة
تساءل المؤرخون الغربيون عن مسألة وجود هجرتين منفصلتين (أولى وثانية) الى الحبشة، خاصة الباحث كيتانى «21» Caeteni الذى اعتمدنا فى المناقشات التالية اعتمادا كبيرا على معالجته لهذه المسألة. ان السبب الرئيسى لرفض فكرة وجود هجرتين منفصلتين هو أن ابن اسحق- كما نقل ابن هشام والطبرى- لم يذكر فى الحقيقة أن هناك هجرتين. انه لم يقل الا ان أوائل من هاجر الى الحبشة هم
…
ثم أعطانا قائمة موجزة، ثم واصل حديثه قائلا ان جعفر بن أبى طالب خرج مهاجرا وتبعه المسلمون واحدا اثر الاخر. انه لم يذكر أن أحدا ممن ورد فى القائمة الأولى عاد الى مكة أو المدينة ليهاجر ثانية الى الحبشة، وأن القائمتين ليستا مرتبتين وفقا لوجود هجرتين (أولى فثانية) ، وانما وفقا لأسبقية تدوين أسماء المهاجرين فى السجلات العامة للدولة بعد ذلك، أو هذا ما نفترضه. فأبو صبرة يقال انه أول من وصل للحبشة مهاجرا «22» وعمرو بن سعيد بن العاص يقال انه هاجر للحبشة بعد هجرة أخيه خالد بعامين «23» . هذه الحقائق، بالاضافة لكلمة (تتابع) ، تفيد أنه لم تكن هناك مجموعتان كبيرتان، وانما عدد من المجموعات الصغيرة.
والانطباع الذى نخرج به من رواية ابن اسحق أن هناك قائمتين (مجموعتين كبيرتين) يذكرهما الناس فى أيامه عن مهاجرين ذهبوا للحبشة، لكنه غير متأكد عن الصلة الحقيقة بين هاتين المجموعتين (هاتين الهجرتين) . اننا نستطيع أن نقدم تفسيرا بسيطا لكيفية تحول الهجرة الواحدة الى هجرتين (على فرض أن فرضنا بأنها أساسا هجرة واحدة هو فرض صحيح) ، وأن نفسر أيضا الأسماء الواردة فى القائمتين.
(21)
Ann، i، pp.262- 272; cf.Buhl، in Noldeke- Festschrift، Giess en، 1906، i، 13- 32.
(22)
الطبرى، 1184.
(23)
ابن اسحق، هج 4، 1، 73، 14.
فى سنة 15 هـ، طور الخليفة عمر بن الخطاب نظاما يتلقى المسلمون بمقتضاه أعطيات سنوية من الخزانة العامة للدولة (بيت المال) مقابل خدماتهم فى الحرب والادارة. وكانت هذه الاعطيات تختلف وفقا للأسبقية الى الاسلام فالأسبق يتقاضى مبلغا أكبر من المبلغ الذى يتقاضاه من أسلم بعده، وفى هذا النظام الجديد الذى اعتمد سنة 15 هـ كانت أعلى طبقة بعد زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم وعشيرته هى طبقة البدريين (الذين شاركوا كمسلمين فى غزوة بدر مع الرسول صلى الله عليه وسلم لكن يبدو من المحتمل أنه فى وقت سابق كانت الطبقة العليا هى التى تمثل المهاجرين.
وبالرجوع للمناقشات التى دارت حول هذا الموضوع، يتضح أنه من المؤكد أن قيام المسلم بالهجرة الى الحبشة أو الهجرة الى المدينة أو كلتيهما كان مدعاة لشرف خاص؛ اذ كان يرفع قدر القائم بالهجرة الى الدرجات العلا فى سلك النبالة الجديد. (وفقا للمعابير الجديدة للنبالة بعد الاسلام) .
وهذه المناقشات تكاد تكون موضوعة فى زمن لاحق مادامت قد فقدت معظم عناصرها بعد الاصلاح الذى أنجزه عمر بن الخطاب (رضى الله عنه)، فما حدث بالفعل يمكن اعادة بنائه على النحو التالى (أو يمكن أن نتصور ما جرت عليه الأمور كالتالى) :
فى عام 7 هـ، أراد محمد صلى الله عليه وسلم على نحو خاص أن يدعم وضعه بالحصول على تأييد المجموعة الصغيرة التى ما زالت فى الحبشة فأرسل اليهم رسولا ليؤكد لهم ترحيبه الحار وليرافقهم فى العودة، فعادوا معه أو على الأقل عاد بعضهم فتلقاهم الرسول بقبول حسن وأشركهم فى غنائم خيبر التى كان محمد صلى الله عليه وسلم قد فتحها لتوه. ربما منذ ذلك الوقت أطلق لفظ (الهجرة) على الذين ذهبوا للحبشة وبالتالى أصبحوا (مهاجرين) ، وكان هذا بدعم من محمد صلى الله عليه وسلم نفسه كمبرر لمعاملته الكريمة جدا لجعفر وجماعته، فكان لا بد من هذا المبرر لتعليل مساواتهم بالمهاجرين الى المدينة المنورة. ولسوء الحظ، فان هذا جعل من الممكن لبعض من قضى فى الحبشة فترة قصيرة ثم هاجر من مكة الى المدينة أن يطالب لنفسه بحق فى هجرتين. وقد تجنب محمد صلى الله عليه وسلم ذلك بتوسيع مفهوم الهجرة بأن قال ما يفيد أنهم هاجروا مرة الى الحبشة وهاجروا من
الحبشة اليه (أى الى الرسول صلى الله عليه وسلم «24» . وعند تفحصنا لقائمة المهاجرين الأولى للحبشة (من بين القائمتين المذكورتين انفا) ، سنجد أنه من المحتمل أنها قائمة غير كاملة بمن قاموا بهجرتين احداهما للحبشة والاخرى للمدينة، وليس من الضرورى أن تكون كلتا الهجرتين الى الحبشة. فمعظم من كانوا فى الحبشة واعتبروا أيضا من المهاجرين الى المدينة (المنورة) هم الذين وردوا فى هذه القائمة الأولى «25» .
ويبدو أن عمر بن الخطاب كان من بين المعارضين الرئيسيين لهذه المعاملة التفضيلية للذين قضوا فترة أطول فى الحبشة. فعلى الأقل هناك رواية لا زالت محفوظة عن نزاع بين عمر بن الخطاب وزوجة جعفر ابن أبى طالب تدخل محمد صلى الله عليه وسلم لتسويتها «26» *. هذا يلقى ضوا
(24) ابن سعد، الطبقات الكبرى، ص 4، مج 1، 79- 78. وانظر أيضا، ص 8 والحاشية فى ص 205.
(25)
انظر الملحق (ز) باخر الكتاب.
(26)
البخارى، 64، 38 (ج 3، 128 وما بعدها) الترجمة ج 3، ص 162.
* لم نستطع الاستدلال على حديث بهذا المعنى فى طبعات صحيح البخارى التى بين أيدينا (على سبيل المثال طبعة دار احياء الكتب العربية- البابى الحلبى) . لكن هناك أحاديث تشير لفضل من هاجروا الحبشة واعتبارهم أصحاب هجرتين، وفيما يلى الأحاديث التى أوردها صحيح البخارى (الطبعة المتاحة لنا) عن كل ما يتعلق بالهجرة للحبشة: (
…
باب هجرة الحبشة. وقالت عائشة: قال النبى صلى الله عليه وسلم: دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين فهاجر من هاجر قبل المدينه ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة الى المدينة. فيه عن أبى موسى وأسماء عن النبى صلى الله عليه وسلم. حدثنا عبد الله بن محمد الجعفى حدثنا هشام أخبرنا معمر عن الزهرى حدثنا عروة بن الزبير أن عبيد الله بن عدى بن الخيار أخبره أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود ابن عبد يغوث قالا له: ما يمنعك أن تكلم خالك عثمان فى أخيه الوليد بن عقبة وكان أكثر الناس فيما فعل به. قال عبيد الله: فانتصبت لعثمان حين خرج الى الصلاة فقلت له: ان لى اليك حاجة وهى نصيحة فقال أيها المرء أعوذ بالله منك فانصرفت فلما قضيت الصلاة جلست الى المسور والى ابن عبد يغوث فحدثتهما بالذى قلت لعثمان وقال لى فقالا قد قضيت الذى كان عليك فبينما أنا جالس معهما اذ جاءنى رسول عثمان فقالا لى قد ابتلاك الله فانطلقت حتى دخلت عليه فقال ما نصيحتك التى ذكرت انفا قال فتشهدت ثم قلت: ان الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه الكتاب وكنت ممن استجاب لله ورسوله صلى الله عليه وسلم وامنت به وهاجرت الهجرتين الأوليين وصحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأيت هديه وقد أكثر الناس فى شأن الوليد بن عقبة فحق عليك أن تقيم عليه الحد فقال له يا ابن أخى أدركت رسول