الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19) ..) .
أى أنه فى هذا اليوم لا يكون لأحد سلطة أو نفوذ لنفع الاخر أو ضره. ونقرأ فى السورة 35 (فاطر) :
(وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى، إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18) ..) .
لكن لا بد أن نذكر أنه فى السور المدنية حيث تكون المجتمع الاسلامى، كان هناك تركيز على مسئولية الفرد تجاه أقربائه:
(
…
وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ (177) ..) .
(ب) الجانب الأخلاقى
لا تتناسب مثل المروة البدوية مع المجتمع التجارى، فالقيم التى تؤدى للنجاح فى مثل هذا المجتمع ليست الشجاعة فى القتال والصبر على المكاره، والاصرار على الثأر وحماية الضعيف وصد القوى، وانما قد يكون أول ما تتطلبه بعض الارتباط بأمور القوافل، ثم لن تسير الأمور بعد ذلك فى المسار الخاطئ، لكن اذا ترجم مبدأ (الاصرار على الأخذ بالثأر) ليصبح بمعنى التصدى لارجاع الحق لصاحب الحق، فهناك مسألة وراء ذلك، ليس من المعقول أن يفعل التاجر ذلك، فالنجاح فى مضمار التجارة والمال مرتبط باهمال الضعيف وتوثيق عرى الصداقة مع القوى (نظريا فى حدود المعاملات المستقيمة) . فالفضيلة البدوية المتمثلة فى حفظ الأمانة كانت بالتأكيد أمرا مهما؛ لأن حدا أدنى من الاستقامة فى العمل التجارى يعد أمرا ضروريا لتكوين الثقة التى هى بمثابة شحم
يساعد على ادارة عجلة الأعمال التجارية، وحلف الفضول «20» يبدو أنه كان تنظيما الهدف منه مواجهة ممارسات اتسمت بقلة الذمة وانعدام الضمير. والانشغال بالأعمال المالية الكبرى- مرة أخرى- لا يعنى بالضرورة الكرم، بل قد يعنى العكس مادام رجال المال يحاولون دائما زيادة أرصدتهم المالية (كما يشير القران الكريم) ، ومن ناحية أخرى فان الحاجة للاحسان (اعانة الاخرين) فى مدينة مثل مكة ربما كان أمرا مهما كالحاجة اليه فى الصحراء.
فالاعتراف بمثل المروة كان بمفهوم شرف القبيلة وكان- على نحو أقل- بشرف الفرد المنتمى للقبيلة. وكانت قوة الاعتراف بمبدأ شرف القبيلة فى الرأى العام متجذرا، وكان التعبير عن الرأى العام وصياغة قيمه- فى الأساس- مهمة الشعراء. وفى ظروف الصحراء قد نتوقع أن القبائل الأقوى أمثلة مقبولة للمروة، وان هذه القبائل لا بد وأن تكون قادرة على حث الشعراء على مدحها، سواء أكانوا شعراء من داخل القبيلة أم فى خارجها. لكن بزيادة الثروات الضخام فى مكة- يظهر أن الرأى العام لم يعد يوضع فى الاعتبار كثيرا، حتى بالنسبة للرأى العام لدى العرب عموما. فالثروة قادرة دوما على شراء مديح الشعراء عند الضرورة، لكن الانطباع الذى يخرج به المرء هو أن ذلك لم يكن ضروريا (ليس هناك مبرر لدفع الأموال طلبا لمدح الشعراء) ، فلم يكن أهل مكة يقيمون وزنا كبيرا للشعر. وربما كان تشعب سلطة أثرياء مكة عظيما منتشرا مما دفع الى استحسان أفعالهم (أو على الأقل الى الكف عن نقدهم) ، رغم أن مدحهم لم يكن أمرا يتسم بالصدق.
ما ذكرناه لتونا هو فى جزء منه استنتاج من الحقيقة التى مؤداها أن أفعال الكرم التى أشار القران الكريم الى أنها كانت تنقص أهل مكة، كانت أفعالا ينظر اليها البدو باعتبارها شيئا جديرا بالاحترام. ففضيلة الكرم- التى هى نقيضة للشح أو البخل- كانت جزا من المثل العليا العربية القديمة. فكما ذكر لامانس Lammens أنه «من بين أفكار
(20) انظر الفصل الأول/ الفقرة (2) .
البدو.. أن الثرى (صاحب الثروة) يبدو لهم ببساطة كمستودع للثروة (حافظ لها أو أمين عليها (depositaire انه واضع يد بشكل مؤقت على ثروته، وأن مهمته هى توزيعا عند الضرورة على أفراد قبيلته.. انها وسيلته لاظهار كرمه وفداء الأسرى ودفع ثمن المديح الذى يقدمه الشعراء «21» » .
وقد يكون هذا القول عرضة للنقد على أساس أنه يغافل ذكر أن وضعية سيد القبيلة أو شيخها داخل القبيلة تتيح له فرصا لزيادة ثروته.
وتركيز القران الكريم على الاحسان والصدقة.. الخ يعنى أن قيم الكرم كانت قد انهارت فى مكة، أولم يعترف بها كقيم مهمة، فقد كان سلوك أثرياء مكة من النوع الذى كان يعتبره أهل الصحراء سلوكا غير شريف، لكن لم يكن هناك فى مجتمع مكة ما يجعلهم يشعرون بالخجل منه (لأنه هو الطابع العام للسلوك فى مكة) لقد كانت المثل العليا القديمة قد أصبحت مهجورة تماما.
وكانت استجابة القران الكريم لهذا الوضع ذات أبعاد مختلفة.
فبتركيزه على السخاء والكرم (المقصود الصدقة والزكاة..) انما يحيى جانبا من جوانب المثل القديمة عند العرب، ولا يا بنى من فراغ وانما يا بنى على قواعد أو أسس كانت موجودة بالفعل فى الروح العربية.
وأكثر من هذا، فقد كانت روح السماحة والكرم ذات صلة بالظروف فى مكة (المقصود أن الاشارة اليها تثير أمورا ذوات صلة بالأوضاع فى مكة) . وفى الوقت نفسه، فان القران الكريم ربط بين روح السماحة والكرم (المقصود الزكاة والصدقات
…
الخ) بالثواب والعقاب فى الحياة الاخرى. فالبخلاء الممسكون سيلقون عذابا أبديا. ولم يكن لهذا تأثير بطبيعة الحال اذا لم يكن الناس مؤمنين باليوم الاخر، لكن الى حد ما- كان هناك شىء ما قد تم افرازه كان قادرا على سد الفجوة الناشئة عن انهيار الوازع القديم، وظهور وازع جديد مختلف فى مجتمع الفردية.an individualistic Society
Berceau ،253 ،cf. 211 ،239. (21)