المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(ب) قصة الايات الشيطانية - محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة

[ويليام مونتغمري وات]

فهرس الكتاب

- ‌المستشرق (مونتجمري وات)

- ‌الألف كتاب الثانى نافذة على الثقافة العالمية

- ‌الفهرس

- ‌مقدمة الترجمة العربية

- ‌القران الكريم

- ‌الحديث

- ‌كتب السيرة والمغازى

- ‌كتب التاريخ العام

- ‌علم نفس النبوة

- ‌قضية عثمان بن مظعون (رضى الله عنه) وقضايا أخرى شبيهة

- ‌الأمن والمال والدولة والرسالة

- ‌«كل التاريخ تاريخ حديث»

- ‌تمهيد

- ‌1- وجهة نظر

- ‌2- ملاحظة عن المصادر

- ‌الفصل الأول الخلفية العربية

- ‌1- الأسس الاقتصادية

- ‌2- السياسة المكية

- ‌(أ) المجموعات السياسية فى قريش

- ‌الأدلة الرئيسية التى تؤكد افتراض هذا التقسيم للعشائر هى:

- ‌(ب) ادارة الأمور فى مكة

- ‌(ج) قريش والقبائل العربية

- ‌(د) سياسة مكة الخارجية

- ‌3- الخلفية الاجتماعية والأخلاقية

- ‌(أ) التضامن القبلى والفردية

- ‌(ب) المثل العليا الأخلاقية

- ‌4- الخلفية الدينية والفكرية

- ‌(أ) تدهور الديانة القديمة

- ‌(ب) «الانسانية القبلية»

- ‌(ج) ظهور الاتجاه نحو التوحيد

- ‌الفصل الثانى بواكير حياة محمد صلى الله عليه وسلم ودعوة النبوة

- ‌1- نسب محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌2- مولد محمد صلى الله عليه وسلم ، وسنواته الأولى

- ‌3- زواج محمد عليه الصلاة والسلام من خديجه

- ‌4- الدعوة للنبوة

- ‌(أ) رواية الزهرى

- ‌(ب) رؤى محمد عليه الصلاة والسلام

- ‌(ج) الاختلاء فى حراء، التحنث

- ‌(د) «أنت رسول الله»

- ‌(هـ) «اقرأ»

- ‌(و) سورة المدثر، الفترة

- ‌(ز) خوف محمد ويأسه

- ‌(ح) خديجة وورقة بن نوفل يشدان من أزر محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌خاتمة

- ‌5- أشكال وعى محمد صلى الله عليه وسلم بنبوته

- ‌6- التتابع الزمنى لوقائع الحقبة المكية

- ‌الفصل الثالث الرسالة الأصلية (جوهر الرسالة)

- ‌1- فى تاريخ نزول القران (الكريم)

- ‌2- المحتوى القرانى لأول ما نزل من القران (الكريم)

- ‌(أ) خلق الله للانسان ولطفه به

- ‌(ب) الكل راجع الى الله ليوفيه حسابه

- ‌(ج) استجابة الانسان- شكر وعبادة

- ‌(د) استجابة الانسان لله سبحانه- السماحة والكرم والتطهر

- ‌(هـ) مهمة محمد

- ‌3- العلاقة الوثيقة بين الرسالة والأحوال المعاصرة

- ‌(أ) الجانب الاجتماعى

- ‌(ب) الجانب الأخلاقى

- ‌(ج) الجانب العقلى

- ‌(د) الجوانب الدينية

- ‌4- مزيد من التأمل

- ‌(أ) الظروف الاقتصادية والدين

- ‌(ب) أصالة القران الكريم

- ‌الفصل الرابع أول من أسلم

- ‌1- الروايات المتداولة عن المسلمين الأوائل

- ‌2- استعراض للمسلمين السابقين

- ‌هاشم

- ‌المطلب

- ‌تيم

- ‌زهرة

- ‌عدى

- ‌الحارث بن فهر

- ‌ عامر

- ‌أسد

- ‌نوفل

- ‌ عبد شمس

- ‌ مخزوم

- ‌سهم

- ‌جمح

- ‌عبد الدار

- ‌[طبقات المسلمين الأوائل]

- ‌1- الأبناء الأصغر سنا فى الأسر ذوات الحيثية

- ‌2- رجال- غالبهم شباب- من أسرات أخرى

- ‌3- رجال ليس لهم ارتباطات عشائرية قوية

- ‌3- اللجوء الى الاسلام

- ‌الفصل الخامس تزايد المعارضة

- ‌1- بداية المعارضة، الايات الشيطانية

- ‌(أ) خطاب عروة

- ‌(ب) قصة الايات الشيطانية

- ‌(ج) الايات الشيطانية (ايات الغرانيق) ، الدوافع والتفسير

- ‌2- أمور الحبشة

- ‌(أ) الرواية التقليدية عن الهجرة الى الحبشة

- ‌(ب) شرح قائمتى المهاجرين الى الحبشة

- ‌(ج) أسباب الهجرة الى الحبشة

- ‌3- مناورات المعارضة

- ‌(أ) اضطهاد المسلمين

- ‌(ب) الضغط على بنى هاشم

- ‌(ج) عروض التسوية على محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌4- شهادة القران (الكريم)

- ‌(أ) النقد الكلامى لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌(ب) النقد الكلامى لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌(ج) أفعال معارضى محمد

- ‌5- قادة المعارضة ودوافعهم

- ‌الفصل السادس افاق ممتدة

- ‌1- تدهور فى أوضاع محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌2- زيارة النبى للطائف

- ‌3- الاقتراب من القبائل البدوية

- ‌4- المفاوضات مع المدينة

- ‌(أ) توطئة

- ‌(ب) بيعتا العقبة، الأولى والثانية

- ‌5- هجرة النبى صلى الله عليه وسلم الى المدينة

- ‌6- حصاد الحقبة المكية

- ‌الملحق (أ) الأحابيش

- ‌الملحق (ب) التوحيد عند العرب والتأثيرات اليهودية المسيحية

- ‌الملحق (ج) الحنفاء

- ‌الملحق (د) مبحث حول (تزكى)

- ‌الملحق (ه

- ‌الملحق (و) المرويات عن عروة

- ‌الملحق (ز) قوائم مختلفة

- ‌الملحق (ح) عودة المهاجرين

الفصل: ‌(ب) قصة الايات الشيطانية

التالية. ففى هذه الحال لا بد أن نفترض أن قريشا قد تضايقت لأن صنم الطائف كان قد بدأ يحقق شهرة كبيرة، وربما بدأ أهل الطائف يعتبرونه على قدم المساواة مع أصنام مكة. وبشكل عام، فان الحل الأكثر بساطة والأكثر مدعاة للقبول هو القول بأن المعارضة الفعالة للرسول لم تظهر الا بعد التعرض للأوثان، فالاشارة الى قريش فى الطائف تشير الى ان لدى عروة بعض مصادر المعلومات الجيدة غير القران (الكريم) . دعونا الان نقبل بصحة القضية الأولى بشكل مؤقت (القضية الأولى هى المثارة انفا من أن معارضة قريش للرسول لم تبدأ الا بعد التعرض للأوثان) .

(ب) قصة الايات الشيطانية

تعد السورة 53 (سورة النجم) أكثر الايات المكية التى تعرضت للأوثان لفتا للنظر، وترتبط قصة الايات الشيطانية بها. وكان الطبرى «2» هو أول من ذكر هذه القصة على النحو التالى*:

«حدثنى يعقوب بن ابراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن محمد ابن اسحاق، قال: حدثنى سعيد بن ميناء، مولى أبى البخترى، قال:

لقى الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، ونشركك فى أمرنا كله، فان كان الذى جئت به خيرا مما فى أيدينا، كنا قد شركناك فيه، وأخذنا بحظنا منه، وان كان الذى بأيدينا خيرا مما فى يدك، كنت قد شركتنا فى أمرنا، وأخذت بحظك منه، فأنزل الله عز وجل:(قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ) ، حتى انقضت السورة.

فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصا على صلاح قومه، محبا مقاربتهم بما وجد اليه السبيل، قد ذكر أنه تمنى السبيل الى مقاربتهم، فكان من

(2) وكذلك تفسير الطبرى Ann ،1192 ،cf..119، 17،

* اثرنا الرجوع مباشرة لنص الطبرى لا ترجمته الى العربية من نص المترجم الذى لا يختلف فى معناه، كما اثزنا ايراد الأسانيد كما أوردها الطبرى رغم طولها- (المترجم) .

ص: 196

أمره فى ذلك ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنى محمد بن اسحاق، عن يزيد بن زياد المدنى، عن محمد بن كعب القرطى، قال: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تولى قومه عنه، وشق عليه ما يرى من مباعدتهم ما جاءهم به من الله، تمنى فى نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب بينه وبين قومه، وكان يسره مع حبه قومه، وحرصه عليهم أن يلين له بعض ما قد غلظ عليه من أمرهم، حتى حدث بذلك نفسه، وتمناه وأحبه، فأنزل الله عز وجل:(وَالنَّجْمِ إِذا هَوى * ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى * وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى)، فلما انتهى الى قوله:(أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى* وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) ، ألقى الشيطان على لسانه، لما كان يحدث به نفسه، ويتمنى أن يأتى به قومه:«تلك الغرانيق العلا، وأن شفاعتهن لترتجى» ، فلما سمعت ذلك قريش فرحوا، وسرهم وأعجبهم ما ذكر به الهتهم، فأصاخوا له- والمؤمنون مصدقون نبيهم فيما جاءهم به عن ربهم، ولا يتهمونه على خطأ ولا وهم ولا زلل- فلما انتهى الى السجدة منها وختم السورة سجد فيها، فسجد المسلمون بسجود نبيهم، تصديقا لما جاء به، واتباعا لأمره، وسجد من فى المسجد من المشركين من قريش وغيرهم، لما سمعوا من ذكر الهتهم، فلم يبق فى المسجد مؤمن ولا كافر الا سجد، الا الوليد بن المغيرة، فانه كان شيخا كبيرا، فلم يستطع السجود، فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها، ثم تفرق الناس من المسجد، وخرجت قريش، وقد سرهم ما سمعوا من ذكر الهتهم، يقولون: قد ذكر محمد الهتنا بأحسن الذكر، قد زعم فيما يتلو:«أنها الغرانيق العلا، وأن شفاعتهن ترتضى» وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: أسلمت قريش، فنهض منهم رجال، وتخلف اخرون، وأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، ماذا صنعت! لقد تلوت على الناس ما لم اتك به عن الله عز وجل، وقلت ما لم يقل لك! فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك حزنا شديدا، وخاف من الله خوفا كثيرا، فأنزل الله عز وجل وكان به رحيما- يعزيه ويخفض عليه الأمر، ويخبره أنه لم يك قبله نبى ولا رسول تمنى كما تمنى، ولا أحب كما أحب الا والشيطان قد ألقى فى أمنيته،

ص: 197

كما ألقى على لسانه صلى الله عليه وسلم، فنسخ الله ما القى الشيطان والحكم آياته، أى فأنما أنت كبعض الأنبياء والرسل، فأنزل الله عز وجل:(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ، فأذهب الله عز وجل عن نبيه الحزن، وامنه من الذى كان يخاف، ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه من ذكر الهتهم:«أنها الغرانيق العلا وأن شفاعتهن ترتضى» ، بقول الله عز وجل حين ذكر اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى:(أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى. تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى) أى عوجاء، (ان هى الا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم) - الى قوله- (لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى) ، أى فكيف تنفع شفاعة الهتكم عنده!

فلما جاء من الله ما نسخ ما كان الشيطان القى على لسان نبيه، قالت قريش: ندم محمد على ما ذكر من منزلة الهتكم عند الله، فغير ذلك وجاء بغيره، وكان ذانك الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وقعا فى فم كل مشرك، فازدادوا شرا الى ما كانوا عليه وشدة على من أسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم، وأقبل أولئك النفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين خرجوا من أرض الحبشة لما بلغهم من اسلام أهل مكة حين سجدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى اذا دنوا من مكة، بلغهم أن الذى كانوا تحدثوا به من اسلام أهل مكة كان باطلا، فلم يدخل منهم أحد الا بجوار، أو مستخفيا، فكان ممن قدم مكة منهم فأقام بها حتى هاجر الى المدينة، فشهد معه بدرا من بنى عبد شمس بن عبد مناف ابن قصى، عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية، معه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس معه امرأته سهلة بنت سهيل، وجماعة أخر معهم، عددهم ثلاثة وثلاثون رجلا.

حدثنى القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال:

حدثنى حجاج، عن أبى معشر، عن محمد بن كعب القرظى ومحمد بن قيس، قالا: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ناد من أندية قريش، كثير أهله، فتمنى يومئذ ألا يأتيه من الله شىء فينفروا عنه، فأنزل الله عز وجل:

ص: 198

(وَالنَّجْمِ إِذا هَوى * ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى)، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اذا بلغ:(أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى* وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) ألقى الشيطان عليه كلمتين: «تلك الغرانيق العلا* وان شفاعتهن لترتجى» ، فتكلم بهما، ثم مضى فقرا السورة كلها، فسجد فى اخر السورة، وسجد القوم معه جميعا، ورفع الوليد بن المغيرة ترابا الى جبهته، فسجد عليه- وكان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود- فرضوا بما تكلم به، وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيى ويميت، وهو الذى يخلق ويرزق، ولكن الهتنا هذه تشفع لنا عنده، فاذا جعلت لها نصيبا فنحن معك. قالا: فلما أمسى أتاه جبرائيل عليه السلام، فعرض عليه السورة، فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه، قال: ما جئتك بهاتين! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

افتريت على الله، وقلت على الله ما لم يقل، فأوحى الله اليه:(وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ) الى قوله: (ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً) ، فمازال مغموما مهموما، حتى نزلت:(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ) - الى قوله: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) .

قال: فسمع من كان بأرض الحبشة من المهاجرين أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، فرجعوا الى عشائرهم، وقالوا: هم أحب الينا، فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان» *.

وفى شرحه للاية 52 من السورة رقم 22 (الحج)«3» يذكر لنا الطبرى عددا من الروايات الاخرى حول هذا الموضوع، منها روايتان للمدعو أبو علية، وهما روايتان مهمتان لاحتوائهما على تفصيلات ليست فى الروايات الشائعة، وفيما يلى نص ما ورد فى تفسير الطبرى**:

(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52)) .

* الطبرى، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، ص 550 وما بعدها.

(3)

ج 17، 119- 121.

** اثرنا نقل النص كما هو باسناده كما ورد فى تفسير الطبرى، لا ترجمة من كلمات المؤلف.

ص: 199

قيل: ان السبب الذى من أجله أنزلت هذه الاية على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الشيطان كان ألقى على لسانه فى بعض ما يتلوه مما أنزل الله عليه من القران ما لم ينزله الله عليه، فاشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم واغتم به، فسلاه الله مما به من ذلك بهذه الايات. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن أبى معشر، عن محمد بن كعب القرظى ومحمد بن قيس قالا: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ناد من أندية قريش كثير أهله، فتمنى يومئذ ألايأتيه من الله شىء فينفروا عنه، فأنزل الله عليه:(وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى) فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى اذا بلغ:(أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) ألقى عليه الشيطان كلمتين: «تلك الغرانقة العلى، وان شفاعتهن لترجى» ، فتكلم بها. ثم مضى فقرأ السورة كلها.

فسجد فى اخر السورة، وسجد القوم جميعا معه، ورفع الوليد بن المغيرة ترابا الى جبهته فسجد عليه، وكان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود، فرضوا بما تكلم به وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيى ويميت وهو الذى يخلق ويرزق، ولكن الهتنا هذه تشفع لنا عنده اذ جعلت لها نصيبا، فنحن معك! قالا: فلما أمسى أتاه جبرائيل عليه السلام فعرض عليه السورة؛ فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال: ما جئتك بهاتين! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «افتريت على الله وقلت على الله ما لم يقل» فأوحى الله اليه: (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ، لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ)

الى قوله: (ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً) .

فمازال مغموما مهموما حتى نزلت عليه: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) . قال: فسمع من كان من المهاجرين بأرض الحبشة أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، فرجعوا الى عشائرهم وقالوا: هم أحب الينا! فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن اسحاق، عن يزيد ابن زياد المدنى، عن محمد بن كعب القرظى قال: لما رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلم

ص: 200

تولى قومه عنه، وشق عليه ما يرى من مباعدتهم ما جاءهم به من عند الله، تمنى فى نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب به بينه وبين قومه. وكان يسره، مع حبه وحرصه عليهم، أن يلين له بعض ما غلظ عليه من أمرهم، حين حدث بذلك نفسه وتمنى وأحبه، فأنزل الله:(وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى) فلما انتهى الى قول الله: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) ألقى الشيطان على لسانه، لما كان يحدث به نفسه ويتمنى أن يأتى به قومه:«تلك الغرانيق العلى، وان شفاعتهن ترتضى» . فلما سمعت قريش ذلك فرحوا وسرهم، واعجبهم ما ذكر به الهتهم، فأصاخوا له، والمؤمنون مصدقون نبيهم فيما جاءهم به عن ربهم، ولا يتهمونه على خطأ ولا وهم ولا زلل. فلما انتهى الى السجدة منها وختم السورة، سجد فيها، فسجد المسلمون بسجود نبيهم، تصديقا لما جاء به واتباعا لامره، وسجد من فى المسجد من المشركين من قريش وغيرهم لما سمعوا من ذكر الهتهم، فلم يبق فى المسجد مؤمن ولا كافر الا سجد الا الوليد بن المغيرة، فانه كان شيخا كبيرا فلم يستطع، فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها. ثم تفرق الناس من المسجد، وخرجت قريش وقد سرهم ما سمعوا من ذكر الهتهم، يقولون: قد ذكر محمد الهتنا بأحسن الذكر، وقد زعم فيما يتلو أنها الغرانيق العلى وأن شفاعتهن ترتضى! وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل: أسلمت قريش. فنهضت منهم رجال، وتخلف اخرون. وأتى جبرائيل النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد ماذا صنعت؟ لقد تلوت على الناس ما لم اتك به عن الله، وقلت ما لم يقل لك! فحزن رسول الله عند ذلك، وخاف من الله خوفا كبيرا، فأنزل الله تبارك وتعالى عليه- وكان به رحيما- يعزيه ويخفض عليه الأمر ويخبره أنه لم يكن قبله رسول ولا نبى تمنى كما تمنى ولا أحب كما أحب الا والشيطان قد ألقى فى أمنيته كما ألقى على لسانه صلى الله عليه وسلم، فنسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آياته، أى فأنت كبعض الأنبياء والرسل، فأنزل الله:(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ)

الاية. فأذهب الله عن نبيه الحزن، وأمنه من الذى كان بخاف، ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه من ذكر الهتهم

ص: 201

أنها الغرانيق العلى وان شفاعتهن ترتضى. يقول الله حين ذكر اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى، الى قوله:(وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى) ، أى فكيف تنفع شفاعة الهتكم عنده. فلما جاءه من الله ما نسخ ما كان الشيطان ألقى على لسان نبيه، قالت قريش: ندم محمد على ما كان من منزلة الهتكم عند الله، فغير ذلك وجاء بغيره! وكان ذلك الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسوله قد وقعا فى فم كل مشرك، فازدادوا شرا الى ما كانوا عليه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت داود، عن أبى العالية، قال: قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انما جلساؤك عبد بنى فلان ومولى بنى فلان، فلو ذكرت الهتنا بشىء جالسناك، فانه يأتيك أشراف العرب فاذا رأوا جلساءك أشراف قومك كان أرغب لهم فيك! قال: فألقى الشيطان فى أمنيته، فنزلت هذه الاية:(أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى)

قال: فأجرى الشيطان على لسانه: «تلك الغرانيق العلى، وشفاعتهن ترجى، مثلهن لا ينسى» .

قال: فسجد النبى صلى الله عليه وسلم حين قرأها، وسجد معه المسلمون والمشركون.

فلما علم الذى أجرى على لسانه، كبر ذلك عليه، فأنزل الله:(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ)

الى قوله: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) .

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبى هند، عن أبى العالية قال: قالت قريش:

يا محمد انما يجالسك الفقراء والمساكين وضعفاء الناس، فلو ذكرت الهتنا بخير لجالسناك فان الناس يأتونك من الافاق! فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة النجم، فلما انتهى على هذه الاية:(أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) ألقى الشيطان على لسانه: «وهى الغرانقة العلى، وشفاعتهن ترتجى» . فلما فرغ منها سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون والمشركون، الا أبا أحيحة سعيد بن العاص، أخذ كفا من تراب وسجد عليه، وقال: قد ان لابن أبى كبشة أن يذكر الهتنا بخير! حتى بلغ

ص: 202

الذين بالحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين أن قريشا قد أسلمت، فاشتد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ألقى الشيطان على لسانه، فأنزل الله:(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ)

الى اخر الاية.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير، قال: لما نزلت هذه الاية: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى) قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:«تلك الغرانيق العلى، وان شفاعتهن لترتجى» . فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال المشركون: انه لم يذكر الهتكم قبل اليوم بخير! فسجد المشركون معه، فأنزل الله:(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ)

الى قوله: (عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ) .

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنى عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى) ، ثم ذكر نحوه.

حدثنى محمد بن سعد، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) الى قوله:

(وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ، وذلك أن نبى الله صلى الله عليه وسلم بينما هو يصلى، اذ نزلت عليه قصة الهة العرب، فجعل يتلوها، فسمعه المشركون فقالوا: انا نسمعه يذكر الهتنا بخير! فدنوا منه، فبينما هو يتلوها وهو يقول:

(أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) ألقى الشيطان:

«ان تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى» . فجعل يتلوها، فنزل جبرائيل عليه السلام فنسخها، ثم قال له:(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ)

الى قوله: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) .

حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول فى قوله: (وما أرسلنا من قبلك من رسول

ص: 203

ولا نبى)

الاية، أن نبى الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، أنزل الله عليه فى الهة العرب، فجعل يتلو اللات والعزى ويكثر ترديدها. فسمع أهل مكة نبى الله يذكر الهتهم، ففرحوا بذلك، ودنوا يستمعون، فألقى.

الشيطان فى تلاوة النبى صلى الله عليه وسلم: «تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى» . فقرأها النبى صلى الله عليه وسلم كذلك، فأنزل الله عليه:(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ)

الى: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) .

حدثنى يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنى يونس، عن ابن شهاب، أنه سئل عن قوله:(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ)

الاية، قال ابن شهاب: ثنى أبو بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة قرأ عليهم: (وَالنَّجْمِ إِذا هَوى)، فلما بلغ:(أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) قال: «ان شفاعتهن ترتجى» . وسها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلقيه المشركون الذين فى قلوبهم مرض، فسلموا عليه، وفرحوا بذلك، فقال لهم:«انما ذلك من الشيطان» . فأنزل الله: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ)

حتى بلغ: (فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ) .

حدثنى على، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاوية، عن على، عن ابن عباس:(فينسخ الله ما يلقى الشيطان) فيبطل الله ما ألقى الشيطان.

حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول فى قوله: (فينسخ الله ما يلقى الشيطان) نسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان على لسان النبى صلى الله عليه وسلم، وأحكم الله آياته.

وقوله: (ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ) يقول: ثم يخلص الله ايات كتابه من الباطل الذى ألقى الشيطان على لسان نبيه. (وَاللَّهُ عَلِيمٌ) بما يحدث

ص: 204

فى خلقه من حدث، لا يخفى عليه منه شىء. (حكيم) فى تدبيره اياهم وصرفه لهم فيما شاء وأحب. القول فى تأويل قوله تعالى:

(لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (53)) .

يقول تعالى ذكره: فينسخ الله ما يلقى الشيطان، ثم يحكم الله آياته، كى يجعل ما يلقى الشيطان فى أمنية نبيه من الباطل، كقول النبى صلى الله عليه وسلم:«تلك الغرانيق العلى، وان شفاعتهن لترتجى» . (فتنة) يقول: اختبارا يختبر به الذين فى قلوبهم مرض من النفاق، وذلك الشك فى صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقيقه ما يخبرهم به.

وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يتمنى ألايعيب الله الهة المشركين، فألقى الشيطان فى امنيته، فقال:«ان الالهة التى تدعى أن شفاعتها لترتجى وانها للغرانيق العلى» . فنسخ الله ذلك، وأحكم الله آياته:(أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى) حتى بلغ: (من سلطان) قال قتادة: لما ألقى الشيطان ما ألقى، قال المشركون: قد ذكر الله الهتهم بخير! ففرحوا بذلك، فذكر قوله:(ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين فى قلوبهم مرض) .

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، بنحوه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، فى قوله:(ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين فى قلوبهم مرض) يقول: وللذين قست قلوبهم عن الايمان بالله، فلا تلين ولا ترعوى، وهم المشركون بالله.

ص: 205

وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج:(والقاسية قلوبهم) قال: المشركون.

وقوله: (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ) يقول تعالى ذكره: وان مشركى قومك يا محمد لفى خلاف الله فى أمره، بعيد من الحق. القول فى تأويل قوله تعالى:

(وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (54)) .

يقول تعالى ذكره: وكى يعلم أهل العلم بالله أن الذى أنزله الله من آياته التى أحكمها لرسوله ونسخ ما ألقى الشيطان فيه، أنه الحق من عند ربك يا محمد (فيؤمنوا به) يقول: فيصدقوا به. (فتخبت له قلوبهم) يقول: فتخضع للقران قلوبهم، وتذعن بالتصديق به والاقرار بما فيه، (وان الله لهاد الذين آمنوا الى صراط مستقيم) وان الله لمرشد الذين آمنوا بالله ورسوله الى الحق القاصد والحق الواضح، بنسخ ما ألقى الشيطان فى أمنية رسوله، فلا يضرهم كيد الشيطان والقاؤه الباطل على لسان نبيهم

» .

لقد أورد الطبرى (كما هو واضح من النصوص السابقة) عددا من الروايات عن هذا الموضوع، الا أن ما هو منسوب الى المدعو (أبو علية)(بضم العين) * يحوى تفاصيل أكثر، وتبدو روايته هى الرواية الأولى (بشكلها الأول) ، وتشير رواية أبى علية أيضا أن أبا أحيحة سعيد بن العاص قال عقب سماعه الايات الشيطانية (وأخيرا تحدث أبو كبشة عن

* فى الطبرى ابن علية (بضم العين) .

ص: 206

الهتنا بما هو خير) * وقد يكون أبو أحيحة قد قال ذلك فعلا، ما دامت هناك ملاحظة مماثلة- ربما أكثر خشونة قد صدرت عن هذا الشخص نفسه عند حديثه عن محمد صلى الله عليه وسلم «4» .

واذا قارنا الروايات المختلفة وحاولنا الفصل بين الحقائق الخارجية (ظواهر النص) المتفقة معا من ناحية، والبواعث أو الدوافع التى أوردها المؤرخون المختلفون لتفسير هذه الحقائق وشرحها من ناحية أخرى، فاننا سنجد على الأقل حقيقتين مؤكدتين. أولاهما، أنه حدث ذات مرة أن قرأ محمد صلى الله عليه وسلم هذه الايات الشيطانية علنا باعتبارها جزا من القران (الكريم) **، ونظن أن هذه القصة لم يخترعها مسلمون متأخرون زمنا ولا نظن أن غير المسلمين قد أقحموها فى التاريخ الاسلامى.

* لم نجد نصا بهذا المعنى فى طبعة الطبرى التى بين أيدينا (دار الكتب العلمية- بيروت) .

(4)

ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 4، ص 69، وانظر أيضا ج 1، 2، 145، 27.

** أظهرت البحوث المقارنة أن قصة الايات الشيطانية أو ما تعرف بايات الغرانيق قصة موضوعة، ومن أفضل من فندوا هذه الروايات محمد حسين هيكل فى كتابه الشهير حياة محمد، ونورد هنا النص الكامل من كتابه عن هذه القصة: «أقام المسلمون الذين هاجروا الى الحبشة ثلاثة أشهر أسلم أثناءها عمر بن الخطاب. وعلم هؤلاء المهاجرون ما حدث على أثر اسلامه من رجوع قريش عن ايذائها محمدا ومن اتبعه، فعاد كثير منهم فى رواية، وعادوا كلهم فى رواية أخرى الى مكة. فلما بلغوها رأوا قريشا عادت الى ايذاء المسلمين والى الامعان فى عداوتهم أشد مما عرف هؤلاء المهاجرون من قبل، فعاد الى الحبشة من عاد، ودخل مكة من دخل مستخفيا أو بجوار. ويقال: ان الذين عادوا استصحبوا معهم عددا اخر من المسلمين أقاموا بالحبشة الى ما بعد الهجرة والى حين استتباب الأمر للمسلمين بالمدينة. أى داع حفز مسلمى الحبشة الى العودة بعد ثلاثة أشهر من مقامهم بها؟ هنا يرد حديث الغرانيق الذى أورده ابن سعد فى طبقاته الكبرى والطبرى فى تاريخ الرسل

ص: 207

_________

والملوك، كما أورده كثيرون من المفسرين المسلمين وكتاب السيرة، والذى أخذ به جماعة المستشرقين ووقفوا يؤيدونه طويلا. وحديث الغرانيق: أن محمدا لما رأى تجنب قريش أياه وأذاهم أصحابه تمنى فقال: ليته لا ينزل على شىء ينفرهم منى، وقارب قومه ودنا منهم ودنوا منه فجلس يوما فى ناد من تلك الأندية حول الكعبة فقرأ عليهم سورة النجم حتى بلغ قوله تعالى:(أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) فقرأ بعد ذلك: تلك الغرانيق العلا. وان شفاعتهن لترتجى. ثم مضى وقرأ السورة كلها وسجد فى أخرها. هنالك سجد القوم جميعا لم يتخلف منهم أحد. وأعلنت قريش رضاها عما تلا النبى، وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيى ويميت ويخلق ويرزق، ولكن الهتنا هذه تشفع لنا عنده. أما اذ أن جعلت لها نصيبا فنحن معك. وبذلك زال وجه الخلاف بينه وبينهم. وفشا أمر ذلك فى الناس حتى بلغ أرض الحبشة؛ فقال المسلمون بها: عشائرنا أحب الينا، وخرجوا راجعين. فلما كانوا دون مكة بساعة من نهار لقوا ركبا من كنانة فسألوهم، فقالوا: ذكر الهتهم بخير فتابعه الملأ، ثم أرتد عنها فعاد لشتم ألهتهم فعادوا له بالشر. وأتمر المسلمون ما يصنعون، فلم يطيقوا عن لقاء أهلهم صبرا فدخلوا مكة. وانما ارتد محمد عن ذكر الهة قريش بالخير، فى مختلف الروايات التى أثبتت هذا الخبر، لأنه كبر عليه قول قريش:«أما اذ جعلت لالهتنا نصيبا فنحن معك» ، ولأنه جلس فى بيته، حتى اذا أمسى أتاه جبريل فعرض النبى عليه سورة النجم، فقال جبريل: أوجئتك بهاتين الكلمتين؟! مشيرا الى «تلك الغرانيق العلا، وان شفاعتهن لترتجى» . قال محمد: قلت على الله ما لم يقل! ثم أوحى الله اليه: «وان كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا اليك لتفترى علينا غيره واذا لاتخذوك خليلا. ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن اليهم شيئا قليلا. اذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا» . وبذلك عاد يذكر الهة قريش بالشر ويسبهم، وعادت قريش لمناوأته وأيذاء أصحابه. هذا حديث الغرانيق، رواه غير واحد من كتاب السيرة، وأشار اليه غير واحد من المفسرين، ووقف عنده كثيرون من المستشرقين طويلا. وهو حديث ظاهر التهافت ينقضه قليل من التمحيص. وهو بعد حديث ينقض ما لكل نبى من العصمة فى تبليغ رسالات ربه. فمن عجب أن يأخذ به بعض كتاب السيرة وبعض المفسرين المسلمين

ص: 208

وثانيهما، أنه من المؤكد أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد أعلن بعد ذلك أن هذه الايات الشيطانية ليست من القران الكريم وأن ايات أخرى قد حلت محلها تحمل مضمونا مختلفا تماما. والروايات الأولى لا تحدد الفترة الزمنية بين نطق محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الايات الشيطانية وانكاره لها. انه من المحتمل أن ذلك قد استغرق أسابيع أو حتى شهورا.

وهناك أيضا حقيقة ثالثة أو مجموعة من الحقائق من المحتمل ان تكون اكيدة بالنسبة لنا، واعنى بها انه بالنسبه لمحمد صلى الله عليه وسلم ومعاصريه من أهل مكة فان الاشارة الأساسيه لهذه الايات الشيطانية لا بد أن تكون الى اللات وهى الربة المعبودة فى الطائف، والعزى الربة المعبودة فى نخلة بالقرب من مكة، والربة مناة التى تقع نصبها بين مكة والمدينة والتى كان يعبدها فى الأساس عرب المدينة.

وكان القرشيون هم العبدة الأساسيين للعزى، لكن أسرات أخرى ذوات طابع كهنوتى شاركت فى عبادتها فيما تقول الروايات، وهذه الأسرات من بنى سليم، وكنانه وخزاعة وثقيف وبعض هوازن. ونسمع عن أشراف المدينة أنه كان لدى الواحد منهم صنم خشبى يمثل مناة

ولذلك لم يتردد ابن اسحاق حين سئل عنه فى أن قال: انه من وضع الزنادقة. ولكن بعض الذين أخذوا به حاولوا تسويغه فاستندوا الى الايات: «وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ..» ، والى قوله تعالى:(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ) . ويفسر بعضهم كلمة «تمنى» فى الاية بمعنى قرأ، ويفسرها اخرون بمعنى الأمنية المعروفة. ويذهب هؤلاء وأولئك، ويتابعهم المستشرقون، الى أن النبى بلغ منه أذى المشركين أصحابه؛ اذ كانوا يقتلون بعضهم ويلقون بعضا فى الصحراء يلفحهم لظى الشمس المحرقة، وقد أوقروهم بالحجارة كما فعلوا ببلال حتى اضطر الى الاذن لهم فى الهجرة الى الحبشة. كما بلغ منه جفاء قومه اياه واعراضهم عنه. ولما كان حريصا على اسلامهم ونجاتهم من عبادة الأصنام، تقرب اليهم وتلا سورة النجم وأضاف اليها حكاية الغرانيق، فلما سجد سجدوا معه، وأظهروا له الميل لاتباعه مادام قد جعل لالهتهم نصيبا مع الله.

ص: 209

يضعه فى بيته «5» لكن- بشكل عام- ان عرب هذه الفترة لا يدركون الا بالكاد عبادة أى اله بشكل منفصل عن بعض الطقوس التى تتم ممارستها عند بعض الأنصاب (نصب الأصنام. (Shrines وهم بذلك يختلفون- على سبيل المثال- عن توقير المسيحيي الكاثوليكى للعذراء مريم المباركة، فعبارة (سلام لك يا مريم (Hail Mary يمكن أن تذكر فى أى مكان. ومناة- من ناحية أخرى- وفقا للنظرة السائدة بين

(5) ابن هشام، 301، 11.

ويضيف سير وليم موير الى هذه الرواية، التى وردت فى بعض كتب السيرة وكتب التفسير، حجة يراها قاطعة بصحة حديث الغرانيق. ذلك أن المسلمين الذين هاجروا الى الحبشة لم يك قد مضى على هجرتهم اليها غير ثلاثة أشهر، أجارهم النجاشى أثناءها وأحسن جوارهم. فلم يكن قد ترامى اليهم خبر الصلح بين محمد وقريش لما دفعهم الى العود حرصا على الاتصال بأهليهم وعشائرهم. وأنى يكون صلح بين محمد وقريش اذا لم يسع محمد اليه، وقد كان فى مكة أقل نفرا وأضعف قوة، وقد كان أصحابه أعجز من أن يمنعوا أنفسهم من أذى قريش ومن تعذيبهم اياهم! هذه هى الحجج التى يسوقها من يقولون بصحة حديث الغرانيق، وهى حجج واهية لا تقوم أمام التمحيص. ونبدأ بدفع حجة المستشرق موير؛ فالمسلمون الذين عادوا من الحبشة انما دفعهم الى العودة الى مكة سببان: أولهما أن عمر بن الخطاب أسلم بعد هجرتهم بقليل. وقد دخل عمر فى دين الله بالحمية التى كان يحاربه من قبل بها، لم يخف اسلامه ولم يستتر، بل ذهب يعلنه على رؤوس الملأ ويقاتلهم فى سبيله. ولم يرض عن استخفاء المسلمين وتسللهم الى شعاب مكة يقيمون الصلاة بعيدين عن قريش، بل دأب على نضال قريش حتى صلى عند الكعبة وصلى المسلمون معه. هنالك أيقنت قريش أن ما تنال به محمدا وأصحابه من الأذى يوشك أن يثير حربا أهلية لا يعرف أحد مداها ولا على من تدور دائرتها. فقد أسلم من مختلف قبائل قريش وبيوتاتها رجال تثور لقتل أى واحد منهم قبيلته وان كانت على غير دينه. فلا مفر اذا من الالتجاء فى محاربة محمد الى وسيلة لا يترتب عليها هذا الخطر. والى أن تتفق قريش على هذه الوسيلة هادنت المسلمين فلم تنل أحدا منهم بأذى. وهذا هو ما اتصل بالمهاجرين الى الحبشة، ودعاهم الى التفكير فى العودة الى مكة. وربما ترددوا فى هذا العود لو لم يكن السبب الثانى الذى ثبت عزمهم؛ ذلك أن الحبشة شبت بها يومئذ ثورة على النجاشى، كان دينه وكان ما أبدى من عطف على المسلمين بعض ما أذيع فيها من تهم وجهت اليه. ولقد أبدى المسلمون أحسن الأمانى أن ينصر الله النجاشى على خصومه؛ لكنهم لم يكونوا ليشاركوا فى هذه الثورة وهم أجانب، ولم يك قد مضى على مقامهم بالحبشة غير زمن قليل. أما وقد ترامت اليهم أنباء الهدنة بين محمد وقريش، هدنة أنجت المسلمين مما كان يصيبهم من الأذى، فخير لهم أن يدعوا الفتنة وراء ظهورهم وأن يلحقوا بأهليهم. وهذا ما فعلوه كلهم أو بعضهم. على أنهم ما كادوا يبلغون مكة حتى كانت قريش قد ائتمرت ما تصنع بمحمد وأصحابه

واتفقت عشائرهم وكتبوا كتابا تعاقدوا فيه على مقاطعة بنى هاشم مقاطعة تامة؛ فلا ينكحوا اليهم ولا ينكحوهم ولا يبيعوهم ولا يبتاعوا منهم وبهذا الكتاب عادت الحرب العوان بين الفريقين، ورجع الذين عادوا من الحبشة، وذهب معهم من استطاع اللحاق بهم. وقد وجدوا هذه المرة عنتا من قريش اذ حاولت أن تمنعهم من الهجرة. ليس الصلح الذى يشير اليه المستشرق موير، هو اذا الذى دعا المسلمين الى العودة من بلاد الحبشة: انما دعاها هذه الهدنة التى حدثت على اثر اسلام عمر وحماسته فى تأييد دين الله. فتأييد حديث الغرانيق اذا بحجة الصلح تأييد غير ناهض. أما احتجاج المحتجين من كتاب السيرة والمفسرين بالايات: (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ) و (ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ

) فهو احتجاج أشد تهافتا من حجة السير موير ويكفى أن نذكر من الايات الأولى قوله تعالى: (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا) لنرى أنه كان الشيطان قد ألقى فى أمنية الرسول حتى لقد كاد يركن اليهم شيئا قليلا فقد ثبته الله فلم يفعل، ولو أنه فعل لأذاقه الله ضعف الحياة وضعف الممات. واذا فالاحتجاج بهذه الايات احتجاج مقلوب. فقصة الغرانيق تجرى بأن محمدا ركن الى قريش بالفعل، وأن قريشا فتنته بالفعل فقال على الله ما لم يقل. والايات هنا تفيد أن الله ثبته فلم يفعل. فاذا ذكرت كذلك أن كتب التفسير وأسباب النزول جعلت هذه الايات موضعا غير مسألة الغرانيق، رأيت أن الاحتجاج بها فى مسألة تتنافى مع عصمة الرسل فى تبليغ رسالتهم، وتتنافى مع تاريخ محمد كله، احتجاج متهافت، بل احتجاج سقيم. أما الايات: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ

) فلا صلة لها بحديث الغرانيق البتة، فضلا عن ذكرها أن الله ينسخ ما يلقى الشيطان ويجعله فتنة للذين فى قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم، ويحكم الله آياته والله عليم حكيم. وندع هذا الى تمحيص القصة التمحيص العلمى الذى يثبت عدم صحتها. وأول ما يدل على ذلك تعدد الروايات فيها: فقد رويت، كما سبق القول، على أنها «تلك الغرانيق العلا وان شفاعتهن لترتجى» . ورواها بعضهم:«الغرانقة العلا ان شفاعتهم ترتجى» . وروى اخرون «ان شفاعتهن ترتجى» دون ذكر الغرانقة أو الغرانيق. وفى رواية رابعة: «وانها لهى الغرانيق العلا» وفى رواية خامسة: «وانهن لهن الغرانيق العلا. وان شفاعتهن لهى التى ترتجى» . وقد وردت فى بعض كتب الحديث روايات أخرى غير هذه الروايات الخمس. وهذا التعدد فى الروايات يدل على أن الحديث موضوع، وأنه من وضع الزنادقة، كما قال ابن اسحاق، وأن الغرض منه التشكيك فى صدق تبليغ محمد رسالات ربه. ودليل اخر أقوى وأقطع؛ ذلك سياق سورة النجم وعدم احتماله لمسألة الغرانيق. فالسياق يجرى بقوله تعالى:(لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى. أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى. أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى. تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى. إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى) وهذا السياق صريح فى أن اللات والعزى أسماء سماها المشركون هم واباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان. فكيف يحتمل أن

ص: 210

العرب لا يمكن عبادتها الا عند نصبها (أمام التمثال الممثل لها)«6» ، وعلى هذا فمضمون هذه الايات الشيطانية المشار لها انفا (التى يقال ان الشيطان ألقاها فى روع محمد صلى الله عليه وسلم أن الطقوس المتعلقة بعبادة أوثان الربات الثلاث بالقرب من مكة مسألة مقبولة. وأكثر من هذا، فان مضمون هذه الايات الناسخة؟؟؟؟؟ (المترجم: هناك فرق كبير بين الاية المنسوخة abrogate وهى الكلمة التى استخدمها المؤلف، والاية المدسوسة أو المكذوبة أو التى دسها الشيطان، فهذه الأخيرة لا وجود لها اساسا ولم ينزلها الله عز وجل، بينما الاية المنسوخة نزلت بالفعل لتناسب مرحلة زمنية معينة ثم نزل ما هو خير منها) التى حلت محل الايات الشيطانية (ايات الغرانيق) لم تتضمن ادانة لعبادة الكعبة (المترجم: لم يحدث فى أية مرحلة من مراحل التاريخ الاسلامى، وربما غير الاسلامى أن كانت الكعبة معبودا، وانما كانت موضع توقير واحترام باعتبارها أول بيت وضع للناس) اذا لم تكن هناك ايات أخرى تدين ذلك (عبادة الكعبة) تم حذفها بعد ذلك من القران الكريم؛ وان كنا فى الحقيقة لا نملك أدلة على حدوث ذلك- فان حذف الايات الشيطانية (ايات الغرانيق) من سورة النجم يؤدى الى رفع شأن الكعبة على حساب

(6) ابن الكلبى، الأصنام، 13- 19، ابن هشام Welhausen ،Reste ،24 -45..55،

يجرى السياق بما يأتى: «أفرأيتم اللات والعزى. ومناة الثالثة الاخرى. تلك الغرانيق العلا. ان شفاعتهن ترتجى. ألكم الذكر وله الانثى، تلك اذا قسمة ضيزى. ان هى الا أسماء سميتموها أنتم واباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان» أن فى هذا السياق من الفساد والاضطراب والتناقض، ومن مدح اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى وذمها فى أربع ايات متعاقبة، ما لا يسلم به عقل ولا يقول به انسان، ولا تبقى معه شبهة فى أن حديث الغرانيق مفترى وضعه الزنادقة لغاياتهم، وصدقة من يسيغون كل غريب ومن تقبل عقولهم ما لا يسيغ العقل المنطقى. وحجة أخرى ساقها المغفور له الأستاذ الشيخ محمد عبده حين كتب يفند قصة الغرانيق. تلك أن وصف العرب لالهتهم بأنها الغرانيق لم يرد فى نظمهم ولا فى خطبهم، ولم ينقل عن أحد أن ذلك الوصف كان جاريا على ألسنتهم، وانما ورد الغرنوق والغرنيق على أنه اسم لطائر مائى أسود أو أبيض، والشاب الأبيض الجميل، ولا شىء من ذلك يلائم معنى الالهة أو وصفها عند العرب. بقيت حجة قاطعة، نسوقها للدلالة على استحالة قصة الغرانيق هذه من حياة محمد نفسه؛ فهو منذ طفولته وصباه وشبابه لم يجرب عليه الكذب قط، حتى سمى

ص: 212

الأوثان الاخرى. ولا بد أن نتذكر فى هذا السياق أنه مع ارتفاع شأن الاسلام (النص: ازدياد قوة محمد صلى الله عليه وسلم تم تدمير كل هذه الأوثان وتحطيمها «7» . (المترجم: هذا فى حد ذاته كحقيقة تاريخية مؤكدة، ينسف حكاية الايات الشيطانية من أولها لاخرها) .

(7) ابن هشام، 839 وما بعدها، العزى 917، اللات، الطبرى 1649 مناة.. الخ.

الأمين ولما يبلغ الخامسة والعشرين من عمره. وكان صدقه أمرا مسلما به عند الناس جميعا. حتى لقد سال قريش يوما بعد بعثه: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل أكنتم تصدقوننى؟ فكان جوابهم: «نعم: أنت عندنا غير متهم وما جرينا عليك كذبا قط» . فالرجل الذى عرف بالصدق فى صلاته بالناس منذ نعومة أظفاره الى كهولته كيف يصدق انسان أنه يقول على ربه ما لم يقل، ويخشى الناس والله أحق أن يخشاه! هذا أمر مستحيل، يدرك استحالته الذين درسوا هذه النفوس القوية الممتازة التى تعرف الصلابة فى الحق ولا تداجى فيه لأى اعتبار. وكيف ترى بقول محمد: لو وضعت قريش الشمس فى يمينه والقمر فى شماله على أن يترك هذا الأمر أو يموت دونه ما فعل، ثم يقول على الله ما لم يوح اليه، ويقوله لينقض به أساس الدين الذى بعثه الله به هدى وبشرى للعالمين!. ومتى رجع الى قريش ليمدح الهتهم؟ بعد عشر سنوات أو نحوها من بعثه، وبعد أن احتمل هو وأصحابه فى سبيل الرسالة من ألوان الأذى وصنوف التضحية ما احتمل، وبعد أن أعز الله الاسلام بحمزة وعمر، وبعد أن بدأ المسلمون يصبحون قوة بمكة، ويمتد خبرهم الى العرب كلها والى الحبشة والى مختلف نواحى العالم. ان القول بذلك حديث خرافة وأكذوبة ممجوجة. ولقد شعر الذين اخترعوها بسهولة افتضاحها، فأرادوا سترها بقولهم: ان محمدا ما كاد يسمع كلام قريش اذ جعل لالهتهم نصيبا فى الشفاعة حتى كبر ذلك عليه حتى رجع الى الله تائبا أول ما أمسى ببيته وجاءه جبريل فيه. لكن هذا الستر أحرى أن يفضحها. فما دام الأمر قد كان كبر على محمد منذ سمع مقالة قريش، فما كان أحراه أن يراجع الوحى لساعته! وما كان أحراه أن يجرى الوحى الصواب على لسانه! واذا فلا أصل لمسألة الغرانيق الا الوضع والاختراع، قامت بهما طائفة الذين أخذوا أنفسهم بالكيد للاسلام، بعد انقضاء الصدر الأول. وأعجب ما فى جرأة هؤلاء المفترين أنهم عرضوا للافتراء فى أم مسائل الاسلام جميعا: فى التوحيد! فى المسألة التى بعث محمد لتبليغها للناس منذ اللحظة الأولى، والتى لم يقبل فيها منذ تلك اللحظة هوادة، ولا أماله عنها ما عرضت عليه قريش أن يعطوه ما يشاء من المال أو يجعلوه ملكا عليهم. وعرضوا ذلك عليه حين لم يكن قد اتبعه من أهل مكة الا عدد يسير. وما كان أذى قريش لأصحابه ليجعله يرجع عن دعوة أمره ربه أن يبلغها للناس. فاختيار المفترين لهذه المسألة التى كانت صلابة محمد فيها غاية ما عرف عنه من الصلابة، يدل على جرأة غير معقولة، ويدل فى الوقت نفسه على أن الذين مالوا الى تصديقهم قد خدعوا فيما لا يجوز أن يخدع فيه أحد.

ص: 213