الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فى بغداد. وكانت علاقته بالحنابلة سيئة، ثم تصالح معهم؛ وله تفسير شهير للقران الكريم.
وكل من اتى بعد الطبرى من مؤرخى التاريخ العام نقلوا منه الى اخر سنة 302 هـ حيث انتهى ثم يكملون بعد ذلك كل الى عصره، وعلى هذا فالمسعودى (ت 345 هـ) وابن مسكويه (ت 421 هـ) وابن الأثير (ت 630 هـ) .. اعتمدوا فى كتابتهم للسيرة النبوية على كتب السبر التى تناولناها فى فقرات سابقة وعلى الطبرى. فلم يجد وات ضرورة للرجوع الى ابن الأثير أو غيره من مؤرخى التاريخ العام اكتفاء بالطبرى.
وكان وات- لو شاء- قادرا على جعل قائمة مراجعه طويلة عديدة العناصر دون فائدة كما يفعلون.
كما رجع (وات) لكتابات أخرى، كتاريخ مكة للأزرقى، ولتفسير الطبرى للقران الكريم لمرة واحدة، بالاضافة لكتب زملاته من المستشرقين اذ أخذ عنهم بعض ارائهم وتحليلاتهم فأقر بعضها، وعارض بعضها، لكنه لم ينقل عنهم نصوصا أو أخبارا متعلقة بسيرة الرسول الا اذا كانت موجودة فى المصادر الاسلامية، وفى هذه الحالة اثر الرجوع للمصادر الاسلامية- التى أسلفنا الحديث عنها- مباشرة.
علم نفس النبوة
علم نفس النبوة أو سيكولوجيا النبوة أو الظروف النفسية للوحى،.. كل هذا رغم أنه من الناحية الشكلية يلبس لبوسا علميا، الا أنه غير صحيح، ولا يتعدى كونه محاولة للفهم جانبها الصواب، ولم يهتم (وات) باتجاه المستشرقين الذين فسروا الوحى هذا التفسير لسبب بسيط وهو أنها محاولة نظرية ليس هناك (ميدان) نجربها فيه.
فعلم النفس الصناعى مثلا يجد له تطبيقات وسط المصانع وبين العمال، وقياس الفعل ورد الفعل والاستجابة وما الى ذلك يتم على أفراد موجودين فعلا، لكن من هذا الذى استطاع احضار الأنبياء عليهم السلام وأجرى
عليهم تجاربه؟! لقد اعتمد وات على دراسة قام بها بولين Poulain عن الصلاة الداخلية أو الباطنية، أو الدعاء الباطنى أو المناجاة الداخلية Graces of interior prayer التى تناول فيها بعض التجارب الدينية أو (الصوفية) مثل (الرؤى) و (سماع الكلام) و (الحوار الداخلى) فى النفس، وقسم بولين الوحى الداخلى بالكلمات الى: تخيلى وعقلى.
لاحظ أن بولين طبق نظرياته هذه على القديسين المسيحيين ولم يتعرض الا قليلا للتجربة التى خاضها محمد صلى الله عليه وسلم. لكن وات أخذ بنتائج زميله بولين، وراح يطبقها على محمد عليه الصلاة والسلام، ومن أفكار بولين أن الوحى هو معان تقذف فى النفس دون استخدام كلمات، وبالتالى لا صلة له بأية لغة محددة. ويلاحظ أن بولين عندما يستخدم عبارات مثل (النوع التخيلى) أو (النوع العقلى) .. الخ، لا يقصد أية سخرية أو انكار لمحتوى التجربة الدينية فهو يطبق مبحثه- كما سبق القول- على القديسين المسيحيين، أما وات من ناحيته فقد حشد كل ما استطاع حشده من ايات قرانية وأحاديث نبوية صحيحة (نقلا عن صحيح البخارى) ليثبت أن قرانا كريما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم بطرق مختلفة، من بينها تلقين جبريل عليه السلام الايات التى أنزلها الله سبحانه. وكان وات منطقيا تماما عندما اتهم بعض المستشرقين الذين يصفون ظاهرة الوحى عند محمد صلى الله عليه وسلم بأنها هلوسة، اتهمهم بالغباء الشديد فى مجالات علم النفس والدين والصحة على سواء. ولن نتوقف عند هذه المسألة كثيرا. لأنها ببساطة لا تستحق التوقف. فهذا الخلود وهذا البقاء وهذا الأثر العظيم الذى لا زال موجودا لا يمكن أن يكون نتيجة هلوسة. لا نريد تضييع الوقت.
وقد ترجمنا الفصل الذى وردت فيه هذه الأفكار عن الوحى وعلم نفس النبوة دون أن ننقص منه شيئا ونكتفى هنا بنقدنا للمنهج فى حد ذاته ولم يمنعنا هذا من الخروج بأمور مفيدة، فالمؤلف (وات) يحث الدارسين فى مجال علم النفس الدينى (دراسة تجمعات المتدينين ومعرفة سلوكياتهم) على دراسة تجارب القديسين (والدراويش وما الى ذلك) لأن ذلك فى رأيه يساعد على فهم تجارب الوحى عند الأنبياء، وهنا نجدنا
فى حالة اعتراض شديد، فالوحى أمر مختلف تماما عن تجارب الصوفية وعلماء الدين، فقد كان محمد صلى الله عليه وسلم على وعى كامل بين ما يأتيه من خارج نفسه (من الله) وبين ما يصدر عنه كبشر، أو بتعبير اخر كان محمد صلى الله عليه وسلم يفصل فصلا حادا وواضحا بين شخصه أو ذاته من ناحية وما هو من الله، أو بين ما هو (قران) وما هو (حديث)
…
الخ. انها النبوة. لكن علماء الدين أو القديسين أو الدراويش كثيرا ما يخلطون الأمور، لذلك فهم فى حاجة الى مراقبة سواء من جماعات دينية أخرى أو حتى من الناس العاديين، خاصة فى الأديان التى ليس بها اكليروس (طبقة رجال الدين) كالاسلام مثلا. فالأمور تختلط عند بعض علماء الدين (والقديسين والدراويش
…
الخ) فيخلط (شعوريا أو لا شعوريا) بين أوامر الله وتوجيهاته من ناحية، وفهمه الشخصى وأوامره هو من ناحية أخرى، فيحدثنا مثلا (عن هاتف أتاه يقول له: أن لنا بابا فى مصر يسمى الحسين.. وان الحسين على صلة دائمة به وبأسرته، وانه سكن الى جوار الحسين الذى كان يقوم باسقاط الستارة من فوق شباك منزله حتى لا يكون- أى الحسين- بينه وبين الشيخ ستارة
…
) «1» . هنا لا بد أن يتدخل علماء الدين لتنبيه الشيخ، وعندما يجتمع الشيخ بجنى اسمه فينوس يخبره أنه سيعود الى القدس ليسدد تصويب أطفال الحجارة، وبذلك يعين على عودة القدس
…
«2» . هنا لا بد أن يقوم شيخ اخر بتنبيه الشيخ، أو يقوم مسلمون اخرون (فليس فى الاسلام اكليروس) بلفت نظر الشيخ الى حقيقة الأمور، وأن كونه عالما جليلا فصيح اللسان لطيف الاشارة، لا يعنى أن يخلط بين ما هو شخصى وما هو غيبى، كما لا يجوز أن يحدثنا عن أن الأموات يساعدون الأحياء، ويحركون بأرواحهم- مجريات الأمور، فتلك عودة للوثنية، وتلك دعوة لا تختلف عن (عبادة الأسلاف) فى الديانات الوثنية التى لا زال بعضها قائما حتى
(1) انظر كتاب (أنا من أهل البيت) ص 39- 41.
(2)
لقاء الشيخ مع الجن (فى حوار مع الجن) ، جمع أسامة كرم، مكتبة مدبولى، 1990.
اليوم. وخطورة ما يصدر عن هؤلاء الشيوخ أو العلماء، أنه يخلق رأيا عاما، أو يخلق توجها باطنيا يعوق تسيير الأمور وفقا لمسارها الصحيح، كما أنه يدعم الخرافة، لذلك فهو فى حاجة الى اخضاعه للدراسة بمناهج علم النفس الدينى التى يتحدث عنها وات، وسيكون شيئا رائعا أن يعلن الشيخ أنه لا يريد أن يدفن فى مقبرة الحسين رضى الله عنه، أو قريبا منها، حتى لا يعطل حركة العمران، وحتى لا يفسد على المسلمين دينهم، وحتى لا يكون قبره وثنا يعبد، وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يكون قبره وثنا يعبد.
والطريف أن الرسول صلى الله عليه وسلم انتصر فى غزوة بدر، ولم يحقق النصر المطلوب فى غزوة أحد، وتفسير ذلك فى كتب السيرة لا يعدو أن يكون ذكرا للأسباب الواضحة الظاهرية للأمور، ففى الغزوة الأخيرة لم يطع الجنود قائدهم، وتركوا مواقعهم دون اذنه، فكان ما كان. هذا لا يمنع من التحدث عن شد الله سبحانه من أزر المسلمين وأن الملائكة كانت الى جانبهم. ليبتعد علم النفس الدينى اذن عن الأنبياء، ليتناول العلماء والشيوخ والقديسين وتجمعات الرهبان فى كل ملة ودين، ليساعدهم على الفصل بين ما هو ذاتى من ناحية، وما هو من صلب الدين من ناحية أخرى.