الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قرب حدوث الحساب أو العقاب فى المستقبل القريب، وانما اشارة الى حقيقة هذا العقاب وكونه أمرا مؤكدا سيحدث فى وقت من الأوقات فى مستقبل غير محدد، فلنقرأ الاية الخامسة من السورة 51 (الذاريات) والاية الثامنة من السورة 52 (الطور) لندرك سياق الايتين اللتين استشهدنا بهما انفا:
(إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (5) ..) .
(ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (8) ..) .
ومن المؤكد أن السور المكية فيها الكثير عن عقاب الله سبحانه لأهل مكة بانزال المصائب المؤقتة (الدنيوية) عليهم، كالمصائب التى نزلت على من كانوا قبلهم ممن عصوا أنبياءهم، لكن لارتباط هذا العذاب برفض رسالة النبى صلى الله عليه وسلم فربما كان مرتبطا بالوضع فى مكة بعد أن تطور عن فكرة العقاب فى بداية البعثة النبوية. حقا، ان الايات التى ناقشناها لتونا (51/ 5، 52/ 7) بتأكيدها على حتمية الحساب وكونه لا مفر منه، تبدو مرتبطة بالمرحلة الثانية لمعارضة المشركين للنبى حين أعلنوا تشككهم فى الحساب بما فيه من ثواب وعقاب. وربما كان مما يستدعى الانتباه أنه يكاد يكون مفهوما أن الحساب الدنيوى (المؤقت) مقتصر على العقاب، أما الحساب الاخروى فيتبعه ثواب وعقاب كما فى سورة الانشقاق التى أوردناها انفا.
(ج) استجابة الانسان- شكر وعبادة
نظرا للطف الله سبحانه، فان على الانسان أن يكون شكورا ممتنا عابدا. والامتنان هو اعتراف داخلى باعتماد الانسان على خالقه الواحد القوى اللطيف. أما العبادة: فهو التعبير الظاهرى عن الاعتماد على الله والاعتراف بلطف الله وقوته (سلطانه) . وتشير الاية 17 وما بعدها من السورة رقم 80 (عبس) الى الكفور (غير الممتن وغير الشاكر) .
(قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) .. الخ) .
واسم الفاعل من الفعل (كفر) هو كافر unbeiiever وهو غير الممتن وغير الشاكر لله، وغير المعترف بفضل الله، وبالتالى فهو الذى يرفض رسوله، وعلى هذا فالاية العاشرة من السورة 74 (المدثر) :
(فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10) ..) .
تشير الى الكافرين باعتبارهم غير الشاكرين أو غير الممتنين لله (وفقا للسياق) .
ويستخدم القران الكريم كلمتى (طغى) و (استغنى) للاشارة الى عدم الامتنان لله والشكر له «11» ، كما فى السورة 96 (العلق) . الاية 6 وما بعدها:
(كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (7) ..) .
والمعنى الأصلى لكلمة (طغى) مرتبط بسيل الماء الجارف، ثم انتقل المعنى فاستخدم مجازا ليعنى تجاوز الحد، دون النظر للاعتبارات الأخلاقية والدينية خاصة، ودون أن يسمحوا لشىء بايقافهم لأنه لا حدود لثقتهم بأنفسهم. لذا، فيكاد يكون مقبولا ترجمة هذه الكلمة القرانية لتعنى بالانجليزية (to be presumptuous) أو (to act presumptuously) ان الكلمة تتضمن عدم وضع الخالق فى الاعتبار أو حتى انكار وجوده.
ان هذا هو الاتجاه الذى ربما اتخذه أثرياء مكة مادامت الايات التى أوردناها انفا تشير الى الثقة فى الثروة أو الاعتماد على الغنى. وكلمة (استغنى) تستعصى على الترجمة لأنها تشير الى الثروة وعدم الاعتماد على الله معا. (الثروة والاستقلال، (Wealth and independence وقد أعطاها Lane مقابلا انجليزيا هو، (free from want) لذا فقد
E.W.Lane ،Arabic -English Lexicon ،S.V. (11)
وردت فى القران الكريم لتشير الى الامتلاك الفعلى للثروة وأكثر من هذا تشير الى الاتجاه الروحى السائد بين الاثرياء. وفى الاية الثامنة من السورة 92 (الليل) :
(وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (9) ..) .
يمكن نقل معنى (استغنى) * للانجليزية كالتالى:
Prides himself in Wealth
وذلك لأنه بسبب القوة المالية شعر أهل مكة بأنهم مستقلون عن أية قوة عليا، (فى غنى عنها)«12» .
ويجد الامتنان لله والاحساس بفضله والشكر له تعبيرا له فى العبادة، وتشير السور الأولى الى عدة أوامر متعلقة بالعبادة، بعضها موجه لمحمد صلى الله عليه وسلم نفسه، كما فى السورة 73 (المزمل) :
(يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) ..) .
ومن النصوص القرانية المبكرة، سورة قريش (السورة رقم 106) وهى تخاطب أهل مكة بشكل عام:
(لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ (4) وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (5) ..) .
وثمة نص قرانى اخر، ربما نزل بعد سورة قريش بفترة وجيزة يشير الى العبادة، ونعنى به الاية 14 وما بعدها من السورة رقم 87 (الأعلى) :
(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) ..) .
Prospered has he who Makes mention of the name of his
Lord and prays.
* فى الترجمة الانجليزية التى بين أيدينا (عبد الله يوسف على) : استغنى) Thinks himself self -sufficient المترجم) .
Bell ،op.cit. (12)