الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ، فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا} أي وقرب يوم القيامة إذا حصلت هذه الأهوال والزلازل والبلايا، وإذا حدث ذلك أو وقع ترى أبصار الكافرين مرتفعة الأجفان، مثبتة الحدق، جامدة لا تتحرك، لا تكاد تنظر من هول وشدة ما يشاهدونه من الأمور العظام.
{يا وَيْلَنا، قَدْ كُنّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا، بَلْ كُنّا ظالِمِينَ} أي يقولون:
يا هلاكنا، والويل: الهلاك، قد كنا في الدنيا غافلين لاهين، لم نعلم أن هذا هو الحق، وأن البعث والرجوع إلى الله للحساب والجزاء ثابت قائم، بل إننا في الواقع ظالمون لأنفسنا بتعريضها للعذاب، وهذا اعتراف صريح بظلمهم لأنفسهم، حيث لا ينفعهم ذلك.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على وحدة الرسالات السماوية في أصولها، وعلى تفرق الناس في أمر الدين، وعلى وحدة السنن الإلهية في إثابة المؤمن الصالح العمل، وتعذيب الكافر المسيء، وعلى إثبات البعث والجزاء وما يشتمل عليه من شدائد وأهوال.
أما وحدة الرسالات السماوية: فالأنبياء كلهم متفقون على التوحيد، لذا وجب اتفاق البشر قاطبة على أن الإله واحد لا شريك له، وعلى وجوب إفراده بالعبادة. أما المشركون فقد خالفوا كل الأنبياء.
وأما الاختلاف في الدين بين مصدق ومكذب: فهو ظاهرة شائعة، لذا نعى الله تعالى التفرق في أمر الدين، سواء المسلمين أو اليهود والنصارى وغيرهم من المشركين، وذمهم لمخالفتهم الحق، وندد بغير المسلمين اتخاذهم آلهة من دون الله، فيكون المراد بقوله:{وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} جميع الخلق، بأن جعلوا أمرهم في أديانهم قطعا، وتقسموه بينهم، فمن موحّد، ومن يهودي، ومن نصراني، ومن عابد ملك أو صنم. والكل من هؤلاء الفرق المختلفة راجع إلى حكم الله فيجازيهم.
روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، فهلكت سبعون وخلصت فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة، فتهلك إحدى وسبعون فرقة، وتخلص فرقة واحدة، قالوا:
يا رسول الله، من تلك الفرقة الناجية؟ قال: الجماعة، الجماعة، الجماعة» فتبين بهذا الخبر أن المراد بقوله تعالى:{إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ} الجماعة المتمسكة بما بينه الله تعالى في هذه السورة من التوحيد والنبوات، وأن في قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الناجية: إنها الجماعة، إشارة إلى أمة الإيمان. ولكن المراد
بقوله: «ستفترق أمتي» أي في حال ما، وليس فيه دلالة على افتراقها في سائر الأحوال، لا يجوز أن يزيد أو ينقص
(1)
.
والقاعدة الثابتة أن من يعمل شيئا من الطاعات، فرضا أو نفلا، وهو موحد مسلم، مصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم، فلا جحود ولا كفران لعمله، ولا يضيع جزاؤه، والكفر ضدّ الإيمان، وهو أيضا جحود النعمة، وهو ضد الشكر، والله حافظ لعمله، كما قال تعالى:{فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى} [آل عمران 196/ 3] أي كل ذلك محفوظ ليجازى به. وفي هذا ترغيب الناس بطاعة الله تعالى.
ومن القواعد والسنن الثابتة الجارية على منهاج واحد أنه ممتنع على أهل قرية أهلكهم الله أن يرجعوا بعد الهلاك إلى الدنيا، وهذا على أن {لا} زائدة. والراجح عند أبي علي الفارسي والزجاج أن {لا} غير زائدة، إذ لا فائدة في أن المراد: وحرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا إلى الدنيا، وإنما في الكلام إضمار، أي وحرام على قرية حكمنا باستئصالها أو بالختم على قلوبها أن يتقبل منهم؛ لأنهم لا يرجعون، أي لا يتوبون. وهذا هو الأولى عندي.
(1)
تفسير الرازي: 219/ 22، والحديث رواه أصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة، ولفظه:«افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» .