الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المناسبة:
بعد أن تكلم الله تعالى في الإلهيات، ثم في النبوات، أتبعه بالكلام في الشرائع والأحكام من نواح أربع هي:
1 -
تعيين المأمور: وهم المكلفون: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} .
2 -
وأقسام المأمور به: وهي أربعة: الصلاة، وعبادة الله وحده، وفعل الخير، والجهاد.
3 -
وما يوجب قبول تلك الأوامر: وهو ثلاثة: الاجتباء، وكون التكاليف والشرائع هي شريعة إبراهيم عليه السلام، وتسميتكم مسلمين في القرآن وسائر الكتب المتقدمة عليه.
4 -
تأكيد ذلك التكليف بالأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والاعتصام بالله تعالى، أي الاستعانة به.
التفسير والبيان:
هذه أوامر تكليفية إلهية يراد بها توثيق الصلة بالله تعالى، وتهذيب النفس، وجهاد الأعداء، وإقامة صرح العدالة الاجتماعية في شرع الله ودينه، فقال تعالى:
{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} .. {تُفْلِحُونَ} أي يا أيها الذين صدقوا بالله ورسوله، وآمنوا باليوم الآخر صلوا صلاتكم المفروضة المشتملة على الركوع (الانحناء لله عز وجل والسجود (الخضوع بأشرف أجزاء الإنسان وهو الوجه لله تعالى) واعبدوه بسائر ما تعبدكم به كمناسك الحج والصيام ونحوها، وتحروا فعل الخير الذي يرضي ربكم ويقربكم منه من أداء نوافل الطاعات، وصلة الأرحام، ومكارم الأخلاق، وهذا يشمل كل فضيلة في الإسلام، وفعل الخيرات عام للتكاليف جميعها، يشمل
ما يصلح علاقة العبد بالرب، وما يصلح علاقات الناس بعضهم مع بعض. لذا جمعت الآية أسمى درجات التهذيب النفسي والاجتماعي، فكل ما أمر الله به خير، لذا قال معللا ذلك الأمر بقوله:
{لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي لتفلحوا أو افعلوا هذا راجين الفوز والفلاح بما عند الله من الثواب والرضوان. والفلاح: الظفر بنعيم الآخرة.
وتأكيدا لإعداد الذات المؤمنة وتهذيبها، وصونا للجماعة المؤمنة من كيد أعدائها أمر الله بالجهاد، فقال:
{وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ} أي وجاهدوا في سبيل نصرة دين الله، ومن أجل إرضاء الله، جهادا حقا خالصا لوجهه الكريم، لا يشوبه رياء، ولا يثني عنه لوم لائم، فالجهاد في الله: معناه الجهاد في سبيله ومن أجل دينه، والأولى أن يحمل الجهاد على المعنى العام الذي يشمل جميع أنواعه.
والجهاد أنواع ثلاثة كما بينا: جهاد النفس والهوى، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار المعتدين والمنافقين المرجفين. ويكون الجهاد الأخير بالأموال والألسن والأنفس،
أخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» وجهاد اللسان يكون بالحجة والبيان والاعلام، والجهاد بالنفس بحمل السلاح يكون للمعتدين، وهو فرض كفاية على المسلمين، يجزئ فيه قيام بعضهم به متى حققوا المطلوب، وإلا فعلى حسب رأي الحاكم ولو بالنفير العام.
وجهاد النفس أصل لجهاد العدو الظاهر، فهو الجهاد الأكبر كما وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم، ولهذا كان فرض عين على كل مسلم. وكذلك جهاد أهل الظلم والبدع فريضة على كل مكلف على قدر طاقته، كما
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -فيما يرويه أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة عن أبي سعيد الخدري رضي الله
عنه-: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» .
ونظير الآية: {وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً، فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ، وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً} [الفرقان 51/ 25 - 52].
والآية محكمة غير منسوخة بقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن 16/ 64] فليس المقصود بقوله: {حَقَّ جِهادِهِ} الغاية القصوى التي تتجاوز الوسع وحد الاستطاعة، وإنما المراد الإخلاص لإعلاء دين الله، وتأييد شرعه، والتدرع بالقوة والعزيمة والصبر، والترفع عن المطامع المادية كالغنيمة أو غيرها من شهوات الدنيا.
وإضافة {حَقَّ} إلى «جهاد» في قوله تعالى: {حَقَّ جِهادِهِ} من إضافة الصفة للموصوف، كما بينا، وإضافة «جهاد» للضمير في قوله:
{جِهادِهِ} يراد بها اختصاص المضاف بالمضاف إليه، وهو جعل الجهاد مطلوبا لله ومن أجل دينه.
ثم ذكر الله تعالى علة الأمر بالجهاد وهي ثلاثة أنواع:
1 -
{هُوَ اجْتَباكُمْ} أي لأن الله أيتها الأمة اختاركم من بين سائر الأمم للقيام بهذه المهمة، وفضلكم وشرفكم، وخصكم بأكرم رسول، وأكمل شرع، ولكنه غير شاق، لذا قال:
{وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} أي لم يجعل الدين ضيقا حرجا شاقا، وإنما جعله سهلا يسيرا، فلم يكلفكم ما لا تطيقون، وما ألزمكم بشيء يشق عليكم، وهذا تأكيد لوجوب الجهاد، والحفاظ على الدين الذي اختاركم لحمايته.
والآية كالجواب عن سؤال يذكر، وهو أن التكليف والاجتباء تشريف من الله
للعبد، لكنه شديد شاق على النفس؟ فأجاب الله تعالى عنه بقوله:
{وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} .
لكن المشقة المرفوعة في التكاليف الشرعية: هي المشقة الزائدة غير المعتادة التي تصل إلى حد الحرج. أما المشقة المعتادة المألوفة فهي غير مرفوعة من التكاليف، بل لا يتحقق التكليف إلا بها؛ لأن التكليف هو إلزام ما فيه كلفة ومشقة، ولا يخلو عنها أي تكليف، لكنه سهل يسير على النفس، تطيق تحمله دون انزعاج.
ومظاهر التيسير ودفع الحرج والمشقة عامة شاملة العبادات والمطعومات والمعاملات. ففي العبادات: يجوز قصر الصلاة الرباعية في السفر، فتصلي ثنتين، والصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وفي الخوف يصليها بعض الأئمة ركعة، كما ورد به الحديث، وتصلى رجالا وركبانا، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، وكذا النافلة في السفر تصلى إلى القبلة وغيرها. ويسقط القيام في الصلاة لعذر المرض، فيصلي المريض جالسا أو مضطجعا أو على جنب أو بالإيماء.
ويجوز في صيام رمضان الإفطار لعذر لكل من المسافر والمريض والشيخ الهرم، والحامل والمرضع.
وفي المطعومات: يجوز الأكل والشرب من المحرّمات المحظورات للضرورة، كالميتة والدم ولحم الخنزير وغير ذلك.
وفي المعاملات: يجوز بعض التصرفات للحاجة أو للضرورة.
وهكذا تشرع الرخص والتخفيفات في سائر الفرائض والواجبات، لهذا
قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد عن جابر: «بعثت بالحنيفية السّمحة»
وقال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما أميرين إلى اليمن فيما أخرجه البخاري ومسلم: «بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا» .
والآيات في هذا المعنى كثيرة، مثل قوله تعالى:{يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ، وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة 185/ 2] وقوله سبحانه: {رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا} [البقرة 286/ 2] وقوله عز وجل: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن 16/ 64].
2 -
{مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ} أي اتبعوا أو الزموا ملتكم التي هي كملة أبيكم إبراهيم عليه السلام في حنيفيتها وسماحتها وبعدها عن الشرك. والمراد بالملة:
الأحكام الأصلية الاعتقادية، فهي واحدة في شريعتنا وشريعة إبراهيم عليه السلام، بل هي واحدة في جميع الشرائع؛ قال الله تعالى:{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً، وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ، وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ، وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى 13/ 42] وقال تعالى:
{وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء 25/ 21]
وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد:
«الأنبياء أولاد علاّت» أي أن إيمانهم واحد، وشرائعهم مختلفة.
وسبب تخصيص إبراهيم عليه السلام بالذكر هو التشابه في السماحة والتوحيد بين الملتين، وكون أكثر العرب من نسل إبراهيم عليه السلام، فهم يحبونه، والحب مدعاة التمسك بشريعته وشريعة محمد صلى الله عليه وسلم التي هي شريعة أبيهم إبراهيم عليه السلام، وبما أن إبراهيم هو أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أبا لأمته؛ لأن أمة الرسول في حكم أولاده.
ونظير الآية قوله عز وجل: {قُلْ: إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً} [الأنعام 161/ 6].
3 -
{هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا} أي إن الله-وقيل: إبراهيم-، هو الذي سماكم المسلمين من قبل في الكتب المتقدمة، وفي القرآن. قال ابن كثير
مرجحا المعنى الأول بعود الضمير إلى الله: وهذا هو الصواب؛ لأنه تعالى قال:
{هُوَ اجْتَباكُمْ، وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} . وفي قراءة: «الله سماكم» .
واما دليل من قال بعود الضمير إلى إبراهيم عليه السلام: فهو قوله تعالى:
{رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ، وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا، أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} [البقرة 128/ 2].
{لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ} أي إنما جعلناكم هكذا أمة وسطا عدولا خيارا مشهودا بعدالتكم عند جميع الأمم، ليكون الرسول محمد صلى الله عليه وسلم شهيدا عليكم يوم القيامة بتبليغه ما أرسل به إليكم أي أنه قد بلغكم، ولتكونوا شهداء على الناس في أن الرسل بلغتهم رسالة ربهم.
واللام في قوله: {لِيَكُونَ} إما لام العاقبة، وهي متعلقة بقوله:
{سَمّاكُمُ} وإما لام التعليل، وتكون {عَلَى} في قوله:{عَلَيْكُمْ} بمعنى اللام، مثل قوله تعالى:{وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} [المائدة 3/ 5] وتكون شهادة الرسول لهم: أن يزكيهم عند الله يوم القيامة، ويشهد بعدالتكم إذا شهدوا على الأمم السابقة.
والراجح أنه لا داعي لوصف اللام بما ذكر، ويكون قبول شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم على الأمة علة في الحكم وهو تسميتها أمة مسلمة.
وقبول شهادة النبي صلى الله عليه وسلم وشهادة أمته يوم القيامة فيه تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم وتشريف لأمته، فإن الله تعالى يصدّق قوله على أمته في دعوى تبليغه إياها، ويجعل أمته أهلا للشهادة على سائر الأمم.
وإنما قبلت شهادتهم على الأمم؛ لأنهم لم يفرقوا بين أحد من الرسل، وعلموا أخبارهم من القرآن الكريم، ورد أنه يؤتى بالأمم وأنبيائهم، فيقال للأنبياء: هل