الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سبب النزول:
نزول الآية (37):
{لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها} : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: كان أهل الجاهلية يضمخون البيت بلحوم الإبل ودمائها، فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:
فنحن أحق أن نضمخ، فأنزل الله:{لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها} الآية.
المناسبة:
بعد الترغيب والحث على التقرب إلى الله بالأنعام كلها، خص الله تعالى الإبل، لعظمها وكثرة منافعها.
التفسير والبيان:
يمتن الله تعالى على عباده بأن جعل البدن قربة عظيمة تهدى إلى بيته الحرام، بل هي أفضل ما يهدى إليه، فقال:
{وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللهِ} أي جعلنا لكم الإبل ومثلها البقر من علائم دين الله، وأدلة طاعته، ففي ذبحها في الحرم ثواب كبير في الآخرة، ونفع عظيم بلحومها للفقراء في الدنيا، وبالركوب عليها، وأخذ لبنها.
والبدن تطلق في رأي أبي حنيفة وآخرين من التابعين والصحابة على الإبل والبقر، روى مسلم عن جابر رضي الله عنه أنه قال: كنا ننحر البدنة عن سبعة، فقيل: والبقرة؟ قال: وهل هي إلا من البدن. وقال ابن عمر رضي الله عنهما:
لا نعلم البدن إلا من الإبل والبقر.
ومذهب الشافعية: أنه لا تطلق البدن في الحقيقة إلا على الإبل، وإطلاقها على البقر مجاز، فلو نذر بدنة لا تجزئه بقرة، وبدليل قوله تعالى:{صَوافَّ} و {وَجَبَتْ جُنُوبُها} فنحر الحيوان قائما لم يعهد إلا في الإبل خاصة، ويؤيده
ما رواه أبو داود وغيره عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة» فإن العطف يقتضي المغايرة. وأما قول جابر وابن عمر المتقدم فيحمل على أنهما أرادا اتحاد الحكم فيهما. وهذا هو الظاهر والأصح لغة.
{فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوافَّ} أي فاذكروا اسم الله على البدن عند نحرها وكونها قائمات صافات الأيدي والأرجل، بأن تقولوا: بسم الله والله أكبر، اللهم منك وإليك.
{فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها، فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} أي إذا سقطت على الأرض وزهقت روحها أو ماتت، فيباح لكم الأكل منها، وعليكم الإطعام منها للفقراء، سواء المتعفف عن السؤال، والسائل المتعرض، أي كلوا وأطعموا، وقوله:{فَكُلُوا مِنْها} أمر إباحة، وقال مالك: يستحب ذلك، وقال بعض العلماء: يجب، والظاهر أنه لا يجب الأكل منها، فإن السلف متفقون على أنه لا يجب الأكل من شيء من الهدايا، وإنما ذلك لرفع التحرج عن الأكل من الهدايا الذي كان عليه أهل الجاهلية، فالمراد: إباحة الأكل أو الندب.
وأما قوله: {وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} فظاهره كما تقدم وجوب إطعام الفقراء من الهدي، وبه أخذ الشافعي، فأوجب إطعام الفقراء منها، وذهب أبو حنيفة إلى أن الإطعام مندوب؛ لأنها دماء نسك، فتتحقق القربة منها بإراقة الدم، أما إطعام الفقراء فهو باق على حكمه العام وهو الندب.
{كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي من أجل هذا المذكور من الخير في ذبح الأنعام والأكل منها وإطعام الفقراء أو مثل هذا التسخير، ذللناها لكم، مع عظمتها وقوتها، وجعلناها منقادة لكم، خاضعة لرغباتكم ومشيئتكم بالركوب والحلب والذبح، لكي تشكروا الله على نعمه، بالتقرب إليه، والإخلاص في
العمل. والخلاصة: أنها نعمة جليلة تستحق الشكر والحمد، فقوله تعالى:
{لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تعليل لما قبله. وكلمة «لعل» ليست للرجاء الذي هو توقع الأمر المحبوب؛ لأنه مستحيل على الله تعالى؛ لأنه ينبئ عن الجهل بعواقب الأمور، فتكون للتعليل بمعنى «كي». ونظير الآية قوله تعالى:{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً، فَهُمْ لَها مالِكُونَ. وَذَلَّلْناها لَهُمْ، فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ. وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ، أَفَلا يَشْكُرُونَ} [يس 71/ 36 - 73].
ثم ذكر الله تعالى الهدف من ذبح الأنعام فقال:
{لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها.} . أي إنما شرع الله لكم نحر هذه الهدايا والضحايا، لتذكروه عند ذبحها، ولن يصل إلى الله شيء من لحومها ولا من دمائها، ولكن يصله التقوى والإخلاص، وترفع إليه الأعمال الصالحة. وكان أهل الجاهلية إذا ذبحوها لآلهتهم، وضعوا عليها من لحوم قرابينهم، ونضحوا عليها من دمائها، وأراد المسلمون أن يفعلوا مثلهم، فنزلت الآية:{لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها.} .
ثم كرر تعالى ذكر تسخير الأنعام وتذليلها للناس؛ لأن في الإعادة تذكيرا بالنعمة، الذي يبعث على شكرها، والثناء على الله من أجلها، والقيام بما يجب لعظمته وكبريائه، فقال:
{كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ} أي من أجل هذا سخر لكم البدن وذللها، أو هكذا سخرها، لتعظموا الله وتشكروه على ما أرشدكم إليه لدينه وشرعه، وما يحبه ويرضاه، ونهاكم عما يكره، ويأبى مما هو ضارّ غير نافع.
ثم وعد المهديين الراشدين بقوله: