الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
4 -
{وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} أي إنهم مع هذا كله من خوف الله ورهبته خائفون حذرون مراقبون ربهم.
وبعد أن وصف كرامتهم عليه وقرب منزلتهم عنده، ووصفهم بتلك الأفعال السنية، فاجأ من أشرك منهم بالوعيد الشديد، وأنذرهم بعذاب جهنم، فقال:
{وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ: إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ، فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ} أي ومن يدّعي منهم على سبيل الافتراض أنه إله من دون الله، أي مع الله، كإبليس حيث ادعى الألوهية، ودعا إلى عبادة نفسه، فجزاؤه جهنم على ما ادّعى. وأما الملائكة فلم يقل أحد منهم: إني إله غير الله.
{كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ} أي مثل ذلك الجزاء نجزي كل من ظلم نفسه، وقال ذلك، وهم المشركون. قال ابن كثير: وهذا شرط، والشرط لا يلزم وقوعه، كقوله:{قُلْ: إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ، فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ} [الزخرف 81/ 43]. وقوله: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ، وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ} [الزمر 65/ 39].
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
1 -
الإنكار الشديد على من اتخذ آلهة أخرى مع الله، وتوبيخ المشركين على اتخاذهم آلهة ليس لها خواص الألوهية، ومنها الإحياء بعد الإماتة وهو النشر.
2 -
إن تعدد الآلهة سبب مؤد لفساد نظام العالم والكون من السموات والأرض، وتخريبها وهلاك من فيهما بوقوع التنازع والاختلاف الواقع بين الشركاء عادة، لذا نزّه الله تعالى نفسه، وأمر العباد أن ينزهوه عن أن يكون له شريك أو ولد.
وقد استدل الرازي بأدلة أخرى عقلية ونقلية على وحدانية الله تعالى، وهي اثنان وعشرون دليلا، أربعة عشر منها عقلية، وثمانية نقلية سمعية، وأقوى الأدلة العقلية: أنه لو فرضنا وجود إلهين، لافتقر أحدهما إلى الآخر؛ لأنه يصبح مركبا من ذاته ومما يشاركه به الآخر، وكل مركب هو مفتقر إلى جزئه، وكل مفتقر إلى غيره ممكن، والإله واجب الوجود لذاته غير ممكن لذاته، فإذن ليس واجب الوجود إلا الواحد، وكل ما عداه مفتقر إليه، وكل مفتقر إلى غيره فهو محدث، فكل ما سوى الله تعالى محدث.
ومن الأدلة النقلية هذه الآية: {لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا} وهو كقوله: {وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ} [المؤمنون 91/ 23] وقد صرح الله تعالى بكلمة: {لا إِلهَ إِلاّ هُوَ} في سبعة وثلاثين موضعا من القرآن، وصرح بالوحدانية في موضعين فقط، وهما قوله تعالى:{وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ} [البقرة 163/ 2] وقوله: {قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ} [الإخلاص 1/ 112]
(1)
.
3 -
لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، أي لا يسأله الخلق عن قضائه في خلقه، وهو يسأل الخلق عن عملهم؛ لأنهم عبيد. وهذا يدل على أن من يسأل غدا عن أعماله، كالمسيح والملائكة لا يصلح للألوهية، وعلى كون المكلفين مسئولون عن أفعالهم.
روي عن علي رضي الله عنه أن رجلا قال له: يا أمير المؤمنين: أيحب ربنا أن يعصى؟ قال: أفيعصى ربّنا قهرا؟ قال-أي الرجل-: أرأيت إن منعني الهدى، ومنحني الردى أأحسن إليّ أم أساء؟ قال: إن منعك حقك فقد أساء، وإن منعك فضله، فهو فضله يؤتيه من يشاء، ثم تلا:{لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ، وَهُمْ يُسْئَلُونَ} .
(1)
تفسير الرازي: 152/ 22 - 154
وعن ابن عباس قال: لما بعث الله عز وجل موسى وكلّمه، وأنزل عليه التوراة، قال: اللهم إنك رب عظيم، لو شئت أن تطاع لأطعت، ولو شئت ألا تعصى ما عصيت، وأنت تحب أن تطاع، وأنت في ذلك تعصى، فكيف هذا يا ربّ؟ فأوحى الله إليه: إني لا أسأل عما أفعل، وهم يسألون.
4 -
أعاد الله تعالى في الآيات التعجب من اتخاذ الآلهة من دون الله، مبالغة في التوبيخ، على وصفهم المتقدم في الإنشاء والإحياء، فتكون {أَمِ} بمعنى هل، أي هل اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من دون الله؟ فليأتوا بالبرهان على ذلك.
وقيل: إن التعجب الأول: {أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ} احتجاج من حيث المعقول؛ لأنه قال: {هُمْ يُنْشِرُونَ} أي يحيون الموتى.
والثاني {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً} احتجاج بالمنقول، أي هاتوا برهانكم من الكتب السماوية، ففي أي كتاب نزل هذا؟ في القرآن، أم في الكتب المنزلة على سائر الأنبياء؟! 5 - إن الجهل هو المصدر الأصيل في فساد عقائد المشركين:{بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ} .
6 -
جميع الرسل والأنبياء أوحى الله إليهم أنه لا إله إلا الله، فأدلة العقل شاهدة أنه لا شريك له، والنقل عن جميع الأنبياء موجود، والدليل إما معقول وإما منقول. قال قتادة: لم يرسل نبي إلا بالتوحيد، والشرائع مختلفة في التوراة والإنجيل والقرآن، وكل ذلك على الإخلاص والتوحيد. أي إن دعوة الرسل جميعا جاءت لبيان التوحيد.
7 -
ردّ الله تعالى على بعض العرب الذين كانوا يقولون: الملائكة بنات الله بتنزيه نفسه عن اتخاذ الولد، قيل: نزلت آية {وَقالُوا: اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً
سُبْحانَهُ} في خزاعة، حيث قالوا: الملائكة بنات الله، وكانوا يعبدونهم طمعا في شفاعتهم لهم.
وبعد التنزيه ذكر الله خمس صفات للملائكة تدل على العبودية ونفي الولادة وهي:
أ-المبالغة في طاعة الله، فهم لا يقولون قولا ولا يفعلون فعلا إلا بأمر الله، وهذه صفات العبيد، لا صفات الأولاد.
ب-إن الله تعالى يعلم أسرارهم، وهم لا يعلمون أسراره، فهو المستحق للعبادة، لا هم.
ج -إنهم لا يشفعون إلا بإذن الله ورضاه، ومن كان إلها لا يحتاج لإذن أحد.
د-إنهم أشد الخلق خوفا من الله، وذلك من صفات العبيد.
هـ -الملائكة وإن أكرموا بالعصمة، فهم كسائر المكلفين مسئولون موجه لهم الوعد والوعيد، فلا يتصور كونهم آلهة. وهذه الآية تدل على كون الملائكة مكلفين، وعلى أنهم معصومون، وعلى أنهم متوعدون.
8 -
كما يجزي الله تعالى بالنار كل من ادعى الشركة مع الله، ودعا إلى عبادة نفسه كإبليس، فكذلك يجزي الظالمين الواضعين الألوهية والعبادة في غير موضعهما.