الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التفسير والبيان:
تضمنت هذه الآيات أحوال ثلاث فئات من الناس، بعد بيان حال فئة هم الضلاّل الجهال المقلدون في قوله تعالى:{وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ} .
أما الفئة الأولى هنا فهم الدعاة إلى الضلال رؤساء الكفر والبدع، فقال تعالى:{وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ} أي وبعض الناس من يجادل في توحيد الله وأفعاله وصفاته، بلا عقل صحيح، ولا نقل صريح، بل بمجرد الرأي والهوى.
{ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ} أي أنه يجادل وهو مستكبر عن الحق وقبوله إذا دعي إليه، كما قال تعالى حكاية عن قول لقمان لابنه:{وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ} [لقمان 18/ 31] أي تميله عنهم استكبارا عليهم، وهدفه أو عاقبته صدّ الناس المؤمنين عن دين الله الذي فيه خيرهم. واللام في قوله:{لِيُضِلَّ} إما لام العاقبة؛ لأنه لا يقصد ذلك، أي ليصير مآله ممن يضل عن سبيل الله، وإما لام التعليل، قال الزمخشري: تعليل للمجادلة، ولما أدّى جداله إلى الضلال، جعل كأنه غرضه.
ثم ذكر تعالى عقابه، فقال:
{لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ، وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ} أي أن عقابه في الدنيا هو الخزي أي الهوان والذل، وقد قتل يوم بدر، وعقابه في الآخرة الزجّ به في عذاب النار المحرقة أو الإحراق في النار.
{ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ، وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ} أي والسبب فيما مني به من خزي الدنيا وعذاب الآخرة هو ما قدّم من الكفر والمعاصي، وقد فعل
الله به ذلك عدلا في معاقبته الفجار وإثابته الصالحين؛ لأن الله لا يظلم عباده.
أو يقال له هذا تقريعا وتوبيخا، كقوله تعالى:{خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ، ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ، ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ، إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ} [الدخان 47/ 44 - 50]. ونظير آية العدل: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا، وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} [النجم 31/ 53].
والخلاصة: أن هذا العقاب حق وعدل بسبب جرم الكفر والإثم الفاحش.
وأما الفئة الثانية أهل الضلالة الأشقياء: فهم أهل الشك والنفاق والمصلحة والمنفعة المادية، وهم:{وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ.} . أي وبعض الناس يعبد الله على شك وطرف من الدين لا في القلب، كمن يقف على حافة واد، أو على طرف الجيش ليفر عند الإحساس بالهزيمة، فهو مضطرب الإيمان، غير مطمئن القلب، غير واثق بهذا الدين، ولا صادق النية، ولا مخلص في العبادة، وهم صنف من المنافقين.
{فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ.} . أي فإن أصابه خير مادي من غنيمة ومال، وزيادة نتاج في الولد ونسل الحيوان، رضي عن هذا الدين. واطمأن إليه. وإن أصابه مرض أو لم تلد امرأته، ولا ماشيته، أي أحس بنقص في المال أو الأنفس، أو هلاك أو جدب في الثمرات والغلات، ارتد ورجع كافرا، وهذا هو النفاق بعينه.
{خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ، ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ} أي ضيع الدنيا والآخرة، فلا هو حصل من الدنيا على شيء من عز وكرامة وغنيمة، ولا استفاد من ثواب الآخرة، لأنه كفر بالله العظيم، فهو فيها في غاية الشقاء والإهانة، وذلك هو الخسران البيّن الذي لا خسران مثله، أو هي الخسارة العظيمة والصفقة الخاسرة.
وتأكيدا لعظم تلك الخسارة قال تعالى:
{يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ} أي يعبد من غير الله آلهة من الأصنام والأنداد، يستغيث بها، ويستنصرها، ويسترزقها، وهي لا تضره إن لم يعبدها، ولا تنفعه في الآخرة إن عبدها.
{ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ} أي ذلك الارتداد، وعبادة تلك الأصنام، هو الضلال الموغل في الضلالة، البعيد جدا عن طريق الصواب.
ثم زاد الأمر تأكيدا فقال:
{يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ، لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ} أي يدعو (تكرارا للأول) لمن ضرره في الدنيا قبل الآخرة أقرب من نفعه فيها، وأما في الآخرة فضرره محقق متيقن، لبئس الناصر هو، ولبئس الصاحب هو. أو يقول الكافر حينما يتحقق من تضرره بعبادته هذا المعبود الخاسر الذي أدخله النار:
لبئس هذا المولى والناصر، ولبئس هذا العشير والصاحب.
وأما الفئة الثالثة: وهم الأبرار السعداء فهم الذين آمنوا بقلوبهم، وصدقوا إيمانهم بأفعالهم، كما قال تعالى:
{إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ.} . أي إن الله تعالى يكافئ المؤمنين الصادقي الإيمان، الذين عملوا الصالحات، أي الطاعات والقربات، وتركوا المنكرات، بإدخالهم روضات الجنات التي تجري من تحت أشجارها الأنهار.
{إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ} بإكرام أهل الطاعة وإثابتهم، وإهانة أهل المعصية وحرمانهم من فضله، يفعل وفق مراده ومشيئته المطلقة، فلا رادّ لقضائه، ولا معقّب لحكمه، يدخل المؤمنين الجنة، ويدخل الكافرين النار.