الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ} أي رب هب لي ولدا صالحا يعينني على طاعتك، ويؤنسني في الغربة.
{فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ} أي فبشرناه بصبي ذكر يكبر ويصير ذا حلم كثير. وهذا الغلام كما قال ابن كثير: هو إسماعيل عليه السلام، فإنه أول ولد بشّر به إبراهيم عليه السلام، وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، بل في نص كتابهم أن إسماعيل عليه السلام ولد، ولإبراهيم عليه السلام ست وثمانون سنة (86) وولد إسحاق، وعمر إبراهيم عليه السلام تسع وتسعون سنة (99).
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
1 -
الأنبياء والرسل وإن طال الزمان بينهم مهمتهم واحدة وهي الدعوة إلى توحيد الله والإيمان بالرسل وبالبعث، وإلى أصول الأخلاق والفضائل.
2 -
كان إبراهيم الخليل عليه السلام ذا قلب مخلص من الشرك والشك، ناصح لله عز وجل في خلقه، عالم بأن الله حق، وأن الساعة قائمة، وأن الله يبعث من في القبور.
3 -
من جملة آثار سلامة قلب إبراهيم عليه السلام أن دعا أباه وقومه إلى التوحيد، فقال:{ماذا تَعْبُدُونَ} ؟ قاصدا بذلك الكلام تقبيح طريقتهم ولومهم على فعلهم.
4 -
ندد بعبادتهم الأصنام، مبينا أنها إفك وأسوأ الكذب، وحذر من سخط الله حين لقائه، وقد عبدوا غيره.
5 -
لجأ إلى الإيهام وأخذ بالتورية في أمرين أظهر فيهما شيئا، وأراد شيئا
آخر، وهما النظر في النجوم، وقوله:{إِنِّي سَقِيمٌ} ، قاصدا بالأول أنه يعلم بعلوم النجوم، وأنه تفكر فيما يعمل لما كلّفوه الخروج معهم، وبالثاني أنه سيمرض مرض الموت، لأن من كتب عليه الموت يسقم في الغالب، ثم يموت، فتوهموا هم أنه سقيم الآن، وهذا تورية وتعريض، كما قال للملك لما سأله عن سارّة: هي أختي، يعني أخوة الدين.
وفي الصحيح الذي أخرجه أحمد والشيخان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم:
«لم يكذب إبراهيم النبي عليه السلام إلا ثلاث كذبات» والكذب تعريضا والتورية أمر جائز مباح. وقيل: أراد أنه سقيم النفس لكفرهم ووثنيتهم.
6 -
دبر إبراهيم عليه السلام خطة ناجحة لتحطيم الأصنام، فقد مكث في البلدة حينما خرج القوم لعيدهم ومعبدهم، بعد أن قدموا طعاما لأصنامهم لتباركه بزعمهم، أو للسدنة، فجاء إليهم، وخاطبهم كما يخاطب العقلاء قائلا على جهة التهكم والاستهزاء:{أَلا تَأْكُلُونَ} {ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ} ؟ فلم يجيبوا، وهو يعلم ذلك، فانهال عليهم ضربا بقوة وشدة، حتى دمرهم إلا كبيرا لهم، كما في سورة الأنبياء، لإلزام القوم بالحجة، وتعريفهم خطأهم وأن هذه الأصنام لا تقدر حماية أنفسها.
7 -
أقبل إليه القوم مسرعين، بعد أن عرفوا أن الفاعل هو إبراهيم، فقالوا: من فعل هذا بآلهتنا؟ فقال محتجا: {أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ} ؟ أي أتعبدون أصناما أنتم تنحتونها بأيديكم، والنحت: النجر والبري.
ثم قال: {وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ} أي خلقكم وخلق ما تعملونه من الأصنام بالخشب والحجارة وغيرهما، وبإيجاز: خلقكم وعملكم.
وقد استدل أهل السنة بهذه الآية على أن الأفعال خلق لله عز وجل، واكتساب للعباد، وفي هذا إبطال مذاهب القدرية والجبرية.
أخرج البخاري
عن أبي هريرة مرفوعا كما تقدم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله خالق كل صانع وصنعته»
وأخرجه البيهقي من حديث حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل صنع كل صانع وصنعته، فهو الخالق، وهو الصانع سبحانه» .
8 -
تشاور القوم في أمر إبراهيم عليه السلام لما غلبهم بالحجة فقالوا: ابنوا له بنيانا، تملؤونه حطبا، فتضرمونه، ثم ألقوه فيه وهو الجحيم. قال عبد الله بن عمرو بن العاص: فلما صار في البنيان قال: حسبي الله ونعم الوكيل.
وأرادوا بإبراهيم الكيد، أي المكر والاحتيال لإهلاكه، فجعلهم الله المقهورين المغلوبين الأذلين، إذ نفذت حجته من حيث لم يمكنهم دفعها، ولم ينفذ فيه مكرهم ولا كيدهم.
9 -
الهجرة والعزلة واجبة إذا لم يتمكن المسلم من إقامة شعائر دينه، وأول من فعل ذلك إبراهيم عليه السلام، وذلك حين خلصه الله من النار {قالَ: إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي} أي مهاجر من بلد قومي ومولدي، إلى حيث أتمكن من عبادة ربي، فإنه {سَيَهْدِينِ} فيما نويت إلى الصواب. قال مقاتل: هو أول من هاجر من الخلق مع لوط وسارّة، إلى الأرض المقدسة وهي أرض الشام.
10 -
مشروعية الدعاء بالولد، فلما عرف إبراهيم عليه السلام أن الله مخلصه، دعا الله ليعضده بولد يأنس به في غربته، فقال: رب هب لي ولدا صالحا من الصالحين، فبشره الله تعالى على لسان الملائكة-كما تقدم في هود- بغلام يكون حليما في كبره، فكأنه بشّر ببقاء ذلك الولد، لأن الصغير لا يوصف بذلك.