الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بعد الشدة. ولم يذكر هنا «إنا» كأمثاله اكتفاء بذكره السابق عن ذكره هنا مرة ثانية.
4 -
{وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ} أي ووهبناه ولدا آخر وهو إسحاق، وجعلناه نبيا صالحا من زمرة الصالحين. وهذه هي النعمة الرابعة.
5 -
{وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ} أي تابعنا إمدادهما بالنعم والبركات الدنيوية والأخروية، ومنها كثرة الولد والذرية، وجعل أكثر الأنبياء من نسلهما ونسل إسماعيل.
{وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ} أي إن بعض ذريتهما محسن فاعل للخيرات، وبعضها ظالم لنفسه بالكفر والمعاصي.
وهذا دليل على أن النسب لا أثر له في الهدى والضلال، وأن النفع ليس بالوراثة والنسب أو الانتماء، وإنما الانتفاع بالأعمال، وأنه لا يعيب الأصول ولا ينتقصهم سوء بعض ذريتهم، لقوله تعالى:{وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى} [الأنعام 164/ 6].
فقه الحياة أو الأحكام:
يستدل بالآيات على ما يأتي:
1 -
أمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام في المنام ثلاث ليال متتابعات، لا في اليقظة بذبح ابنه، لأنه تعالى جعل رؤيا الأنبياء عليهم السلام حقا، لتقوية الدلالة على كونهم صادقين. قال تعالى في حق إبراهيم عليه السلام:{إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} . وقال سبحانه في حق يوسف عليه السلام: {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ} [يوسف 4/ 12]. وقال تعالى في حق محمد ص خاتم النبيين: {لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ.} . [الفتح 27/ 48].
2 -
احتج أهل السنة بهذه الآية على أن الله تعالى قد يأمر بما لا يريد وقوعه، فإنه سبحانه أمر بالذبح، وما أراد وقوعه.
3 -
احتجوا أيضا بالآية على جواز نسخ الحكم قبل وجود زمن الامتثال.
4 -
إن الذبيح بحسب دلالة هذه الآيات وترتيبها هو إسماعيل عليه السلام، لأنه هو المبشر به أولا، وأما إسحاق فبشّر به بعد إسماعيل، مما يدل على أن إسماعيل هو الابن الأكبر، وهو الذي كان ذبيحا بالاتفاق عند الأكثرين. ولو كان الذبيح إسحاق، لكان الذبح يقع ببيت المقدس، لا بالمنحر من منى، وهذا موضع الذبح اتفاقا.
ويؤيده أدلة أخرى منها:
قول النبي ص فيما رواه الحاكم في المناقب: «أنا ابن الذبيحين» أي إسماعيل، وأبيه عبد الله الذي نذر أبوه عبد المطلب أن يذبح ولدا إذا رزق عشرة من الولد، أو إذا سهل الله عليه حفر بئر زمزم، فتم له الأمران، فأقرع، فخرج السهم على عبد الله، فمنعه أخواله وقالوا له: افد ابنك بمئة من الإبل، ففداه بمئة من الإبل.
ومنها: ما نقل عن الأصمعي أنه قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح، فقال: يا أصمعي، أين عقلك؟ ومتى كان إسحاق بمكة؟ وإنما كان إسماعيل بمكة، وهو الذي بنى البيت مع أبيه، والمنحر بمكة.
ومنها: أن الله تعالى وصف إسماعيل بالصبر، دون إسحاق، في قوله تعالى:
{وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ} [الأنبياء 85/ 21] وهو صبره على الذبح، ووصفه أيضا بصدق الوعد في قوله:{إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ} [مريم 54/ 19] لأنه وعد أباه الصبر على الذبح، فوفى به.
ومنها: الآثار الصحيحة المقطوع بها بان الذبيح إسماعيل عليه السلام، وهو
منقول عن ابن عباس، وابن عمر، وعلي، وأبي هريرة، وأبي الطّفيل عامر بن واثلة من الصحابة، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، ومجاهد، والشعبي، ويوسف بن مهران، والربيع بن أنس، ومحمد بن كعب القرظي، والكلبي، وعلقمة، وأبي جعفر محمد بن علي، وأبي صالح من التابعين رضي الله عنهم، قالوا: الذبيح إسماعيل
(1)
. قال القرطبي: وهذا القول أقوى في النقل عن النبي ص وعن الصحابة والتابعين.
ولكن اليهود حسدوا العرب على هذا الفضل بأن يكون أبوهم إسماعيل هو الذبيح، فزادوا في التوراة وحرفوها، ودسّوا في روايات الآثار وبعض الأحاديث أن الذبيح إسحاق، وسرى ذلك بين بعض الصحابة وبعض المسلمين محتجين بدليلين:
الأول-إنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام قبل هذه الآية أنه قال:
{إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ} والمراد منه بالإجماع مهاجرته إلى الشام، ثم قال:{فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ} فوجب أن يكون هذا الغلام ليس إلا إسحاق.
ثم قال بعده: {فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} والغلام الذي بلغ معه السعي هو ذلك الغلام الذي حصل في الشام، فثبت أن مقدمة هذه الآية تدل على أن الذبيح هو إسحاق. وكذلك آخر الآية يدل أيضا على ذلك، لأنه تعالى لما تمم قصة الذبيح قال بعده:{وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ} وإنما بشره بهذه النبوة لتحمّله هذه الشدائد في قصة الذبيح، فأول الآية وآخرها يدل على أن الذبيح هو إسحاق عليه السلام.
الثاني-ما اشتهر من كتاب يعقوب عليه السلام ونصه: «من يعقوب إسرائيل نبي الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله» .
(1)
تفسير ابن كثير: 17/ 4 - 19، تفسير الرازي: 153/ 26 وبعدها، تفسير القرطبي: 100/ 15، تفسير الخازن 22/ 6.
وهذا هو المروي الصحيح عن عبد الله بن مسعود: أن رجلا قال له: يا ابن الأشياخ الكرام، فقال عبد الله: ذلك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله عليه السلام.
وروي ذلك أيضا عن عمر، وجابر، والعباس، وكعب الأحبار من الصحابة، وعن بعض التابعين مثل قتادة، ومسروق، وعكرمة، وعطاء، ومقاتل، والزهري، والسدّي، وعن مالك بن أنس، كلهم قالوا: الذبيح إسحاق. لكن يلاحظ أن لكعب الأحبار في هذه الأخبار ضلعا واضحا، وهي أخبار من الكتب القديمة غير موثوقة، وتلقاها بعض المسلمين عنه، وسرت فيما بينهم. وقد نقلنا عن ابن كثير والبيضاوي تفنيد هذه الروايات.
وكان الزجاج يقول: الله أعلم أيهما الذبيح؟ وهذا مذهب ثالث.
5 -
الحكمة في مشاورة إبراهيم ابنه بقوله: {فَانْظُرْ ماذا تَرى} : أن يطلع ابنه على هذه الواقعة، ليظهر له صبره في طاعة الله، فتكون فيه قرة عين لإبراهيم، والصبر درجة عالية، وليحصل للابن الثواب العظيم في الآخرة، والثناء الحسن في الدنيا، فقال إسماعيل:{سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ} .
وإنما علّق ذلك بمشيئة الله تعالى على سبيل التبرك والتيمن، وأنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله. قال بعض أهل الإشارة: لما استثنى، وفقه الله للصبر.
6 -
قوله {فَلَمّا أَسْلَما} أي انقادا لأمر الله: دليل على أن الأب والابن كانا في درجة واحدة من التسليم والتفويض لأمر الله تعالى.
7 -
عدد الله تعالى بمناسبة هذه القصة على إبراهيم عليه السلام-كما تقدم- نعما خمسا: هي جزاؤه الحسن {إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} أي نجزيهم بالخلاص
من الشدائد في الدنيا والآخرة، والفداء العظيم بالكبش، والثناء الحسن بين الأمم والسلام من الله، وبشارته بولد آخر، وجعل أكثر الأنبياء من بني إسرائيل وغيرهم من ذريته وذرية إسحاق وإسماعيل.
8 -
الفداء بالكبش دليل-كما تقدم-على أن الأضحية بالغنم أفضل من الإبل والبقر.
واختلف العلماء: هل الأضحية أفضل أو الصدقة بثمنها؟ قال مالك وأصحابه: الضحية أفضل إلا بمنى، لأنه ليس موضع الأضحية. وقال أصحاب الرأي: إن الضحية أفضل، كذلك قال أحمد بن حنبل: الضحية أفضل من الصدقة، لأن الضحية سنة مؤكدة كصلاة العيد. ومعلوم أن صلاة العيد أفضل من سائر النوافل، وكذلك صلوات السنن أفضل من التطوع كله.
وقد روي في فضل الضحايا آثار حسان، منها ما خرّجه الترمذي عن عائشة أن رسول الله ص قال:«ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحبّ إلى الله من إهراق الدم، إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، فطيبوا بها نفسا» .
والأضحية عند الجمهور ليست بواجبة، ولكنها سنة ومعروف.
وقال أبو حنيفة: الأضحية واجبة على المقيمين الواجدين من أهل الأمصار، ولا تجب على المسافر. وخالفه أبو يوسف ومحمد، فقالا: ليست بواجبة ولكنها سنة، غير مرخص لمن وجد السبيل إليها في تركها.
والذي يضحى به بإجماع المسلمين: الأزواج الثمانية: وهي الضأن والمعز والإبل والبقر. والأخيران يجزئ الواحد منهما عن سبعة.
ويتّقى من الضحايا-كما روى الخمسة (أحمد وأصحاب السنن الأربعة) عن
البراء بن عازب-أربع: «العرجاء البين ضلعها (عرجها)، والعوراء البيّن عورها، والمريضة البيّن مرضها، والعجفاء التي لا تنقي»
(1)
. و
في الخبر الذي رواه أحمد والأربعة عن علي: «أمرنا رسول الله ص أن نستشرف العين والأذن..» .
9 -
دلت الآية على أن من نذر نحر ابنه أو ذبحه: أنه يفديه بكبش، كما فدى به إبراهيم ابنه، قال ذلك ابن عباس. وعنه رواية أخرى: ينحر مائة من الإبل كما فدى بها عبد المطلب ابنه. روى الشعبي عنه الروايتين. والأولى أصح.
وقال الشافعي: هو معصية يستغفر الله منها.
وقال أبو حنيفة: هي كلمة يلزمه بها في ولده ذبح شاة، ولا يلزمه في غير ولده شيء. وهذا قول ابن العربي أيضا، لأن الله تعالى جعل ذبح الولد عبارة عن ذبح الشاة شرعا، فألزم الله إبراهيم ذبح الولد، وأخرجه عنه بذبح شاة، والله تعالى يقول:{مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ} [الحج 78/ 22] والإيمان: التزام أصلي، والنذر التزام فرعي، فيجب أن يكون محمولا عليه.
10 -
بشر الله بنبوة إسحاق من الأنبياء الصالحين، وكان هذا بعد إيراد قصة الذبيح، مما يدل على أنه إسماعيل. قال المفضل: الصحيح الذي يدل عليه القرآن أنه إسماعيل، وذلك أنه قص قصة الذبيح، فلما قال في آخر القصة:{وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} .
ثم قال: {سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ. كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} قال: {وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ، وَبارَكْنا عَلَيْهِ} أي على إسماعيل وعلى إسحاق، كنى به، لأنه قد تقدم ذكره، ثم قال:{وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما} فدل على أنها ذرية إسماعيل وإسحاق، وليس تختلف الرواة في أن إسماعيل كان أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة. والأدق أن يقال: باركنا على إبراهيم في أولاده.
(1)
النّقي: مخّ العظام وشحمها، يريد أنه لا يوجد فيها شحم لهزالها وضعفها.