الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أرسله الله عائدا إلى القوم الذين هرب منهم إلى البحر، وهم أهل نينوى من أرض الموصل، وعددهم مائة ألف، بل أكثر من ذلك، فهم يزيدون عن هذا العدد، فدعاهم إلى ربه مرة أخرى، فصدقوه كلهم وآمنوا به، بعد ما شاهدوا أعلام نبوته، وأمارات العذاب، فمتعهم الله في الدنيا إلى حين انقضاء آجالهم ومنتهى أعمارهم، كقوله تعالى:{فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا، كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ} [يونس 98/ 10].
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت قصة يونس إلى ما يأتي:
1 -
وقعت حادثة التقام الحوت يونس عليه السلام بعد أن صار رسولا، لقوله تعالى:{وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} أي أنه كان من المرسلين حينما أبق إلى الفلك.
2 -
لا يصح لنبي المهاجرة عن بلد القوم الذين أرسل إليهم إلا بإذن ربه، فلما ذهب يونس عليه السلام بغير إذن ربه، وصف فعله بالإباق. قال العلماء:
إنما قيل ليونس: أبق عن العبودية، لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل، مستترا من الناس. وإنما العبودية: ترك الهوى، وبذل النفس عند أمور الله عز وجل، فلما آثر هواه لزمه اسم الآبق.
ولم يبين لنا القرآن الكريم سبب إباقه، وقد فهم ذلك بالأمارات.
3 -
القرعة جائزة شرعا، وملزمة الأثر كالقسمة، لقوله تعالى:{فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} . لكن المستقر في تشريعنا أنه لا يجوز الاقتراع على إلقاء الآدمي في البحر، وإنما تطبق عليه الحدود والتعزيرات على مقدار جنايته.
وإنما كان ذلك في يونس وزمانه مقدمة لتحقيق برهانه، وزيادة في إيمانه.
4 -
أتى يونس عليه السلام بما يلام عليه، فأصابته القرعة ثلاث مرات، فألقوه في البحر، تخفيفا لحمولة السفينة، فالتقمه الحوت، وهو آت بما يلام عليه.
5 -
لم يبين القرآن الكريم مدة لبثه في بطن الحوت، لذا اختلف العلماء في تعيين المدة، فقيل: بعض يوم، أو ساعة واحدة، وقيل: ثلاثة أيام، وقيل:
سبعة أيام، وقيل: عشرين يوما، وقيل: أربعين يوما
(1)
. والمعول عليه أن الله أبقاه حيا في بطن الحوت، فجعله عسير الهضم عليه، في مدة قليلة أو كثيرة، معجزة له.
6 -
لقد نجى الله تعالى يونس عليه السلام، لأمرين: أنه كان من المسبحين الذاكرين الله كثيرا طوال عمره، ومن تعرف على الله وقت الرخاء عرفه وقت الشدة، وأنه أعلن توبته في بطن الحوت الذي حماه الله من هضمه، فقال:
{لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ، سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ} . لذلك قيل: إن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر. وقال الحسن البصري: ما كان له صلاة في بطن الحوت، ولكنه قدم عملا صالحا في حال الرخاء، فذكّره الله به في حال البلاء، وإن العمل الصالح ليرفع صاحبه، وإذا عثر وجد متكأ.
ومن هذا المعنى
قوله ص فيما رواه الضياء عن الزبير: «من استطاع منكم أن تكون له خب (أي خبيئة) من عمل صالح فليفعل» أي فليجتهد العبد، ويحرص على خصلة من صالح عمله، يخلص فيها بينه وبين ربه، ويدخرها ليوم فاقته وفقره، ويسترها عن خلقه، يصل إليه نفعها أحوج ما كان إليه.
أما تسبيحه فقال القرطبي: الأظهر أنه تسبيح اللسان الموافق للجنان.
جاء في كتاب أبي داود عن سعد بن أبي وقاص عن النبي ص قال: «دعاء ذي النون
(1)
تفسير القرطبي: 123/ 15