الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
للحساب والجزاء، ذكر ما يدل على إمكان البعث بإنبات النبات من الأرض الجدباء بالمطر، وإيجاد البساتين وتفجير الأنهار، لتوفير سبل المعاش بها، مما يستدعي شكرهم على تلك النعم.
وبعد بيان أحوال الأرض التي هي المكان الكلي، ذكر أربع آيات دالة على قدرته العظيمة من أحوال الأزمنة، وهي تعاقب الليل والنهار، ودوران الشمس، ومسير القمر في منازله، وتخصيص مدار مستقل لكل من الشمس والقمر.
ثم أردف ذلك بدليل آخر دال على القدرة المقترنة بالرحمة وهو تنقل الأولاد والأجيال في السفن العابرة مياه البحار.
التفسير والبيان:
{وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا، فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} أي ومن العلامات الدالة على وجود الله وقدرته على البعث وإحياء الموتى: إحياء الأرض الهامدة التي لا نبات فيها، بإنزال الماء عليها، وجعلها تموج وتهتز بالنبات المختلف الألوان والأشكال، وإخراج الحب الذي هو رزق للعباد ولأنعامهم، وهو معظم ما يؤكل، وأكثر ما تقوم به الحياة والمعاش. وكما نحيي الأرض الميتة نحيي الموتى.
{وَجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ، وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ} أي وأوجدنا في الأرض التي أحييناها بساتين مشجرة من نخيل وأعناب وغيرها، وجعلنا فيها أنهارا موزعة في أماكن مختلفة، يحتاجون إليها. وخصص النخيل والأعناب بالذكر من بين سائر الفواكه، لأن ألذ المطعوم الحلاوة، وهي فيها أتم، ولأن التمر والعنب قوت وفاكهة خلافا لغيرهما، ولأنهما أعم نفعا.
{لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ، أَفَلا يَشْكُرُونَ} أي إن القصد من إنشاء الحب والجنات أن يأكل المخلوقون من ثمر المذكور من النخيل والأعناب، ويأكلوا مما صنعته أيديهم من تلك الغراس والزروع أو الحبوب والثمار، كالعصير والدبس ونحوهما، وما ذاك كله إلا من رحمة الله تعالى بهم، لا بقدرتهم وقوتهم، فهلا يشكرونه على ما أنعم به عليهم من هذه النعم التي لا تعد ولا تحصى؟! وهذا أمر بالشكر من طريق إنكار تركه.
وقوله {مِنْ ثَمَرِهِ} عائد إلى ما ذكر قبل ذلك، وقال الرازي: المشهور أنه عائد إلى الله. وقوله: {وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} يشمل في رأي الرازي الزراعة والتجارة.
ولما أمرهم تعالى بالشكر، وشكر الله بالعبادة، نبّه إلى أنهم لم يقتنعوا بالترك، بل عبدوا غيره، وأتوا بالشرك، فقال:
{سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ، وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ} أي تنزيها عن الشريك لله الذي خلق الأنواع والأصناف كلها من مختلف الألوان والطعوم والأشكال، من الزروع والثمار والنبات، وخلق من النفوس الذكور والإناث، وخلق مخلوقات شتى لا يعرفونها، كما قال تعالى:
{وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ} [النحل 8/ 16] وقال عز وجل: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ، لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الذاريات 49/ 51].
والخلاصة: أن خالق هذا الخلق العظيم من إنسان وحيوان ونبات وخالق أشياء لا نعلمها منزه عن الشريك والنظير، قادر على كل شيء، وفي الآية الأمر بالتنزيه عما لا يليق بالله تعالى، كالأمر بالشكر في الآية المتقدمة.
وبعد الاستدلال على إمكان البعث والحشر بأحوال الأرض المكانية، ذكر تعالى أدلة أربعة من أحوال الأزمنة، فقال:
1 -
{وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ، فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ} أي ومن أدلة قدرته تعالى العظيمة: خلق الليل والنهار، وتعاقب الليل والنهار دائبين، فينزع النهار من الليل فيأتي بالضوء وتذهب الظلمة، وينزع الليل من النهار، فيصبح الخلق في ظلمة ويذهب الضوء، وهكذا يتعاقبان، يجيء هذا فيذهب هذا، ويذهب هذا فيجيء هذا، كما قال تعالى:{يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً} [الأعراف 54/ 7] نتيجة لدوران الأرض حول محورها من الغرب إلى الشرق، فتشرق الشمس على نصف الكرة الأرضية، وتغيب عن النصف الآخر، وفي كل من الظلمة والنور نفع وخير، ففي الظلام ترك العمل وسكون النفس والراحة من العناء، وفي النور متعة ولذة وحركة وعمل من أجل كسب الرزق.
وقوله {فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ} أي داخلون في الظلام، وإذا للمفاجاة، أي فهم داخلون في الظلمة مفاجأة وبغتة، لا يد لهم بعدئذ، ولا بد من الدخول فيه.
2 -
{وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها، ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} أي وآية مستقلة دالة على قدرته تعالى: دوران الشمس في فلكها إلى نهاية مدارها، وذلك الدوران تقدير من الله القاهر الغالب كل شيء، المحيط علمه بكل شيء. وهناك قولان للمفسرين في تفسير المستقر: الأول-أن المراد مستقرها المكاني وهو تحت العرش مما يلي الأرض من ذلك الجانب، وهي أينما كانت فهي وجميع المخلوقات تحت العرش. والثاني-أن المراد مستقرها الزماني وهو منتهى سيرها، وهو يوم القيامة
(1)
.
وقد أثبت علماء الفلك أنه زيادة على دوران الشمس الظاهري وسط النجوم بسبب دوران الأرض حول الشمس مرة في السنة، للشمس حركتان أخريان:
(1)
تفسير ابن كثير: 571/ 3 وما بعدها.
دورة حول محورها مرة في كل ست وعشرين يوما تقريبا، ودورة مع توابعها من الكواكب السيارة حول مركز النظام النجومي بسرعة تقدر بنحو مائتي ميل في الثانية. والمستقر في رأي العلماء في الحالة الأولى: هو المحور الثابت، وفي الثانية: هو مركز النظام النجومي بأسره.
3 -
{وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} أي جعل الله للقمر منازل يسير فيها سيرا آخر، وهي ثمانية وعشرون منزلا ذكرناها، ينزل كل ليلة في واحد منها بمعدل 13 درجة في اليوم، ثم يستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يوما، وليلة واحدة إن كان تسعة وعشرين يوما، فإذا صار القمر في آخرها دق وصغر واصفر وتقوس، وعاد إلى أولها، حتى صار كالعرجون القديم:
وهو الغصن الذي عليه طلع النخلة، وهو أصفر عريض يعوجّ، ويقطع منه الشماريخ، يبقى على النخل يابسا.
ويستدل بمنازل القمر على مضي الشهور، كما أن الشمس يعرف بها الليل والنهار، كما قال عز وجل:{يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ، قُلْ: هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة 189/ 2] وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً، وَالْقَمَرَ نُوراً، وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ} [يونس 5/ 10] وقال تبارك وتعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ، فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ، وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ، وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ، وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً} [الإسراء 12/ 17]. والشمس تطلع كل يوم، وتغرب في آخره، ولكن تنتقل في مطالعها ومغاربها صيفا وشتاء، يطول بسبب ذلك النهار، ويقصر الليل، ثم يطول الليل ويقصر النهار. وأما القمر فقدره منازل يطلع في أول ليلة من الشهر ضئيلا قليل النور، ثم يزداد نورا في الليلة الثانية، ويرتفع منزلة، ثم كلما ارتفع ازداد ضياء مقتبسا من الشمس، حتى يتكامل في الليلة الرابعة عشرة، ثم يشرع في النقص إلى آخر الشهر، حتى يصير كالعرجون القديم- عرجون النخل.
وعلماء الفلك قسموا النجوم التي تقع حول مدار القمر ثمانيا وعشرين مجموعة تسمى منازل القمر. وقد كان العرب يعرفون بها الأنواء (أي الأمطار)، ويقيسون بالنسبة إليها مواقع الكواكب السيارة ومنها الشمس.
4 -
{لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ، وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ، وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} أي لا يصح ولا يسهل لكل من الشمس والقمر أن يدرك أحدهما الآخر، لأن لكل منهما مدارا مستقلا، لا يجتمع مع الآخر فيه، ولأن الشمس تسير مقدار درجة في اليوم، والقمر يسير مقدار (13) درجة في اليوم.
ولا تسبق آية الليل وهي القمر آية النهار وهي الشمس، لأن لكل منهما مجالا وسلطانا، فسلطان الشمس ومجالها بالنهار، وسلطان القمر بالليل.
وكل من الشمس والقمر والأرض يسبح ويدور في فلكه في السماء، كما يسبح السمك في الماء، فالشمس تسير في مدار لها نصف قطره (93) مليون ميل، وتتم دورتها في سنة، والقمر يدور حول الأرض كل شهر في مدار نصف قطره (24) ألف ميل، والأرض تدور حول الشمس في سنة، وحول نفسها في يوم وليلة.
وهذا دليل على أن الله جعل لكل من الشمس والقمر والأرض مدارا مستقلا يدور فيه، فلا يحجب أحدهما ضوء الآخر إلا نادرا حينما يحدث كسوف الشمس أو خسوف القمر.
وبعد بيان الدليل المكاني وهو الأرض والأدلة الزمنية الأربعة المتقدمة، أتى تعالى بدليل آخر على قدرته، وهو تسيير الإنسان في البحر كما يسير في البر، كما قال تعالى:{وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الإسراء 70/ 17] وقال هنا:
{وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} أي ومن دلائل قدرته ورحمته تبارك وتعالى: تسخيره البحر ليحمل السفن، وركوب الذرية، أي الأولاد في السفن المملوءة بالبضائع التي ينقلونها من بلد إلى آخر، لتوفير القوت
والمعاش، كما قال تعالى:{أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ، لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ} [لقمان 31/ 31].
وقيل: الذرية: آباؤهم الذين حملوا في سفينة نوح عليه السلام، وهي السفينة المملوءة بالأمتعة والحيوانات التي أمره الله تعالى أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين، حفاظا على أصول المخلوقات. والمعنى: أن الله حمل آباء هؤلاء وأجدادهم في سفينة نوح.
{وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ} أي وخلقنا للناس مثل تلك السفن سفنا برية وهي الإبل، فإنها سفن البر يحملون عليها ويركبون عليها، لكن قال الرازي: الضمير في {مِثْلِهِ} عائد إلى الفلك، على قول الأكثرين، فيكون هذا كقوله تعالى:{وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ} [ص 58/ 38] وعلى هذا فالأظهر أن يكون المراد الفلك الآخر الموجود في زمانهم، وليس المراد الإبل.
ويؤيد هذا قوله تعالى هنا: {وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ} . ولو كان المراد الإبل، لكان قوله:{وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ} فاصلا بين متصلين.
ويحتمل أن يعود الضمير إلى معلوم غير مذكور تقديره: من مثل ما ذكرنا من المخلوقات، مثل قوله تعالى هنا:{لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ}
(1)
وعلى هذا، الآية تشمل كل وسائل النقل الحديثة من سيارات وقطارات وطائرات. ونظير الآية قوله تعالى:{وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً، وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ} [النحل 8/ 16].
ودليل رحمته ولطفه تعالى حفظ الركاب في تلك الوسائط، فقال:{وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ، فَلا صَرِيخَ لَهُمْ، وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ} أي وإن نرد إغراقهم في الماء مع حمولاتهم، فلا مغيث لهم يغيثهم مما هم فيه، أو ينجيهم من الغرق، ولا هم ينقذون مما أصابهم.
(1)
تفسير الرازي: 81/ 26، تفسير الألوسي: 27/ 23