الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلاّ مَوْتَتَنَا الْأُولى، وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} أي قال المؤمن لجلسائه ابتهاجا وسرورا بما أنعم عليهم من نعيم الجنة الدائم: أنحن مخلّدون منعّمون أبدا، فلا نموت إلا الموتة الأولى الحادثة في الدنيا، ولسنا معذّبين كما يعذّب الكفار أصحاب النار؟ هذه حال المؤمنين وصفتهم وما قضى الله لهم ألا يذوقوا إلا الموتة الأولى، بخلاف الكفار، فإنهم فيما هم فيه من العذاب يتمنون الموت كل ساعة. والمؤمن يقول هذا القول تحدثا بنعمة الله واغتباطا بحاله وبمسمع من قرينه توبيخا له، يزداد به عذابا، وأما المؤمن فيسعد ويغبط نفسه بالخلود في الجنة، والإقامة في النعيم، بلا موت ولا عناء.
{إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ} أي إن هذا النعيم الدائم المقيم وهذا الفضل العميم الذي نحن فيه لهو النجاح الباهر، والفوز الأكبر الذي لا يوصف، ولمثل هذا النعيم والفوز، ليعمل العاملون في الدنيا، ليحظوا به، لا أن يعملوا فحسب لحظوظ الدنيا الفانية، المقترنة بالمخاطر والآلام والمتاعب الكثيرة. والخلاصة: أن المطلوب هو العمل للآخرة وللجنة الخالدة، لا أن يقصر العمل على المكاسب الدنيوية فقط.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
1 -
إن عذاب الكفار والمجرمين أمر حق وعدل ومؤكد الوقوع.
2 -
هذا الجزاء يكون بسبب العمل المنكر وهو الشرك والمعاصي، وهذا رد على من قد يقول: كيف يليق بالرحيم الكريم المتعالي عن النفع والضر أن يعذب عباده؟
3 -
إن تنفيذ الأمر الإلهي واجتناب القبيح والمعصية يتطلبان الترغيب في الثواب، والترهيب من العقاب، لذا استثنى الله من الإخبار بالعذاب عباده الذين أخلصوا العمل لله تعالى، فهم ناجون غير معذبين.
4 -
إن ثواب المؤمنين المخلصين هو الجنة، وفيها الرزق المعلوم الصفات وهو الدائم الذي لا ينقطع، المشتمل على أطيب المآكل من الثمار المختلفة الرطبة واليابسة، في بساتين يتنعمون فيها، ولهم إكرام من الله جل وعز برفع الدرجات وسماع كلامه ولقائه.
ولا ينظر بعضهم في قفا بعض، وإنما يجلسون على أسرّة يتكئون عليها متقابلين وجها لوجه، غير متدابرين.
وذلك الرزق مشتمل أيضا على أطيب المشارب من خمور تقدم لهم بكؤوس مترعة، لا يخافون انقطاعها ولا فراغها، وإنما تجري كما تجري العيون على وجه الأرض، وخمر الجنة أشد بياضا من اللبن، طيبة الطعم، وطيبة الريح، لا تغتال عقولهم، ولا تذهب بها بشربها، ولا يصيبهم منها مرض ولا صداع، ولا يسكرون منها.
ولهم أزواج من النساء العفيفات اللاتي قصرن طرفهن على أزواجهن، فلا ينظرن إلى غيرهم، وهن حسان العيون، ذوات جمال ولون بديع كبيض النعام المصون، يخالط لونها صفرة قليلة، وهو أحسن ألوان النساء.
5 -
يتجاذب أهل الجنة أطراف الأحاديث المسلّية التي يتذكرونها في الدنيا، إتماما للأنس في الجنة، فيقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى لهم وعليهم في الدنيا.
ومن موضوعات أحاديثهم: قصة المؤمن والكافر، يقول المؤمن من أهل الجنة: كان لي في الدنيا قرين أي صديق ملازم، فسألني متعجبا: هل أنت من
المصدقين بالبعث والجزاء؟ وهل نحن مجزيون محاسبون بعد الموت، وهل يعقل أن نعود أحياء بعد أن متنا وصرنا ترابا وعظاما نخرة؟ وتتمة الموضوع أن يقول المؤمن لأهل الجنة: هل أنتم مطلعون إلى النار لننظر كيف حال ذلك القرين ومآله؟ فلم يفعلوا، وإنما اطلع هو، فوجد قرينه معذبا في وسط النار. فيقول له موبخا: والله، لقد قاربت أن توقعني في النار، وتهلكني، ولولا فضل ربي ورحمته وعصمته من الضلال والباطل، وإنعامه بالإرشاد والتوفيق إلى الحق، لكنت محضرا معك في النار مثلك.
6 -
ثم يعود ذلك المؤمن إلى خطاب جلسائه الذين هم من أهل الجنة، بعد أن يعلموا أنهم لا يموتون حين يمثل الموت بصورة كبش أملح فيذبح، بعد أن كانوا لا يعلمون بذلك في أول دخولهم في الجنة، فيقول مغتبطا مبتهجا: أنحن مخلّدون منعّمون، فما نحن بميتين ولا معذّبين؟ 7 - النتيجة من القصة والحديث المتبادل: هي أن الظفر بنعيم الجنان هو الفوز الأعظم، ولمثل هذا العطاء والفضل ينبغي أن يعمل العاملون العمل الصالح المؤدي إلى تلك النعمة الكبرى.
وقوله تعالى: {إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ} يحتمل أن يكون من كلام المؤمن لما رأى ما أعد الله له في الجنة وما أعطاه، ويحتمل أن يكون من قول الملائكة، ويحتمل أن يكون هو من قول الله عز وجل لأهل الدنيا، أي قد سمعتم ما في الجنة من الخيرات والجزاء، فليعمل العاملون لمثل هذا، كما تقدم إيجازه.