الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأثر بالمحو. {فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ} أي ابتدروا إلى الطريق المألوف لهم ليمصوا فيه. {فَأَنّى يُبْصِرُونَ} أي فكيف يبصرون الطريق والحق حينئذ؟ أي لا يبصرون.
{لَمَسَخْناهُمْ} أي لو شئنا تغيير صورتهم إلى صورة أخرى قبيحة. {عَلى مَكانَتِهِمْ} أي مكانهم، بحيث يجمدون فيه، وقرئ: مكاناتهم جمع مكانة، بمعنى مكان، أي في منازلهم. {فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا} ذهابا. {وَلا يَرْجِعُونَ} أي ولا رجوعا، أي لم يقدروا على ذهاب ولا عودة.
{وَمَنْ نُعَمِّرْهُ} ومن نطل عمره. {نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ} نغير خلقه ونقلبه فيه، ونجعله على عكس ما كان عليه أولا من القوة والطراوة، فيصبح بعد قوته وشبابه ضعيفا هرما.
{أَفَلا يَعْقِلُونَ؟} أن من قدر على ذلك قدر على الطمس والمسخ والبعث، فيؤمنوا.
المناسبة:
بعد بيان حال المحسنين في الآخرة، أعقبه تعالى ببيان حال المجرمين في الدنيا والآخرة، ففي الآخرة يميزون عن المؤمنين، ويصلون نار جهنم خالدين فيها أبدا بسبب كفرهم واتباع وساوس الشيطان، وفي الدنيا لم يعاجلهم بالعقوبة رحمة منه، فلم يشأ أن يذهب أبصارهم، أو يمسخ صورهم ويجعلهم كالقردة والخنازير، وأعطاهم الفرصة الكافية من العمر في الدنيا ليتمكنوا من النظر والاهتداء، قبل أن يضعفوا ويعجزوا عن البحث والإدراك، وذلك تحذير واضح لهم.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن حال الكفار يوم القيامة بتمييزهم عن المؤمنين في موقفهم، فيقول:
{وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ} أي يقال للمجرمين الكافرين في الآخرة:
تميزوا في موقفكم عن المؤمنين، كما قال تعالى في آية أخرى:{وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً، ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا: مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ، فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ} [يونس 28/ 10] وقال سبحانه: {وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} [الروم 14/ 30]{يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} [الروم 43/ 30] أي يصيرون صدعين فرقتين.
أو المراد: يمتاز المجرمون بعضهم عن بعض، فاليهود فرقة، والنصارى فرقة، والمجوس فرقة، والصابئون فرقة، وعبدة الأوثان فرقة، والماديون والملحدون فرقة، وهكذا.
ثم أبان الله تعالى سبب تمييزهم عن غيرهم، موبخا ومقرعا لهم على كفرهم، فقال:
{أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ، إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} أي ألم أوصكم وآمركم وأتقدم إليكم على لسان الرسل يا بني آدم ألا تطيعوا الشيطان فيما يوسوس به إليكم من معصيتي ومخالفة أمري، فإن الشيطان ظاهر العداوة لكم، بدءا من أبيكم آدم عليه السلام.
وبعد النهي عن عبادة غير الله أمر تعالى بعبادته، فقال:
{وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ} أي وأن وحّدوني وأطيعوني فيما أمرتكم به، ونهيتكم عنه، وهذا المأمور به والمنهي عنه هو الطريق المعتدل القويم، وهو دين الإسلام.
ثم أخبر الله تعالى عن مساعي الشيطان في إضلال السابقين، فقال:
{وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً، أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} ؟ أي لقد أغوى الشيطان خلقا كثيرا، وزين لهم فعل السيئات، وصدهم عن طاعة الله وتوحيده، أفلم تعقلوا عداوة الشيطان لكم، وتبتعدوا عن مثل ضلالات السابقين، حتى لا تعذبوا مثلهم.
ثم بيّن الله تعالى مآل أهل الضلال قائلا لهم يوم القيامة تقريعا وتوبيخا:
{هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} أي هذه النار التي وعدتم بها في الدنيا وحذرتكم منها على ألسنة الرسل فكذبتموهم، وقد برزت لهم لإرهابهم.
{اِصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} ادخلوها وذوقوا حرها اليوم، بسبب كفركم بالله في الدنيا، وتكذيبكم بها، وطاعتكم للشيطان، وعبادتكم للأوثان.
وفي هذا الكلام إشارة إلى شدة ندامتهم وحسرتهم من وجوه ثلاثة
(1)
:
1 -
قوله تعالى: {اِصْلَوْهَا} وهو أمر تنكيل وإهانة، كقوله تعالى لفرعون:{ذُقْ، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} [الدخان 49/ 44].
2 -
قوله تعالى: {الْيَوْمَ} الذي يدل على أن العذاب حاضر، وأن لذاتهم قد مضت، وبقي العذاب اليوم.
3 -
قوله تعالى: {بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} الذي ينبئ عن الكفر بنعمة عظيمة، وحياء الكفور من المنعم من أشد الآلام، كما قال بعضهم:
أليس بكاف لذي نعمة
…
حياء المسيء من المحسن
ثم أبان الله تعالى مدى مواجهتهم بالجرم الذي ارتكبوه دون أن يستطيعوا إنكاره، فقال:
{الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ، وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ، وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ} أي في هذا اليوم الرهيب، يختم الله على أفواه الكافرين والمنافقين ختما لا يقدرون معه على الكلام، ويستنطق جوارحهم بما عملت، فتنطق أيديهم وأرجلهم بما اقترفت، ليعلموا أن أعضاءهم التي كانت أعوانا لهم على المعاصي، صارت شهودا عليهم.
وجعل الكلام للأيدي والشهادة للأرجل، لأن أكثر الأفعال تتم بمباشرة الأيدي، كما قال تعالى:{وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} [يس 35/ 36] وقال سبحانه:
{وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة 195/ 2] أي ولا تلقوا بأنفسكم،
(1)
تفسير الرازي: 101/ 26
والشاهد على العمل ينبغي أن يكون غيره، فجعل الأرجل والجلود من جملة الشهود، لتعذر إضافة الأفعال إليها.
روى مسلم والنسائي وابن أبي حاتم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ص قال: «يقول العبد يوم القيامة: لا أجيز علي إلا شاهدا من نفسي، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا، وبالكرام الكاتبين شهودا، فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بعمله، ثم يخلّى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدا لكنّ وسحقا، فعنكنّ كنت أناضل» .
ثم أوضح الله تعالى بعض مظاهر قدرته عليهم من إذهاب البصر والمسخ وسلب الحركة، فقال:
{وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ، فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ، فَأَنّى يُبْصِرُونَ؟} أي ولو نريد لأذهبنا أعينهم وأعميناهم، فصاروا لا يبصرون طريق الهدى، فلو بادروا إلى الطريق المألوفة لهم ليسلكونها، لم يستطيعوا، وكيف يبصرون الطريق وقد ذهبت أبصارهم؟ {وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ، فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا، وَلا يَرْجِعُونَ} أي لو شئنا لبدّلنا خلقهم، وحولنا صورهم إلى صور أخرى أقبح منها كالقردة والخنازير، وهم في أمكنتهم ومواضعهم التي هم فيها يرتكبون السيئات، فلا يتمكنون من الذهاب والمضي أمامهم، ولا الرجوع وراءهم، بل يلزمون حالا واحدا، لا يتقدمون ولا يتأخرون.
ثم حذرهم من تفويت فرصة الشباب والعمر، فقال تعالى:
{وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ، أَفَلا يَعْقِلُونَ؟} أي ومن نطل عمره، نرده إلى الضعف بعد القوة، والعجز بعد النشاط، أفلا يدركون ويتفكرون أنهم كلما تقدمت بهم السن، ضعفوا وعجزوا عن العمل؟ وأننا أعطيناهم الفرصة