الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الخامس:
الهجرة وتأسيس الدولة الإسلامية في يثرب
فئة قليلة هاجرت إلى يثرب مع النبي صلى الله عليه وسلم تاركة ديارها، فأُقفلت بهجرتها دور كثيرة من دور مكة، وتألم كثير من المكيين لقفل هذه الدور وتحسروا عليها، ورموا النبي صلى الله عليه وسلم بأنه فرق بين الناس1، كانوا فئة قليلة مشردة مطرودة، أُخرجت من ديارها وأموالها، وفي نفسها حنين إلى من تركوا من الأهل، فلم يستقبلوا حياتهم الجديدة، أو لم تستقبلهم حياتهم الجديدة بالترحاب؛ فقد كان جو المدينة وبيئًا رطبًا، فأصيب كثير من المهاجرين بالحمّى2، ثم إنهم كانوا محتاجين في هذا العهد الجديد إلى أن يدبروا أمر معاشهم بطريقة ما، بعد أن تخلوا عن أموالهم في مكة وهاجروا فَارِّين بدينهم وأنفسهم. هذه الفئة القليلة التي يعمل فيها الحنين والحمى، والتي تدبر أمر معاشها على نحوٍ ضئيل3، استطاعت أن تبلغ في يثرب ما لم تبلغه في مكة، ونالت توفيقًا لم تنل مثله من قبل، فلا بد أن توجد أسباب تعلل هذا التوفيق.
وأول هذه الأسباب: هو أن اليهود كانوا قد هيَّئوا الناس لفكرة الديانة السماوية؛ فقد كانوا أهل كتاب. وكان الأوس والخزرج وثنيين، لكن الاتصال المستمر جعل الفريقين يعرفان أديان بعضهما. وقد كان اليهود يفاخرون الأوس والخزرج بدينهم وكتابهم ويعيرونهم بوثنيتهم، ويهددونهم بقرب ظهور نبي جديد يحطم الأصنام؛ فينضمون إليه ويقتلونهم قَتْلَ عادٍ وإرم؛ فالأوس والخزرج الوثنيون حين دعوا إلى
1 ابن هشام 2/ 79. ابن كثير 3/ 170- 171.
2 البخاري 3/ 23، 5/ 66- 67. ابن كثير 3/ 221- 224.
3 البخاري 3/ 53، 60.
الإسلام كانوا أكثر استعدادًا لتقبله وفهم معناه من وثنيي مكة، وكانوا أسرع إلى هذا النبي الذي كثيرًا ما كانت تهددهم به اليهود وأحرص على ألا يُسبقوا إليه1.
ثم إن الأوس والخزرج كانوا -في هذا الوقت- أصحاب الكلمة العليا في يثرب، وكانوا قد أصبحوا سادة الموقف بها وأصبح اليهود يعتبرون موالي لهم؛ فإذا تحالف النبي صلى الله عليه وسلم مع الأوس والخزرج ودخلوا في دينه كان له ألا يخشى اليهود، كما كان في مقدور الأوس والخزرج أن يُدْخِلوا في المدينة مَنْ شاءوا دون أن يخشوا اعتراض اليهود عليهم. وقد استطاع النبي صلى الله عليه وسلم فيما بعد أن يرغم اليهود على الانضمام إلى الجماعة الجديدة، وأن يرغمهم بعد ذلك على أن يخرجوا من المدينة حين تبين منهم الخيانة، وأصبحوا خطرًا على الدولة الناشئة.
والأمر الثالث الذي مهد للنبي صلى الله عليه وسلم هو أن كثيرًا من زعماء الأوس والخزرج الذين كان الناس يرشحونهم للرياسة، والذين كانوا موضع التبجيل والاحترام، والذين كانوا أصحاب الكلمة النافذة في يثرب، وكان من الممكن أن تقف مطامعهم الشخصية في وجه النظام الجديد، مات أكثرهم في موقعة بُعاث بين الأوس والخزرج قبيل الهجرة؛ فلم يجد النبي صلى الله عليه وسلم إلا الرؤساء الثانويين، وكان هؤلاء أميل إلى الطاعة، أو كانوا على أي حال أسهل قيادًا2.
وأمر رابع لا يقل أهمية وهو: أن فكرة الخير التي تمتلئ بها النفس ويقتنع بها العقل تجعل من قوة الفرد الضئيلة قوة ضخمة، كأن القوة الفردية تتضاعف بمقدار ما في النفس من إيمان بالفكرة؛ لأن هذا الإيمان وهذه العقيدة يورثان صاحبهما قوة تمكنه من أن يصل إلى غايته لا يستطيع صده عائق أو معوِّق.
هذه هي الأسباب التي ساعدت الفئة القليلة الطريدة الطارئة على المدينة. وما كاد النبي صلى الله عليه وسلم يستقر بها حتى بدأ تنظيم أمر الدعوة الإسلامية تنظيمًا يختلف عن التنظيم المكي.
1 ابن هشام 2/ 38.
2 البخاري 5/ 67.
بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يُكَوِّن أمة إسلامية يدخلها الناس بصرف النظر عن قبائلهم وأجناسهم، وبهذا بدأ الدور الأساسي من الدعوة، واتخذ النبي صلى الله عليه وسلم فيه شخصية سياسية إلى جانب شخصيته الدينية. وكان نظام الدولة التي أقامها النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة من نوع أصيل جديد، إذ كان يجمع بين الشورى والحكم المطلق، قال تعالى:{وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم} [الشورى] . وقال: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران] . وهذه الآية على قصرها تجمع بين الشورى والاستقلال بالرأي في الحكم في آنٍ واحد. كما كان في نفس الوقت يجمع بين حكم رجال الدين والاشتراكية. كان ذلك النظام في إطاره دينيًّا مطلقًا يرتكز على الأوامر والأحكام العامة المنَزَّلة، ولكنه في تفاصيله وتطبيق أحكامه اشتراكي شورى. وهذه الدولة فذة في تاريخ البشرية؛ لأنها -بالرغم من قيامها في الأصل على أسس دينية- أقرت مبدأين لا وجود لهما إلا في دولة غير دينية، وأول هذين المبدأين هو: حرية الأديان، وهي حرية لا تقرها الدولة الإسلامية وتسمح بها فحسب؛ بل إنها تتعهد برعايتها. وثانيهما هو: مبدأ تعريف فكرة الوطن والدولة في أوسع معانيها تسامحًا وإنسانية، وهو مبدأ يكفل المساواة في الحقوق والواجبات الوطنية بين جميع أفراد الدولة على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم وعقائدهم.
وقد برزت عبقرية النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الدور المدني، وظهرت المقدرة الفائقة في التنظيم والاحتياط للمستقبل، فقد كانت مهمته في مكة هي الدعوة إلى الدين الجديد، وإمداد المسلمين بالثبات والصبر واليقين، أما في المدينة فلم يكن عليه أن يكتفي بتبليغ الوحي الذي ينزل عليه، بل كان عليه أن ينظم الحياة في المدينة نفسها، فقد أصبح زعيم جماعة سياسية، وقد أدرك هو هذا الموقف من أول الأمر، وحتى قبل هجرته إلى المدينة1، وأخذ يعالج الأمور على هذا الأساس، فسكان المدينة الأصليون هم الأوس والخزرج -وهم قبيلتان قد وقع الشر بينهما كما رأينا من قبل- واليهود وهم أحياء تحالف بعضها مع الأوس وتحالف بعضها مع الخزرج. وهذه الجماعة الأصلية من أهل المدينة في حاجة إلى توفيق حتى يمكن أن تعيش معيشة
1 قال النفر من الخزرج الذين لقوا النبي صلى الله عليه وسلم في الموسم يصفون قومهم بأنهم في حالة فرقة وشر: " فإن يجمعهم الله عليه -الإسلام- فلا رجل أعز منك""2/ 38".