الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
منهم أصحاب صناعات وحرف كانوا يعملون لحساب أهل مكة أحيانًا ولحسابهم أحيانًا أخرى، ومنهم من كان ذا معرفة متميزة في ثقافته الدينية، ولا يستبعد أن يكون بينهم جماعة من المبشرين.
وتشير الآيات القرآنية الكثيرة إلى وجود عدد من الأجانب في مكة وإلى ديانة هؤلاء الأجانب على أنهم من أهل الكتاب، وأهل الكتاب هم النصارى واليهود.
أ-
النصارى:
وأكثر هؤلاء الأجانب كانوا من النصارى كما يستلهم من الآيات القرآنية، فإن إيراد قصة ولادة يحيى وعيسى وإنكار ألوهية عيسى مما يوحي بأن أكثر المخاطبين من أهل الكتاب كانوا نصارى1، ثم إن خبر انكسار الروم والبشرى بفوزهم مما يدل على أن الكتابيين في مكة كانوا نصارى، فضلًا عن أنه يدل على الصلات القوية بين المكيين والأحداث العالمية الجارية في ذلك الوقت2، ولقد كانت صلات مكة قوية بالشمال حيث كانت النصرانية هي ديانة أهل الشام، كما كانت منتشرة بين القبائل التي تعيش على تخوم الشام وعلى الطرف الشمالي للعراق3، كما كانت منتشرة في الحبشة واليمن، وبخاصة في نجران التي قدم منها وفد لمباحثة النبي -صلى الله عليه وسلم4، ومن هذه الجهات قدم عدد كبير إلى مكة إما بتشجيع بعض القرشيين ليكون عندهم من يقوم بما هم في حاجة إليه من الصناعات، أو بسبب اضطهاد وقع عليهم، فلقوا من زعماء مكة ترحيبًا وتشجيعًا؛ فقد كانت بلاد الشام مسرحًا لكثير من الثورات والاشتباكات والاضطهادات الدينية، ومن المحتمل أن يكون بينهم جماعة من المبشرين، فقد كان المبشرون يطوفون أنحاء الجزيرة العربية للدعوة إلى النصرانية، وقد شجعت حكومة الروم هذا التبشير لمآرب سياسية بعيدة الأهداف، فقد كانت تبغي من وراء ذلك كسب العرب إلى صفها ومحاربة أعدائها الفرس بسلاح الدين. وتشير كتب السيرة إلى أن
1 انظر سورة مريم 2-40.
2 انظر سورة الروم 3-6.
3 الواحدي، أسباب النزول ص 212.
4 ابن هشام 1/ 418- 419.
شماسًا زار مكة في الجاهلية1، وكان يعيش في مَرّ الظهران راهب مسيحي2. كما كان في مكة نساء نصرانيات تزوجهن أهل مكة3.
وتلهم الآيات القرآنية أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اتصل بهؤلاء النصارى ودعاهم إلى التصديق برسالته4، وأن منهم من كان ذا سعة في المال يمكنه أن ينفق في عمل الخير5، وأن منهم من كان قوي الشخصية والنفس بحيث لا يبالي بلوم المشركين6، وعلى ذلك فهم ليسوا بأرقاء، وأن منهم من كان متميزًا في ثقافته الدينية، بحيث كان أهلًا للرجوع إليه والاستشهاد به في أمر الرسالة المحمدية7، وهذا الفريق لم يكن نكرة في أوساط مكة بل كان موضع ثقة ومرجع استفتاء في أمور الدين والدنيا، وأن منهم من كان مجادلًا حجاجًا بل متطرفًا في جداله. ولكنهم بوجه عام كانوا رقيقي العاطفة دمثي الأخلاق، جريئين في إظهار الحق، لا يبالون أهل مكة وزعماءها الأقوياء.
وليس في الإمكان تحديد الزمن الذي نزح فيه هؤلاء إلى مكة واستقروا فيها، ولكن آية النحل:{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل] تلهم أن بعض هؤلاء كانوا حديثي عهد بمكة، ومن المحتمل أنهم جاءوا قبيل البعثة، فكانوا لا يزالون يتكلمون لغة عربية سقيمة، أو لا تزال لغتهم الأجنبية مستعملة عندهم. وقد كان أثر النصرانية في مكة
1 ابن هشام 1/ 349- أسد الغابة 375.
2 السيرة الحلبية 1/ 75 ابن كثير 2/ 272 "كان بمر الظهران راهب من الرهبان يدعى عيصًا من أهل الشام، وكان متخفرًا بالعاص بن وائل، وكان الله قد آتاه علمًا كثيرًا، وجعل فيه منافع كثيرة لأهل مكة من طب ورفق وعلم".
3 الأغاني 1/ 66- 67.
4 انظر سورة الأعراف 157، يونس 94، الحج 4.
5 انظر سورة القصص 52، 54.
6 انظر سورة سبأ 6، الإسراء 107، 109.
7 انظر سورة النحل 43.