الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحج
للحج ارتباط كبير بالحياة الاجتماعية والاقتصادية عند العرب، فقد كان لكثير من تقاليده علاقة قوية بكيان العرب الاجتماعي، وكان له من أجل ذلك أثر كبير في حياتهم الاجتماعية، فقد كان شاملًا للعرب جميعًا على اختلاف عقائدهم وعباداتهم وبيئاتهم، وكانوا يتخذونه وسيلة من وسائلهم الاجتماعية، حيث يفدون إلى منطقة مكة -البيت الحرام- من كل صوب، فيلتقون في موسم الحج وأسواقه في ظل الأشهر الحرم، ويجتمعون فيتعارفون ويتبادلون المنافع من بيع وشراء ومبادلة. ويعقدون المجالس للمفاخرات، والمشاورات وحل المشاكل، وكان كل صاحب فكرة وكل صاحب دعوة يريد أن يعلن عنها يجد له في أسواق الحج مجالًا صالحًا، وحتى المبشرون من المسيحييين وغيرهم كانوا يأتون إلى هذه الأسواق يدعون لديانتهم. حتى لنستطيع أن نقول: إن هذه الأسواق كانت منبرًا عامًّا تلتقي فيه الأفكار من كل لون، وبذلك أصبحت هذه الأسواق مجالًا للنشاط العربي بكل مظاهره، فأتاحت للعرب وبخاصة قبيل البعثة فرصة لحركة أو نهضة قومية وسياسية واجتماعية وفكرية.
والحج إلى الكعبة فرض إلهي قديم معترف به وممارس منذ زمن بعيد، يتداول العرب خبر اتصاله بإبراهيم وإسماعيل اللذين قاما ببناء البيت الحرام كما يتداولون خبر حرمته منذ بنائه1. وأن الله جعله مثابة للناس جميعًا وأمنًا. وفي القرآن آيات كثيرة تشير إلى الحج ومناسكه وتقاليده ومنافعه، والكعبة البيت الحرام وحرمتها وأمن منطقتها:{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران] وتتضمن هذه الآيات قرينة قوية على أن الحج إلى البيت على المستطيع، هو استمرار لفرض إلهي قديم على الناس معترف به وممارس من بعضهم، فهو أول بيت وضع للناس فيه الهدى والبركة، وأنه من بناء إبراهيم بما فيه من علامات هي مقام إبراهيم، وأن من دخله كان آمنًا، ويلفت النظر كلمة الناس فإنها دلالة قوية على أن الحج كان عامًّا غير مخصص بطائفة معينة، وهذا يدل على أن الحج كان مفروضًا قبل الإسلام: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنِ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي
1 البقرة 125- 129 البخاري 3/ 14- 15.
جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ، ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلَاّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ، حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ، ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ، لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج] .
هذه الآيات تتضمن دلالة صريحة: -أولًا، على أن العرب جميعهم أو القسم الأكبر منهم، سواء منهم الدانون والقاصون كانوا يأتون إلى مكة ويمارسون مع أهلها طقوس الحج قبل البعثة، وثانيًا، أنهم كانوا يتداولون خبر اتصال الحج ومناسكه بإبراهيم، وقد نزلت هذه الآيات تحمل على المشركين بسبب صدهم عن البيت الحرام الذي جعله الله مثابة للناس جميعًا مقيمهم وباديهم منذ بناه إبراهيم، فهم يأتون إليه من كل فج عميق مشاة وركبانًا، رجالًا ونساء؛ ليقوموا بمناسكه ويوفوا ما عليهم من نذور، ويطوفوا بالبيت العتيق، ويشهدوا منافعهم العظيمة في موسمه، والآية: وأذن في الناس بالحج تؤيد بقوة ما ذكرته الروايات من أن الذين كانوا يشهدون موسم الحج لم يكونوا مقصورين على أهل منطقة مكة أو القطر الحجازي، بل منهم من كان يأتي من اليمن ونجد ومشارف الشام ومشارف العراق، كما كان منهم -إلى جانب المشركين- الحنفاء أو الصابئون والنصارى واليهود 1. منهم من يأتي للاتجار ومنهم من يأتي للتبشير، ومنهم من كان يأتي للمفاخرة والخطابة وإنشاد الشعر، ومنهم من كان يأتي بسبب حل مشاكل لا يمكن حلها إلا في ظروف مثل ظروف الحج وموسمه وأمنه، الإضافة إلى
1 الواحدي. أسباب النزول 212، أسد الغابة 3/ 325. ابن هشام 1/ 349 السيرة الحلبية 251. أنساب الأشراف 1/ 72- 73. البخاري2/ 134.