الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مهمة الدفاع لدى القبائل
1-
نظام الجندية وطبيعة الأعراب:
لقد طبعت حياة الصحراء العربي على الحرية المطلقة إلى أقصى حدّ، والنفرة من القيود، وأصبح من طبع البدوي الذي ينتقل مع الكلأ والماء أن ينفر من الحضر؛ لأنه بطبيعته صار يكره الاستقرار في مكان واحد ويمل منه، وبديهي أن يؤثر هذه الطبيعة في نظريته إلى السياسة، وفي طريقة حربه؛ فهو مع كبير مهارته في حروب العصابات المبنية على الكر والفر، والتي مرن عليها في حياة الصحراء التي طبعته بطابع الحذر والاستعداد دائمًا، والتي كانت الغارة والغزو السريع المفاجئ من طبيعة الحياة فيها؛ فإنه لم يكن يستطيع المكوث في الحرب صابرًا حتى تنجلي عن نتيجة، ولا يظهر تعاونه مع بقية المحاربين على ما تقتضيه قوانين الجندية ونظمها، ثم إنه لا يبالي بترك موقعه في المعركة متى شاء ومتى ظن أن النصر قد تحقّق، ولو كان ذلكم مُخالفًا للأوامر الصادرة إليه من القيادة، وما حدث في موقعة أحد خير شاهد على ذلك، فإن الرماة الذين وضعهم النبي صلى الله عليه وسلم خلف جيش المسلمين ليحموا ظهره، وأمرهم ألا يبرحوا أماكنهم مهما كانت الظروف إلا بأمره، ما كادوا يرون تقهقر جيش العدو حتى ظنوا أنه النصر وتركوا أماكنهم بالرغم من شدة الأوامر إليهم، وسببوا بذلك هزيمة للجيش.
ولما كان النظم العسكري يتطلب تدريبًا خاصًّا ومعيشة في ثكنة أو معسكرات وقتية للتدريب والتعليم أمدًا، والتثقيف في كيفية استعمال الأسلحة، وهي أمور لا يميل الأعرابي إليها، صار الأعرابي أقصر باعًا من الجندي النظاميّ في الحروب الكبيرة المنظمة
وأقل حيلةً منه، كما أن عدم احتماله صبرَ الحرب، وعدم تقيّده بأوامر رؤسائه إليه، جعله يخسر بعد نصر ويفرّ بعد هجوم
كما لم تدرك القيادات في الجاهلية معنى إحكام الحصار والصبر عليه، ولا معنى احتلال المدن بعد هزيمة الجيش المدافع، فلم يدرك أبو سفيان بن حرب وهو على قيادة جيش قريش يوم أحد قيمةَ نصره، فلم يدخلِ المدينة ويحتلها مع أن الفرصة كانت مواتيةً له بعد هزيمة المسلمين وتفكّك جيشهم، كما لم تستطع قريش وأحلافها الصبرَ على الحصار طويلًا في معركة الخندق، فتراجعت
دون أن تحقّق شيئًا. وكما أن البدوي يعمل فرديًّا، كذلك كانت البطون فرديةعند اشتباك القبائل؛ فقد يرتدّ بطن من المعركة أو قد يتركها قبل أن تتمّ.
ولمحاربة هذه العادات عند العرب احتاج تدريبهم في أيام النبي صلى الله عليه وسلم إلى استغلال العاطفة الدينية، فزخر القرآن بالآيات المنظمة للقتال، وتفضيل التراص في الحرب على الفردية {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف] .
والمحذرة من عدم الصبر والهزيمة عند استمرار القتال، كما توعد المخالفين للأوامر والفارّين عند اللقاء بالعذاب الشديد، كما ندّد بدعاة الهزيمة والمتخاذلين الذين يعتذرون بشتىّ الأعذار عند رؤية العدو1.
ولقد كانت الحروب التي وقعت في أيام النبي صلى الله عليه وسلم وفي حروب الردّة فرصة طيبة لتعويد العرب التنظيم الحربيّ وخوض المعارك الكبيرة، وتدريب القادة؛ حتى إذا ما اندفع العرب إلى المجال الخارجيّ أيام الفتوح بعد انتهاء حروب الردّة، كان الجنديّ العربي أكثر قدرة على القتال من عدوِّه الفارسيّ أو الروميّ؛ ذلك لأن خشونة البدو وروح المغامرة مع الحذر المتأصِّلة فيهم انضاف إليها التدريب والتنظيم، فكانوا قوةً ساحقةً لم تستطع جيوش فارس والروم الوقوف في وجهها.
2-
الجيش عند القبائل:
لم يكن لدى القبائل جنود نظاميون مدرّبون؛ وإنما كان كل فرد من رجال القبيلة متمكنًا وذا قدرة على القتال، جنديًا محاربًا عليه تلبية النداء حين يدعي إلى الدفاع عن قبيلته أو لغزو قبيلة أخرى وكانت العصبية تدعو العربي إلى الوقوف في صفوف عشيرته إذا كانت القبيلة تقاتل قبيلةً أخرى وفي صفوف قبيلته إذا كان هناك قتال تشترك فيه قبائل متعددة. هذا في القبائل المتبدية. أمّا في أماكن الحضارة والاستقرار كما هو الحال في اليمن أو في الحيرة أو عند الغساسنة -فقد كانت المشيخات أو الإمارات تعتمد في الدفاع أو الهجوم على قبائلها، كما كان على القبائل أن تقدّم للملك عددًا معينًا من الرجال للخدمة العسكرية، كما هو الحال في المنطقة الغربية الجنوبية.
1 انظر سورة آل عمران 139- 170، النساء 71- 72، 104، التوبة 35- 38، 41، 94، الأنفال 2-12، النحل 92، الفتح 16، الأحزاب 12- 16.
"مملكة اليمن" أو في مملكة الحيرة، ومن هؤلاء يتألف الجيش النظامي للدولة وهو جيش دائم يُستخدم في السلم والحرب، أما في أيام الحروب فتشترك القبائل المتحالفة والمؤيدة للدولة كلها في الحرب، وقد حدث في أيام النبي صلى الله عليه وسلم كما حدث في حروب الردة، وكذلك في الفتوح الإسلامية، ولقد كانت القبائل تقاتل تحت رايتها متساندةً تحت إمرة رجال منهم يخضعون للقيادة العامة.
على أن العرب قد عرفوا علم الحرب كما علمته دول الحضارة في عصور الجاهليةالعربية؛ فقد كانت غسان على مقربة من الروم وكانت تدخل معهم في الفِرق المتطوعة على حالي الدفاع والهجوم، وكذلك كان ملوك الحيرة على مقربة من الفرس يشاركون في تكوين جيوشهم وفي حروبهم، وكان لملك الحيرة فرقتان إحداهما هي الشهباء والأخرى عربية تحمل شعار الدولة الفارسية "الأسدان" وتسمى به "الدوسر"1. والعربيّ لا يحتاج إلى أكثر من هذه المقاربة وهذه القدوة لالتقاط الفنون التي يحتاج إليها في تعبئة الجيوش، وللفطنة إلى المخاوف التي يتقيها في مواجهة التعبئة النظامية من جانب دول الحضارة، وقد تبين هذا فعلًا في موقعة ذي قار التي تغلب العرب على الفرس فيها2.
وقد كان العرب في هذه الموقعة أبرع قيادة وأخبر بفنون الزحف والتبعئة من قادة الجيوش النظامية، فلم يغفلوا قطّ عن حيطة واجبة أو حيلة نافعة قبل اشتباكهم بالجيوش الفارسية؛ بعثوا الطلائع وبثوا العيون وقسموا جموعهم إلى ميمنة يتولاها بنو عجل، وميسرة يتولاها بنو شيبان، وقلب تولته بطون من بكر بن وائل عليهم رئيسهم هانئ بن مسعود. وحاولوا إفساد الموقف على العدو بضمّ بعض القبائل الموالية له، وهي قبيلة إياد التي اتفقوا معها سرًّا على أن تنهزم عند اللقاء. ففرت في الميعاد المتفق عليه. كما كانوا يتشاورون في المواقف، وعرفوا كذلك نظام الكراديس والكمائن، ولم يغفلوا عن حمية الجند والفرسان يلهبونها للمجازفة بالحياة والأنفة من طلب النجاة، وهو ما نسميه بالروح المعنوية.
1 النويري 15/ 432.
2 ابن الأثير 1/ 189- 291، النويري 15/ 432.