المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وبفتح مكة خرجت الدولة الإسلامية من نطاق المدينة -الدولة اليثربية- - مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول صلى الله عليه وسلم

[أحمد إبراهيم الشريف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

-

- ‌جغرافية الجزيرة العربية والتشكيل القبلي

- ‌شبه جزيرة العرب

-

- ‌أقسام شبه الجزيرة العربية

- ‌الحجاز

- ‌أودية الحجاز:

- ‌مدن الحجاز:

- ‌مكة:

- ‌الطائف:

- ‌يثرب:

- ‌المناخ:

- ‌القبيلة العربية

- ‌مدخل

- ‌النظام السياسي للقبيلة العربية

- ‌مدخل

- ‌التشكيل الاجتماعي للقبيلة العربية:

- ‌دستور القبيلة

- ‌مستويات العصبية الاجتماعية

- ‌مهمة الدفاع لدى القبائل

- ‌الوضع الاقتصادي

- ‌مدينة مكة

- ‌مدخل:‌‌ مكة قبل الإسلام

- ‌ مكة قبل الإسلام

-

- ‌ نشأة مكة

- ‌قصي بن كلاب وعودة قريش إلى مكة:

- ‌حكومة مكة وسياستها الداخلية

- ‌مدخل

- ‌النزاعات العشائرية ووحدة القبيلة في مكة

- ‌قوة الزعامة في مكة وأثرها

- ‌ قوة قريش الحربية وعلاقتها بالقبائل الخارجية

- ‌علاقات مكة الخارجية

- ‌مدخل

- ‌علاقة مكة بالجنوب:

- ‌علاقة مكة بالشمال:

- ‌علاقة مكة بالفرس والحيرة:

- ‌الحج وأثره

- ‌مدخل

- ‌الكعبة البيت الحرام:

- ‌الحج

-

- ‌طقوس الحج وتقاليده

- ‌ثياب الإحرام:

- ‌الوقوف بعرفة:

- ‌الهدي والقلائد:

- ‌الحلق والتقصير:

- ‌آثار الحج الاقتصادية والاجتماعية:

- ‌الأشهر الحرم وأهميتها

-

- ‌ الحالة الاقتصادية

-

- ‌تجارة قريش الداخلية والخارجية

- ‌الربا:

- ‌النقد:

- ‌الأعداد والحساب:

- ‌المكاييل والموازين والمقاييس:

- ‌النشاط الزراعي والرعوي:

- ‌النشاط الصناعي:

- ‌الحالة الاجتماعية

- ‌مدخل

- ‌ طبقة الصرحاء:

- ‌ طبقة الموالي:

- ‌ طبقة الأرقاء:

-

- ‌الجاليات الأجنبية:

- ‌ النصارى:

- ‌ اليهود:

- ‌استعداد العرب للنقلة

- ‌مدخل

- ‌ظهور المصلح النبي

- ‌المفاهيم الجديدة في الدعوة:

- ‌الدعوة إلى الإسلام ومسايرة التنظيم العربي

- ‌أساليب قريش لمقاومة الدعوة

- ‌الهجرة في سبيل الدعوة:

- ‌مدينة يثرب

- ‌نشأة يثرب

- ‌مدخل

- ‌سكان المدينة

- ‌مدخل

- ‌اليهود

- ‌العرب

- ‌الأوس:

- ‌الخزرج:

- ‌التنظيم الداخلي والعلاقة بين السكان

- ‌مدخل

- ‌ العلاقات بين اليهود

- ‌ العلاقات بين العرب واليهود

- ‌ العلاقات بين الأوس والخزرج

- ‌ قوة يثرب وعلاقاتها الخارجية

-

- ‌ الحالة الاقتصادية

- ‌النشاط الزراعي

-

- ‌النشاط الرعوي

- ‌الصيد:

-

- ‌النشاط التجاري

- ‌التجارة الداخلية:

- ‌التجارة الخارجية:

- ‌المكاييل والموازين:

- ‌العملة:

- ‌النشاط الصناعي

-

- ‌ الهجرة وتأسيس الدولة الإسلامية في يثرب

- ‌تكوين الدولة في يثرب

- ‌الصحيفة

- ‌الصراع بين يثرب وخصومها

- ‌مدخل

-

- ‌ الصراع بين مكة والمدينة

- ‌الحالة الداخلية في يثرب "المدينة

- ‌الحالة الداخلية في مكة

-

- ‌بداية الصراع بين المدينتين

- ‌موقعة بدر سنة 2 ه

- ‌آثار موقعة أحد:

- ‌غزوة الأحزاب أو الخندق:

- ‌نتيجة الصراع

- ‌صلح الحديبية

-

- ‌ الصراع بين المسلمين واليهود

- ‌إجلاء بني قينقاع:

- ‌إجلاء بني النضير

- ‌القضاء على بني قريظة:

- ‌فتح خيبر والقضاء على قوة اليهود في جزيرة العرب:

-

- ‌ الصراع بين المدينة والقبائل العربية

- ‌غزوة مؤتة:

-

- ‌الخاتمة:

- ‌فتح مكة وتوحيد الجزيرة العربية

- ‌بيان براءة:

- ‌الخلافة الإسلامية وتثبيت دعائم الوحدة

- ‌مدخل

- ‌مشكلة الخلافة:

- ‌الردة:

- ‌الكشاف

- ‌أولًا: فهرس الأعلام

- ‌ثانيًا: الدول والقبائل والبطون والعشائر

- ‌ثالثًا: المواضع

- ‌رابعًا: الحروب والغزوات والوقائع

- ‌المصادر والمراجع

- ‌أولا: المراجع العربية

- ‌ثانيًا: المصادر والمراجع الأجنبية:

- ‌فهرس الموضوعات

الفصل: وبفتح مكة خرجت الدولة الإسلامية من نطاق المدينة -الدولة اليثربية-

وبفتح مكة خرجت الدولة الإسلامية من نطاق المدينة -الدولة اليثربية- إلى نظام الدول الكبيرة الموحدة، فقد أصبحت الدولة الإسلامية العربية تتكون من المدينة ومكة والطائف وما بينها وحولها من قبائل، وأصبح هدف النبي صلى الله عليه وسلم في توحيد العرب أمرًا محققًا، وكان فتح مكة خطوة كبيرة نحو هذا الهدف، تلتها خطوة أخرى لإقرار هذا التوحيد وتثبيت دعائمه، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم أصدر في نهاية العام التاسع بيانًا سمي:"بيان براءة".

ص: 417

‌بيان براءة:

كان هدف النبي صلى الله عليه وسلم في صراعه مع مكة توحيد العرب في دولة واحدة تحت راية الإسلام، وكان فتح مكة خطوة نحو تحقيق هذا الهدف؛ فبعد أن ألقت مكة لواء المعارضة لم يكن في الجزيرة العربية قوة أخرى تستطيع حمل هذا اللواء، ذلك لأن قريشًا كانت قد وصلت إلى مركز الزعامة الحقيقية في الجزيرة العربية من الناحية الاجتماعية والأدبية والدينية، وكانت في مركز التشريع للعرب. فكان دخولها في الإسلام وانضمامها إلى معسكر النظام الجديد يعني نهاية عهد معين هو عهد الوثنية كما كان ابتداء لاتجاه نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما وراء مكة إلى شبه الجزيرة العربية كلها، ولم يكد هذا الفصل من حياة الدعوة الإسلامية يتم حتى اتصلت القبائل كلها بهذه الحكومة اليثربية الحجازية، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم قد تحول من مجال ضيق إلى مجال أوسع، وهذا التحول كان مقرونًا بالصدى الهائل الذي تجاوب في جزيرة العرب بعد فتح مكة هذا الصدى الذي أظهر العرب على أن الحكومة الجديدة صاحبة الدين الجديد قوة يجب الاتصال بها، فتتالت وفود القبائل في العام التاسع للهجرة، إلى أن رأى النبي صلى الله عليه وسلم في آخر هذا العام الذي سمي بعام الوفود أن يقوم بعمل حاسم فيه استكمال لشيء ضروري للوضع الجديد، ذلك أنه وإن أرسلت القبائل وفودها تعلن إسلامها وخضوعها؛ إلا أنه بقيت أقلية لم تتصل بالمدينة، وبقي من بين رجال القبائل أناس لم يدخلوا في الإسلام وكان الوضع يقتضي أن تحدد هذه القبائل موقفها، فإما أن تدخل في النظام الجديد،

ص: 417

وإما أن تعتبر منفصلة عنه، والنظام الجديد دين ودولة، أو هو دولة قائمة على أساس الدين، والدخول في هذا النظام له ناحيتان:

بالنسبة للوثنيين من العرب يجب عليهم أن يعتنقوا الإسلام كمظهر لدخولهم في النظام الجديد وإقرارهم بالوحدة العربية.

وبالنسبة لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، يجب أن يعلنوا ارتباطهم بالدولة الجديدة عن طريق الخضوع لها ودفع الجزية، والجزية ضريبة مالية يدفعها الرجال البالغون القادرون على الكسب ويعفى منها النساء والأطفال على أن تقوم الدولة بكفالة الحماية لهؤلاء لناس وإعطائهم حقوق الرعية، وتنفيذ القانون عليهم، مع إعفائهم من الخدمة العسكرية، وقد استمر هذا النظام بعد ذلك بالنسبة للبلاد التي فتحها المسلمون والتي كان أهلها يدينون بدين كتابي.

ولتحقيق ضم هذه الفئة القليلة التي أشرنا إليها وتحديد موقفها، أصدر النبي صلى الله عليه وسلم في نهاية العام التاسع للهجرة بيانًا عُرِف ببيان براءة، وكان هذا البيان وحيًا، ولم يكن من كلام النبي صلى الله عليه وسلم لأنه جاء من آيات قرآنية في صورة من سور القرآن الكريم وهي سورة التوبة، وقد بدئت بكلمة: براءة فسمي هذا البيان "بيان براءة" وقد أذاعه النبي صلى الله عليه وسلم في مناسبة عامة يحضرها العرب من كافة أنحاء الجزيرة العربية، وفي يوم مشهود هو يوم الحج الأكبر، حيث اجتمع الحجيج كلهم في صعيد واحد عند جبل عرفات، وكان على الحج في هذا العام أبو بكر الصديق، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل مندوبًا خاصًّا هو علي بن أبي طالب، وإرسال علي لهذا الغرض يعطي أهمية خاصة للموضوع، إذ إنه يعتبر مندوبًا خاصًّا لإذاعة حالة خاصة، ولم يُكَلَّف بذلك أبو بكر حتى لا يعتبر البيان مندرجًا في حالة عامة هي حالة الحج، ثم إن البيان كان نبذًا لعهود بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين بعض القبائل، وكان العرف يقضي بأن يقوم بنبذ صاحب العهد نفسه أو رجل من عصبته شديد القرابة به؛ ولذلك أرسل عليًّا لتلاوة هذا البيان وإعلان الناس به.

ص: 418

{بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ، وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ، فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ، كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ، كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ، اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ، فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ، أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ، قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ، إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ

ص: 419

وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ، أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ، يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ، لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ، ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ، إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ

ص: 420

الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة] .

أعلن البيان أن الله بريء من المشركين، وأنه لا عهود بينهم وبين الدولة الإسلامية وأن الذين سبقت لهم عهود محدودة بأجل معلوم؛ فلم ينقصوها شيئًا ولم يعينوا على المسلمين أحدًا، توفى إليهم عهودهم إلى مدتهم ثم لا تتجدد، ثم أجل المشركين فرصة أربعة أشهر ليفكروا في وضعهم، فإما أن يعلنوا إسلامهم وينضموا للدولة الجديدة، وإما يعتبروا خارجين عليها متمردين على نظامها.

ووجود فئة لا تدين بمبادئ الدولة الإسلامية ولا تخضع لقوانينها -أمر بالغ الخطورة في كيان الدولة الداخلي، وكان لا بد أن يخضع هؤلاء الناس لنظام الدولة أو يحاربوا بمعنى أن يوضعوا في حكم الأعداء، ولكنهم أعداء داخليون يترتب على عداوتهم خطر كبير على كيان الدولة، ومن هنا لم يقبل الإسلام منهم إلا الدخول فيه والخضوع له، وليس للمشركين ديانة تحترم ولا مثل تفرض هذا الاحترام كأصحاب الديانات السماوية الأخرى، فالإسلام قد اعترف بالديانات السماوية واعتبر الدين وحدة واحدة، وأن رسالة الإسلام إنما جاءت لتأكيد هذه الوحدة وتطهيرها مما علق بها، وتأكيد وحدانية الله التي جاءت بها، لذلك اعتبر أهل الكتاب داخلين في وحدة الدولة إذا ما أعلنوا خضوعهم لها ووفوا بالتزاماتهم نحوها، وكان على هذه الفئة القليلة من المشركين وأهل الكتاب أن تحدد موقفها؛ فإما إسلام وخضوع للدولة وإما تعرض للحرب الشاملة.

ثم أعلن البيان أن مكة بيتها وحرمها إسلاميًّا خالصًا لا يجوز أن يدخله مشرك، وأن الحج أصبح حجًّا إسلاميًّا بعد أن برئت الكعبة من الأصنام؛ ولذلك فيجب ألا يحج مشرك ولا يقرب المسجد الحرام، وإذا كانت الدولة قد حرصت على وحدتها بإعلان براءتها من المشركين، فهي كذلك لم تعد في حاجة إلى الذين دخلوا فيها من قبل بمظهرهم دون قلوبهم وهم الذين عرفوا بالمنافقين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم مضطرًا إلى مداراتهم حرصًا على الترابط الداخلي في دولته الناشئة؛ لأن سلطان العصبية كان قويًّا، فلو أنه قتلهم أو عاقبهم لربما جر ذلك إلى انتصار عشائرهم لهم، وبذلك يحدث تخلخل في صفوف الدولة، أما وقد رسخت أقدام الدولة واستقرت المبادئ في نفوس المسلمين وأصبحت بسلطانها أقوى من العصبية، فلم تعد هناك ضرورة للمداراة؛

ص: 421

ولذلك استمر البيان بعد ذلك يفضح المنافقين ويندد بهم تنديدًا شديدًا، وينذرهم بالعقاب الشديد في الدنيا والآخرة، ويحذر المسلمين من مصانعتهم وودهم، ويعتبرهم عنصرًا ضارًّا في الدولة مفسدًا فيها، يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، وإذا كانوا في مظهرهم يبدون من المسلمين؛ لكنهم في حقيقتهم ليسوا منهم، وحتى لو أكدوا هذا وحلفوا عليه فإنما ذلك يكون منهم فرقًا حتى إذا ما وجدوا فرصة انتقضوا وكانوا عونًا على الدولة لا عونًا لها؛ ولذلك أنذرهم بأنهم إن أرادوا أن يكونوا مع المسلمين في توادهم وتراحمهم فعليهم أن يطهروا أنفسهم من النفاق وهو الكفر الباطن1.

والبيان في هذا الشأن يشرك الشعب في تصفية المجتمع، فإن الدولة لا تستطيع بأجهزتها مهما بلغت من الدقة أن تكشف عن خفايا نفوس الناس وأن تعرفهم معرفة مباشرة، وإنما يعرف الأفراد بعضهم بعضًا بالمخالطة والمكاشفة، والمجتمع السليم هو الذي يوجد فيه أفراد يشاركون الدولة مسئوليتها في تطهير المجتمع من الفئات الضارة المنحرفة المتغلغة فيه؛ ولذلك استعدى البيان المسلمين المؤمنين على هذه الفئة المنافقة؛ ليشعرها بالعزل الاجتماعي حتى تندرج بكليتها في النظام الجديد، أو تحس بوحدتها وانعزالها.

وقد آتى هذا البيان ثمرته فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد حج في العام العاشر حِجَّتَه الأخيرة. وهي الحجة التي حجها على النظام الكامل، وحج معه فيها حوالي مائة ألف حاج من العرب2 لم يكن من بينهم مشرك واحد. ومعنى هذا أن البيان أحدث تأثيره المطلوب.

وفي هذه الفترة التي تقع بين إعلان براءة ووفاة النبي صلى الله عليه وسلم طبق الرسول صلى الله عليه وسلم قانون براءة في حذر شديد وكياسة سياسية بارعة، وتجنب الاصطدام بالقبائل وإلا حرج كبرياءها وأثار عصبيتها؛ ولذلك كان يكتفي من وفودها بإعلان إسلامهم وإعلان انضمامهم إلى حكومته، ويرسل معهم عند عودتهم معلمين يعلمونهم الإسلام في بلادهم، وهؤلاء المعلمون هم أول صنف من الدعاة وأول صنف من الولاة والعمال في الدولة الإسلامية، وعلى أيديهم دخلت القبائل في الإسلام وجمعت الصدقات من كافة القبائل ووزعت على الفقراء توزيعًا محليًّا ولم يرسل إلى يثرب إلا الفائض3.

1 انظر سورة التوبة 42- 110.

2 إمتاع 1/ 512.

3 ابن هشام 4/ 271.

ص: 422

وهؤلاء الولاة الجباة المعلمون الأولون لم يشلوا يد رؤساء القبائل حين وقفوا إلى جوارهم، بل كانوا يتعاونون تعاونًا تامًّا، وفي بعض الأحيان كانوا يضعون أنفسهم في حمايتهم.

وبدخول القبائل في الإسلام على هذا النحو أصبحت الجزيرة العربية كلها تحت سلطان دولة واحدة ولأول مرة في تاريخ الجزيرة يتوحد العرب تحت سلطان دولة عربية واحدة ولم يخرج على نفوذ الدولة من قبائل العرب إلا ما كان منها تحت نفوذ الدول الكبرى على حدود الجزيرة في بادية العراق والشام، والحد الذي كان يشغل بال النبي هو الحد المتاخم لدولة الروم، وقد حدث من جانب عرب الغساسنة والقبائل الموالية للدولة الرومية ما استدعى من النبي صلى الله عليه وسلم أن يوجه بعض الحملات الحربية؛ لتوطيد سلطان دولته وتأديب القبائل التي تهدد حدودها الشمالية، وقبل وفاته قام بحملة كبيرة اشتركت فيها معظم قبائل العرب وبلغت عدة رجالها ثلاثين ألفًا1، إذ قد وصل إلى سمعه إشاعة حشد الروم على حدود الدولة العربية، لكن النبي صلى الله عليه وسلم حين وصل إلى تبوك لم يجد هذه الحشود المزعومة، فوادع المدن والقبائل على الحدود، وكان أمر هذه الحدود يشغله طيلة الفترة الأخيرة من حياته حتى أعد بعثًا عسكريًّا إلى هذه الجهة لم ينفذ إلا بعد وفاته.

وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم في أول العام الحادي عشر بعد أن حج بنفسه في نهاية العام العاشر حجته الإسلامية الوحيدة التي سميت فيما بعد بحجة الوداع وفيها أقر النبي صلى الله عليه وسلم المبادئ العليا، وبين للناس أن الإسلام كرسالة وكمبادئ قد اكتمل، وأن به قد أكمل الله على الناس دينهم وأتم عليهم نعمته:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا} [المائدة: 3]2.

1 ابن هشام 4/ 169- 184.

2 ابن هشام 4/ 275- 278.

ص: 423