الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخَمْرَ بأنَّها: «ما خَامَر العَقْلَ وَحَجَبَهُ» . (بلوغ المرام لابن حجر وشرحه سبل السلام للصنعاني، ج 4 ص 47).
وانعقد إجماع الصحابة على هذا التفسير، وعلى تحريم الخَمْر، وعلى أنَّ العِلَّة في التحريم الإسْكَار.
هذا وقد ثبت أنَّ للخَمْرِ آثاراً وأضراراً جسيمة أدبيَّة ومادِّيَّة؛ إذ هي تؤدِّي إلى زوال العَقْل وإفساد الإنسانيَّة للشارب، وإهدار آدَمِيَّته وكرامته، كما تُفْسِد علاقته بأهلِه وأقارِبه ومُجتمعه، وتَحُطُّ من شأنه، وتقضي على حَيويَّته، وتُصيب الجسم بالعِلَل؛ لما لها من تأثير ضارٍّ على المَعِدَة والكَبِد، ومع هذا تُذْهِب بأموال الشارب ومُمتلكاته، ومتى اخْتَلَّ العَقْل وفسد بشُرْب المُسْكِرَات انقطعت صِلَة شاربها بربِّه، وابتعد عن عبادته؛ لأنَّها تُورِث قسوة القلب، وتُدَنِّس النَّفْس، فلا يتذكَّر عظمة الله وقُدْرته.
لهذا كانت الخَمْر صِنْواً للشِّرك بالله، ورِجْساً من عمل الشيطان؛ كما وصفها القرآن الكريم في تلك الآية.
جعلنا الله ممَّن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه. والله سبحانه وتعالى أعلم.
[موقع دار الإفتاء المصرية (رقم 1986)]
* * *
حقيقةُ الخَمْر وحُكْمُها
(271) السؤال: ما حُكْمُ الإسلام في الخَمْر؟ وما هو حَدُّ شارب الخَمْر؟ وإلى أيِّ حَدٍّ يجوز لغير المسلمين الاتِّجار فيها، وبيعها للمسلمين على رؤوس الأشهاد؟ وما هو حدُّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
؟
وما قول فضيلتكم في مُسلمٍ أساءَه الاستهتار بالدِّين؛ إذ رأى الحانات تُفْتَحُ أمام المساجد، فدعا المسلمين إلى العمل على إغلاقها، وقَصْر بيعها على أهل الذِّمَّة في أحيائهم؟ ولفضيلتكم أكرم الثواب.
الجواب: اطَّلَعْنا على هذا السؤال ونفيد بما يأتي:
عن المسألة الأُولى: إنَّ حكم الخَمْر في الشريعة الإسلاميَّة هو الحُرْمَة، وذلك ثابت بالكتاب والسُّنَّة.
أمَّا الكتاب فقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 90 - 91].
وأمَّا السُّنَّة؛ فقوله عليه الصلاة والسلام: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ) رواه أبو داود والإمام أحمد، وروى عبد الله بن عمر أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:(لَعَنَ اللهُ الخَمْرَ، وَشَارِبَهَا، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَهَا، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ) رواه أبو داود. إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة الواردة في تحريم الخَمْر.
قال ابن قُدَامة في (المُغْنِي): «وثبت عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم تحريم الخَمْر بأخبار تبلغ بمجموعها رُتْبَةَ التَّواتُر» .
هذا والخَمْر: كلُّ مُسْكرٍ خَامَرَ العَقْل وسَتَرَه؛ فاسم الخَمْر يتناول كلَّ شراب مُسْكِرٍ؛ سواء أكان من العِنَبِ أو من غيره، وهذا ما عليه جمهور الفقهاء وأهل الحديث جميعاً، ويدلُّ على ذلك ما جاء في البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:(خَطَبَ عُمَرُ رضي الله عنه عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: العِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالعَسَلِ، وَالخَمْرُ: مَا خَامَرَ العَقْلَ).
وما رواه البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كُنْتُ أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَةَ وَأَبَا طَلْحَةَ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ مِنْ فَضِيخِ زَهْوٍ وَتَمْرٍ، فَجَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: قُمْ يَا أَنَسُ فَأَهْرِقْهَا، فَأَهْرَقْتُهَا)، والفَضِيخُ
-بوزن عظيم-: اسم للبُسْرِ إذا شَدَخَ ونَبَذَ.
والزَّهْوُ -بفتح الزَّاي وسكون الهاء بعدهما واو-: هو البُسْرُ الذي يَحْمَرُّ أو يَصْفَرُّ قبل أنْ يترَطَّبَ.
وفي البخاري عن أنس أيضاً قال: (كُنْتُ قَائِماً عَلَى الحَيِّ أَسْقِيهِمْ -عُمُومَتِي وَأَنَا أَصْغَرُهُمْ سِنًّا- الفَضِيخَ فَقِيلَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ، فَقَالُوا: أَكْفِئْهَا، فَكَفَأْتُهَا).
وعن بكر بن عبد الله أنَّ أنسَ بن مالكٍ حدَّثهُم (أَنَّ الخَمْرَ حُرِّمَتْ، وَالخَمْرُ يَوْمَئِذٍ البُسْرُ وَالتَّمْرُ)، إلى آخر ما جاء في البخاري.
وما أحسن ما نقله الحافظ ابن حجر عن القُرطبي من قوله: «الأحاديث الواردة عن أنس وغيره على صحَّتها وكثرتها تُبْطِلُ مذهب الكوفيِّين القائلين بأنَّ الخَمْر لا يكون إلَّا من العِنَب، وما كان مِنْ غيرِه لا يُسمَّى خَمْراً، ولا يتناوله اسم الخَمْر، وهو قولٌ مُخالِفٌ للُغَةِ العَرَب، وللسُّنَّة الصحيحة، وللصحابة؛ لأنَّهم لما نزل تحريم الخَمْر فهموا من الأمر باجتناب الخَمْر تحريم كلِّ مُسْكِرٍ، ولم يُفَرِّقوا بين ما يُتَّخَذُ من العِنَبِ وما يُتَّخَذُ من غيره، بل سَوَّوا بينهما، وحرَّموا كلَّ ما يُسْكِرُ نوعه، ولم يتوقَّفوا ولا اسْتَفْصَلوا، ولم يُشْكِلْ عليهم شيء من ذلك، بل بادروا إلى إتلاف ما كان من غير عصير العِنَب، وهم أهلُ اللِّسان، وبلُغَتِهم نزل القرآن
…
فلو كان عندهم فيه تردُّدٌ لتوقَّفوا عن الإراقة حتَّى يستكشفوا ويستفصلوا ويتحقَّقوا التحريم؛ لما كان تقرَّر عندهم من النهي عن إضاعة المال، فلمَّا لم يفعلوا، وبادروا إلى الإتلاف عَلِمْنا أنَّهم فهموا التحريم نصًّا، فصار القائل بالتفريق سالكاً غير سبيلهم. ثمَّ انضاف إلى ذلك خُطْبةُ عمر بما يوافق ذلك -وهو ممَّن جَعَلَ الله الحقَّ على لِسانِه وقَلْبِه-، وسمعه الصحابة وغيرهم فلم يُنقَلْ عن أحدٍ
منهم إنكار ذلك.
وإذا ثبت أنَّ كل ذلك يسمى خَمْراً لزم تحريم قليله وكثيره، وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة في ذلك، ثمَّ ذَكَرَها.
قال: وأمَّا الأحاديث عن الصحابة التي تمسَّك بها المُخالِف فلا يصحُّ منها شيء على ما قال عبد الله بن المبارك وأحمد وغيرهم، وعلى تقدير ثبوت شيء منها فهو محمولٌ على نقيع الزَّبيب أو التمر من قبل أن يدخل حَدِّ الإسْكار؛ جمعاً بين الأحاديث» ا. هـ.
وقد قال أبو بكر بن العربي في كتابه (أحكام القرآن) عند قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} [البقرة: 219]: «إنَّ الخَمْر كُلُّ شراب مُلِذٍّ مُطْرِبٍ. قاله أهل المدينة وأهل مكَّة.
وتعلَّق أبو حنيفة بأحاديث ليس لها خُطُمٌ ولا أَزِمَّة ذكرناها في شرح الأحاديث ومسائل الخلاف، فلا يلتفت إليها» أ. هـ.
والصحيح ما روى الأئمَّة أنَّ أنساً قال: (حُرِّمَتِ الخَمْرُ يَوْمَ حُرِّمَتْ وَمَا بِالمَدِينَةِ خَمْرَ الأَعْنَابِ إِلَّا قَلِيلٌ، وَعَامَّةُ خَمْرِها البُسْرُ وَالتَّمْرُ) خرَّجه البخاري.
واتَّفق الأئمَّة على رواية أنَّ الصحابة إذ حُرِّمَتِ الخَمْر لم يكن عندهم يومئذ خَمْر عِنَبٍ، وإنَّما كانوا يشربون خَمْر النَّبيذ، فكسروا دِنانَهُم وبادروا بالامتثال؛ لاعتقادهم بأنَّ كلَّ ذلك خَمْر. إلى آخر ما قال.
وجملةُ القول: أنَّ اسم الخَمْر المُحَرَّمة في الشريعة الإسلاميَّة يتناول كلَّ مُسْكِرٍ، إمَّا على سبيل الحقيقة اللُّغويَّة أو على سبيل الحقيقة الشرعيَّة، بأنْ يكون الشارع نَقَلَها من نوع خاصٍّ من الشَّراب المُسْكِر إلى مفهومٍ يتناول جميع أنواع الشَّراب المُسْكِر.
وعلى فَرْضِ أنَّ اسم الخَمْر لا يُطْلَقُ حقيقةً على كلِّ شَراب مُسْكِر؛ فالنصوص المستفيضة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الصِّحاح والسُّنَن والمَسانِيد قاطعةٌ
بأنَّه صلى الله عليه وسلم حَرَّم كُلَّ مُسْكِر، ولولا خشية الإطالة لذكرنا هذه النصوص.
ومن شاء الاطِّلاع عليها فليرجع إلى كتب الأحاديث، أو باب الأشربة وحَدِّ الشَّراب، الجزء الرَّابع من (فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية)؛ فقد ذكر رحمه الله كثيراً من هذه الأحاديث، ثمَّ قال: «فمن اعتقد من العُلماء أنَّ النَّبيذ الذي رُخِّصَ فيه يكون مُسْكِراً -يعني من نبيذ العَسَل والقَمْح، ونحو ذلك- فقال: يُباح أنْ يتناول منه ما لم يُسْكِر فقد أخطأ.
وأمَّا جماهير العُلماء فعَرَفوا أنَّ الذي أباحه هو الذي لا يُسْكِرُ، وهذا القول هو الصحيح في النصِّ والقياس.
أمَّا النصُّ فالأحاديث كثيرة فيه.
وأمَّا القياس؛ فلأنَّ جميع الأشربة المُسْكِرَة متساوية في كونها تُسْكِر، والمفسدة الموجودة في هذا موجودةٌ في هذا، والله تعالى لا يُفَرِّق بين المتماثلين، والتَّسْوية بين هذا وهذا من العَدْل والقياس الجَلِيِّ، فتبيَّن أنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْر حَرَام. والحَشِيشة المُسْكِرَة حَرامٌ، ومن استحلَّ المُسْكِرَ منها فقد كَفَر» ا. هـ.
وجاء في (تفسير الألوسي) -عند قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} الآية [البقرة: 219] بعد كلام- ما نَصُّه: «وعندي أنَّ الحقَّ الذي لا ينبغي العُدول عنه أنَّ الشراب المتَّخَذَ ممَّا عدا العِنَب كيف كان، وبأيِّ اسمٍ سُمِّي، متى كان بحيث يُسْكِرُ مَنْ لم يتعَوَّده حَرَام، وقليلُه ككثيره، ويُحدُّ شاربُه، ويَقَعُ طلاقُه، ونجاسته غليظة.
وفي (الصحيحين): أنَّه صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عن النَّقيع -وهو نبيذ العَسَل- فقال: (كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ)، وروى أبو داود:(نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ ومُفتِّرٍ)، وصحَّ:(مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ)، وفي حديث آخر:(مَا أَسْكَرَ الفَرَقُ -مكيالٌ يسع ستة عشر رِطْلاً- مِنْهُ فَمِلْءُ الكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ)،
والأحاديث متضافرة على ذلك»، إلى آخر ما قال الأَلُوسِي.
…
وممَّا ذكرنا كلّه يتبيَّن جليًّا أنَّ الحقَّ أنَّ كلَّ مُسْكِرٍ حَرام، قليلُه وكثيرُه في ذلك سواء.
ومن هنا كانت الفتوى في مذهب أبي حنيفة على رأي محمَّد القائل بذلك.
عن المسألة الثانية: أنَّ حَدَّ شارب الخَمْر هو الجَلْدُ، ولكنَّ الفقهاء اختلفوا في مقداره؛ فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنَّه ثمانون جَلْدة.
وذهب الإمامُ الشافعيُّ إلى أنَّه أربعون جَلْدَة.
وعن الإمام أحمد روايتان؛ قال ابن قُدامة في (المُغْنِي) ما نصُّه: «وبهذا قال مالك والثوريُّ وأبو حنيفة ومن تبعهم؛ لإجماع الصحابة؛ فإنَّه رُوِي أنَّ عمرَ استشار الناس في حَدِّ الخَمْر، فقال عبد الرحمن بن عَوْف:(اجْعَلْهُ كَأَخَفِّ الحُدُودِ ثَمَانِينَ، فَضَرَبَ عُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكَتَبَ بِهِ إِلَى خَالِدٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ بِالشَّامِ).
وروي أنَّ عَلِيًّا قال في المَشُورَة: (إِنَّهُ إِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى؛ فَحُدُّوا حَدَّ المُفْتَرِي) روى ذلك الجوزجاني والدارقطني وغيرهما.
والرواية الثانية: أنَّ الحَدَّ أربعون، وهو اختيار أبي بَكْرٍ من الحنابلة، ومذهب الشافعي؛ لأنَّ عليًّا جَلَد الوليد بن [عقبة] أربعين، ثمَّ قال:(جَلَدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَرْبَعِينَ، وَأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّة، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ) رواه مسلم.
وعن أنسٍ قال: (أُتِيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الخَمْرَ فَضَرَبَهُ بِالنِّعَالِ نَحْواً مِنْ أَرْبَعِينَ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فَصَنَعَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ عُمَرُ فَاسْتَشَارَ النَّاسَ فِي الحُدُودِ. فَقَالَ ابْنُ عَوْفٍ: أَقَلُّ الحُدُودِ ثَمَانُونَ؛ فَضَرَبَهُ عُمَرُ) متَّفق عليه. وفعل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم حُجَّةٌ لا يجوز تَرْكُه بفعل غيره، ولا ينعقدُ الإجماع على ما خالف فعل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم-
وأبي بكرٍ وعَلِيٍّ رضي الله عنهما، فتُحْمَل الزيادة من عُمَرَ على أنَّها تعزيرٌ يجوز فِعْلُها إذا رآه الإمام». انتهت عبارة (المُغني).
والظاهر لنا وجاهة القول بأنَّ الحَدَّ أربعون، وللإمام أن يُعزِّر مع إقامة الحَدِّ بما يراه أصلح.
هذا؛ ومن يُقيمُ الحَدَّ إنَّما هو الإمام أو من ولَّاه الإمام ذلك.
عن المسألة الثالثة: لا يجوز تمكين غير المسلمين من بيع الخُمُور ظاهراً في أمصار المسلمين، لأنَّ إظهار بيع الخَمْر إظهارٌ للفِسْق، فيُمْنَعُون من ذلك.
نعم؛ لهم أن يبيعوا الخَمْر بعضهم لبعض سِرًّا.
وعلى الجملة: لا يجوز الاتِّجار بالخَمْر في أمصار المسلمين على رؤوس الأشهاد؛ كما يؤخذ هذا من (البدائع صفحة 113 من الجزء السابع)، ومن (فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية في باب الأشربة من الجزء الرابع).
عن المسألة الرابعة: إنَّ من أوجب الواجبات الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وذلك ثابت بالكتاب الكريم والسُّنَّة؛ قال الله تعالى:{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، وقال تعالى:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، ومعنى التعاون على البِرِّ والتَّقوى: الحثُّ عليهما، وتسهيل طُرُق الخير، وسدُّ سُبُل الشَّرِّ والعدوان بحسب الإمكان.
وقد روى مسلم عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ)، وروى الترمذيُّ عن حُذيفة رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ المُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ
يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَاباً مِنْهُ)، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث المتضافرة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد فصَّل العُلماء شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبيَّنوا حدود ذلك.
وأحسن من كتب في هذا الموضوع -على ما رأينا- هو حُجَّة الإسلام الغزالي؛ (في الجزء الثاني من كتاب إحياء علوم الدين)، فقد أطال رحمه الله تعالى القول في ذلك، وشرح هذا الموضوع شرحاً وافياً. والذي يهمُّنا في الإجابة عن هذا السؤال هو ما ذكره من أنَّه إذا كانت المعصية راهنة وصاحبها مباشر لها؛ كلبسه الحرير، وإمساكه العود والخَمْر، فإبطال هذه المعصية واجبٌ بكُلِّ ما يمكن ما لم يؤدِّ إلى معصيةٍ أفْحَشَ منها أو مثلها، وذلك يثبتُ للآحاد والرَّعيَّة. فهذا صريح في أنَّ النهي عن المنكر إنَّما يكون إذا لم يترتَّب على هذا النهي مُنْكَرٌ أعظم من هذا المُنكر ومفسدةٌ أشدُّ من مفسدة فِعْل المُنكر. وهذا هو الذي ينبغي ألَّا يكون فيه خلاف.
وقد قال المحقِّق ابن القَيِّم في (أعلام الموقِّعين من الجزء الثالث) في مبحث تغيُّر الفتوى واختلافها بحسب تغيُّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيِّات والعوائد -بعد كلام- ما نَصُّه: «فإنكار المنكر أربع درجات:
الأولى: أن يزول ويخْلُفه ضدُّه.
الثانية: أن يَقِلَّ وإن لم يَزُلْ بجُملته.
الثالثة: أن يخْلُفه ما هو مثله.
الرابعة: أن يَخْلُفه ما هو شرٌّ منه.
فالدَّرجتان الأُولَيان مشروعتان، والثالثةُ موضع اجتهاد، والرَّابعة مُحرَّمة. اهـ.
وحينئذٍ لا يجوز الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر إذا ترتَّب على ذلك مَفْسَدَةٌ أشَدُّ وشَرٌّ أعظمُ من تَرْك المعروف وفِعْل المنكر».
ومن هذا يُعْلَم أنَّه إذا كان المسلم
الذي ساءَه الاستهتار بالدِّين إذْ رأى الحانات تُفتَحُ أمام المساجد إلى آخره دعا المسلمين إلى العمل على إغلاق هذه الحانات بطريقة لا يترتَّب عليها شرٌّ أعظم، ولا فتنةٌ أكبر؛ بأنْ دعاهم إلى مطالبة أُولي الأمر بمنع فتح هذه الحانات والاتِّجار بالخَمْر، ومنع سائر المنكرات التي فَشَت في الأُمَّة فأماتت القُلُوبَ، وأفسدَتْ على العُقُول إدراكَها، فأصبح كثيرٌ من الناس يستحسنون القبيح ويستقبحون الحسن، وفُقِدَت منهم قوَّة التَّمييز بين الخير والشرِّ، والنافع والضارِّ، والحَسَن والقبيح، كان هذا المسلمُ ومن يقوم معه قد أدَّوا ما هو واجب على حسب استطاعتهم.
أمَّا إذا قاموا بأنفسهم بإزالة هذا المنكر، وتغييره بأيديهم، وكان هذا ممَّا يترتَّب عليه فتنةٌ وشَرٌّ للأُمَّة أعظم من الاتِّجار بالخَمْر، فذلك ممَّا لا يجوز فعله، بل هو محظورٌ؛ لما يترتَّب عليه من المَفاسِدِ والمَضارِّ، كما قدمنا.
هذا وقد ذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى أنَّ تغيير المنكر باليد إنَّما هو على الأُمَرَاء والحُكَّام، والتغيير باللِّسان على العُلماء، والتغيير بالقَلْب على العَوامِّ؛ ذهاباً منه إلى أنَّ التغيير باليد يعتمد القُدْرة، وأنَّه لا قُدْرة لغير الأُمراء والحكام.
ولكن حديث: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ،
…
) إلى آخره، نصٌّ -كما قال العلَّامة البركوي- في كون الوجوب على هذا الترتيب على كلِّ شخصٍ، وهو قولُ أكثر العُلماء وهو المختارُ للفتوى.
غير أنَّ الأمر مُقَيَّد -كما قلنا سابقاً- بما إذا لم يترتَّب على ذلك شرٌّ أعظم ومفسدةٌ أكبر.
وخلاصة القول: أنَّ الشريعة الإسلاميَّة -كما قال المحقِّق ابن القَيِّم-: مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي